السبت 14 ديسمبر 2019 م - ١٧ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / هل يتسع الشرخ بين واشنطن وبرلين؟

هل يتسع الشرخ بين واشنطن وبرلين؟

أ.د. محمد الدعمي

لم تكن تلك الابتسامات والمصافحات، لبالغ الأسف، سوى عنوان لفصل مضنٍ من تاريخ الناتو، فصل قد لا ينتهي إلا بسدل الستار على هذا التحالف العتيد بأسره بالمرة، إن لم تبد الإدارة الأميركية والحكومات الأوروبية الغربية استعدادًا للتوفيق ولحل كل الخلافات أو النزاعات “بالتي هي أحسن”، كما يقال: أي بنوع من التسوية أو الخيار التوفيقي المبتنى على أن يقطع الفريقان، الأميركي والأوروبي، نصف المسافة الفاصلة بينهما كي يلتقيا على حدٍّ أدنى من التناغم..

لم يفلح الزعماء السوفييت السابقون (بمعية سواهم من قادة الكتلة الاشتراكية آنذاك) في إحداث شرخ في صفوف كتلة الأطلسي NATO الغربية طوال عقود الحرب الباردة، بيد أن صلابة هذا التحالف الأطلسي ما فتئت وأن أخذت تستجيب لعوامل التعرية والتآكل الآن، أي بعد عقود من انهيار الكتلة الشيوعية. ربما شعر من تبقى على قيد الحياة من الزعماء الشيوعيين السابقين بالأسى الآن لهذا التطور “المتأخر”، لأنهم كانوا قد تمنوا حدوثه في بداية العقد الأخير من القرن العشرين بضمن أجواء تنافس الحرب الباردة.
ويسجل الإخفاق الجاري الآن في صفوف الحلف الأطلسي على مسؤولية قيادته الأميركية الجديدة، بسبب مطالبة الرئيس دونالد ترامب، أن ينفق أعضاء هذا التحالف الأوروبيون، المزيد من المال لتغطية أنشطته العسكرية ولضمان استمرارية بقاء الحلف بمظلته النووية الأميركية لحماية أوروبا ما بعد الحرب الباردة.
وإذا لم يكن أحد من القادة الأوروبيين قد لاحظ جدية طلبات الرئيس ترامب للمزيد من المساهمات المالية إبان حملته الانتخابية نهاية العام الماضي، فإن هذا هو هاجسهم اليومي الآن، إذ ما فتئ الرجل يقض مضاجعهم مذ انتهت اجتماعاتهم قبل بضعة أيام، حيث راحت عواطف التنافس ومعطيات الاختلاف تدور على نحو سريع من وراء ماكنا نشاهده على شاشات الفضائيات من مصافحات ساخنة وابتسامات عريضة جمعت بين الرئيس الأميركي وحلفائه الأوروبيين، الأوروبيين الغربيين خاصة.
لم تكن تلك الابتسامات والمصافحات، لبالغ الأسف، سوى عنوان لفصل مضنٍ من تاريخ الناتو، فصل قد لا ينتهي إلا بسدل الستار على هذا التحالف العتيد بأسره بالمرة، إن لم تبد الإدارة الأميركية والحكومات الأوروبية الغربية استعدادًا للتوفيق ولحل كل الخلافات أو النزاعات “بالتي هي أحسن”، كما يقال: أي بنوع من التسوية أو الخيار التوفيقي المبتنى على أن يقطع الفريقان، الأميركي والأوروبي، نصف المسافة الفاصلة بينهما كي يلتقيا على حدٍّ أدنى من التناغم، وفي أجواء دولية مازالت تشهد تهديدًا روسيًّا جادًّا، خاصة بعد اجتياح موسكو شبه جزيرة القرم وتهديدها وجود وحرية جمهورية أوكرانيا الغنية.
إذًا، لا يأتي الشرخ داخل صفوف الأطلسي في أجواء تنافس دولي يخلو من الخطورة والتهديد المتبادل بين روسيا وأوروبا، خاصة بعد إضافة “وجع الرأس” الكوري الشمالي الذي لم يزل ينغز برج المراقبة الأميركي من آن لآخر بصاروخ أو اثنين قابلين لحمل الرؤوس النووية، بل ويخشى أن يكونا قابلين للوصول إلى السواحل الغربية للقارة الأميركية الشمالية!
لذا لا يمكن للمراقب الحذق أن يتجاهل ما يمكن أن أطلق عليه تعبير “مفارقة ميركل”، المستشارة الألمانية، التي دعت بصراحة أمام جمهورها يوم (الأحد 28/مايو) وهي تعب قدحين كبيرين من الجعة الألمانية الشهيرة أمام الكاميرات، إذ دعت أوروبا للتخلص من نير التحالف مع الولايات المتحدة وبريطانيا، نظرًا لأن هذا التحالف راح يستحيل عبئًا عليها، بسبب “المشروطيات” الأميركية والبريطانية التي يمكن لأوروبا، ألمانيا وفرنسا خاصة، التخلص من أثقاله لحظة محاولة بناء دفاعات أوروبية محلية تضمن لأوروبا حماية نفسها بنفسها.
لذا، وضعت أقوى دولة أوروبية اقتصادًا، أي ألمانيا، حلف شمال الأطلسي على المحك بسبب الإيحاء للولايات المتحدة ولقريناتها من دول أوروبا بأنه قد حان الوقت لرفع أعباء الحماية الأميركية عن كاهل الأوروبيين في سبيل أوروبا حرة وموحدة، قادرة على درء المخاطر المحيقة بها ذاتيًّا. ولا يدري المرء ما الذي سيترتب على هامش خطاب ميركل المذكور عند زيارتها واشنطن بعد أيام قلائل.

إلى الأعلى