الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / في ذكرى رحيل ممدوح عدوان

في ذكرى رحيل ممدوح عدوان

دمشق “أشرعة” :
كان الشاعر السوري ممدوح عدوان ـ الذي رحل في مثل هذه الأيام من العام 2004 م ـ يرى نفسه “دون كيشوت” أكثر بكثير من ذاك المجنون الذي قاتل برمحه، لأنه كان مصراً ـ رغم كل ما يحدث في العالم ورغم كل الثورات التكنولوجية التي شهدها العالم ـ على استخدام سلاح الكلمة.. ولأنه لا يستطيع السكوت ولا يتقن شيئاً إلا فن الكتابة، وسلاحه هو الكلمة، كان يكتب ليعبِّر عن نفسه بالدرجة الأولى، مؤمناً بأن الكلمة لم تفقد قيمتها، وأحياناً كانت الكتابة بالنسبة له نوعاً من الغِيبة للعالم حين كان يشعر أن العالم قويّ جداً وهو ضعيف لا يستطيع مجابهته.. لذلك وفي الوقت الذي عُرِف فيه بالتنوّع والغزارة في أكثر من حقل إبداعي (الشعر، المسرح، الدراما، الصحافة..) وهو من الأمور اللافتة في تجربته الإبداعية كان يحسّ بالفقر في إنتاجه ويتمنى أن تكون الأنشطة متاحة أكثر له كي يعبِّر عن نفسه أكثر لأنه كان يخشى أن يتعوّد التعبير عن نفسه بطريقة واحدة وبمنهج واحد، مؤمناً أنه ثمّة ظلال تبقى في النفس لا يمكن التعبير عنها لأنها لا تصلح لهذا الجنس الفني أو ذاك، ولهذا كان قد أوضح أكثر من مرة أنه عندما يريد أن يكتب ويشعر أن هذا الشيء الذي يعتمل في داخله لا يصلح إلا كقصيدة يكتب الشعر ليلغي من داخله المترجم والمسرحي والصحافي، ويتعامل مع الحالة بوصفه شاعراً، وما أن يخطر له خاطر ما لا يصلح إلاّ مسرحية كان يكتبه نصاً مسرحياً، وعند ذلك يصبح عقله مسرحياً فقط، مبيناً أن هذا الأمر ممكن وبسيط لإنسان يعتبر الثقافة همّاً وحرفة ولا يكتب بدافع الهواية فقط، وهاجسه أن يتقن ما يفعله، مؤكداً أن التعامل مع هذه الفنون كلها قد أغنى تجربته في كل جنسٍ من أجناسها، فالقصيدة عندما تكون درامية تكون أكثر قوّة، وأن يكون في المسرحية شعاع شعري تصبح أكثر قوة وجمالاً، وحتى الزاوية الصحفية حين تُكتب بحرارة وروح شعرية تتألق وتختلف عن كل الزوايا الصحفية الأخرى.
ظل الشعر في نفس عدوان الأكثر تأثيراً، فقول الشعر برأيه ينطلق من حالة شبيهة بالجنون، بمعنى أن الشاعر عندما يكتب قصيدة ويقدم رؤيته السائدة والمألوفة لا يكون قد قدم شيئاً مهماً، ولكنه إن استطاع بلحظة من اللحظات الإشراقية أن يرى ما لا يراه الآخرون وكتب عنه فهو بذلك يفكر بطريقة مختلفة تقربه من الجنون، ولهذا بيَّن أنه لا يستطيع أن يكتب شعراً إلا إذا شعر أن هناك جانباً جديداً في نفسه يريد أن يكشفه، وبغياب هذا الجديد يرفض أن يقول الشعر حتى لا يكرر نفسه، مؤمناً في الوقت ذاته أن الشعر صنعة وموهبة، وإن كانت نسبة الموهبة فيه لا تتعدى العشرين في المائة، وما تبقّى هو صنعة، لكن هذه الصنعة يجب أن تكون متقنة – برأيه – إلى حد تبدو فيه غير مصنوعة، مؤكداً أن الفن أصلاً صنعة لكن ليس كل صانع فناناً ،موضحاً أن الشاعر عندما يكتب قصيدته تنقح حتى تعود إلى سلاستها ويتلقاها المتلقي ويظن أن هذه ليست مصنوعة وغير متعوب عليها، وهذا ما يسميه العرب السهل الممتنع في البناء والأوزان والألفاظ والخلفية الثقافية والمنطق الذي يحكم التحليل الذي تقوم عليه.

لم يكتب قصيدة النثر ولم يستنكرها
وعن الحداثة التي سيطرت على الساحة الشعرية العربية وشعراء قصيدة النثر الذين كان لهم صولات وجولات لم يبرح فيها عدوان قصيدة التفعيلة وأكد أن الحداثة كانت مربكة في الحياة العربية، فهي حتى بصرياً أدت إلى تغيير في شكل القصيدة والتعامل مع القارئ، وقد تعمقت أكثر من ذلك عندما أخذت تتعامل مع موضوعات لم يكن يتم التعامل معها أو الاستفادة منها سابقاً والتي تتناول الأعماق النفسية وتستفيد من المكتشفات في علم النفس والانتربولوجيا، وكان رأيه أن الشاعر الحقيقي هو من يستطيع أن يستفيد ويمتص كل هذا النسخ الخارجي ويصنع منه قصيدة يقبلها القارئ، أما قصيدة النثر فقد اعترف عدوان بوجودها وهي شعر برأيه، لكن نسبة الشعر فيما كان يراه موجوداً لا تبلغ واحداً في الألف، وهذا يدل على نقص في الموهبة والثقافة والخبرة وأدوات التعبير، مبيناً أنه لم يكتب قصيدة النثر لكنه لا يستنكرها، وهو معجب ببعض شعراء قصيدة النثر مثل محمد الماغوط الذي لا يكتب إلا القصيدة النثرية، لكن هذا لم يلغِ حكمه القاسي على تيار القصيدة النثرية، والسبب أن الكثيرين استسهلوا الكتابة بها واعتبروها ملجأ للهروب رغم أنها فن صعب، إضافة إلى أن العديد من شعراء قصيدة النثر الذين لا يعرفون أسرار اللغة العربية ورشاقة ألفاظها وجمال التعبير فيها قاموا بنقل قصائدها وترجمتها عن اللغات الأجنبية فأتت باهتة لا لون لها وليس فيها شيء من روح الشاعر وموهبته الخاصة، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن لكل شاعر في العالم العربي أسلوبه وطريقته في التعبير، والاعتراف بشاعرية الآخرين أفضل من الهجوم غير المبرر وغير الموضوعي، ووجود الجيدين منهم يشكل زينة الإبداع العربي بحيث يكون لكل شاعر طعمه وأسلوبه ولونه وطريقة تعبيره، وهذا كله إغناء للساحة الإبداعية التي تتعدد فيها الأصوات والتجارب والخبرات.

كان ممدوح عدوان يعتز بأعماله المسرحية المونودرامية التي كتبها، وكان يعتبرها نقلة نوعية له ككاتب، ورغم ذلك توقف عن تقديمها وكان يفسر ذلك بأن تجربته فيها اقترنت بالفنان زيناتي قدسية الذي انشغل بأمور أخرى، كما كان عدوان من القلائل الذين لم يعترفوا بوجود أزمة نصوص في المسرح في ظل وجود أكثر من ألف نص عربيّ مكتوب برأيه، إلى جانب ما كُتِب في المسرح العالميّ وهو مترجَم بمعظمه إلى العربية، من هناّ فالأزمة ـ برأيه ـ تكمن في وجود مخرجين لا يقرؤون ولا يحبون أن يتعبوا أنفسهم في البحث، أو أن هناك من يريد أن يُفصَّل له نصٌّ كما يريد، وهذا ما جعل كثيرين منهم يكتبون نصوص أعمالهم، وكان يؤكد أن ظاهرة المخرج المؤلِّف في المسرح إحدى عيوب الواقع المسرحيّ، حيث المخرج برأيه يفكر بالنص ومن ثم يرتجله مع الممثل، وبالتالي كان يرى أن العقل الذي وراء العمل ليس عقلاً تأليفياً وإنما هو عقل يبحث عن شكل، لذلك كان متفائلاً بوجود مسرحيين يمكن أن يقدموا أعمالاً مهمة في حال التزموا بالنص، فلا مسرح حقيقي ـ برأيه ـ دون النص الذي كان شبه مقدس لديه فعُرِف عنه أن مهمته ككاتب لا تنتهي عند الانتهاء من كتابة أي عمل مسرحيّ، وهو الذي كان يؤمن بضرورة وأهمية تواجده أثناء بروفات العمل المسرحيّ، فعُرِف بأنه الكاتب المزعج الذي لا يترك المخرج على الخشبة لوحده.. وفي عالم التلفزيون وبالاتجاه ذاته كان عدوان مؤمناً أيضاً أن نقطة الانطلاق في العمل الدرامي هي النص الجيد المكتوب جيداً، أما المخرج فإنه يتعارك مع النص لكي يحوّله من كلام إلى صورة، ولذلك ليس هناك مسلسل ناجح دون نص ناجح، والمسلسل الرديء وراءه دائماً نص رديء، مبيناً أنه اقتحم عالم الدراما التلفزيونية لأنه كان يؤمن أن هذه الشاشة التي تقتحم البيوت يجب ألا نتركها لعديمي الموهبة ومروِّجي التفاهة، فشرع في كتابة الدراما التلفزيونية، وكان يهمه بطريقة غير مباشرة، وحتى تعليمية أن يقول للكتّاب: هكذا يجب أن تُخدَم الشخصية الدرامية دون أن يكون هدفه إعطاء الدروس، وهو كتب الدراما ليروي قصصاً ويقدم متعة كما يفعل الفن.
أكد عدوان أن ترجمته للإلياذة التي تُرجِمت أربع مرات هي الترجمة العربية الكاملة والأفضل دون أن ينكر أنه استفاد كثيراً من ترجمة أمين سلامة، مبيناً أن ترجمته جاءت لتسد فراغاً لأنها لم تترجم جدياً، وقد بذل في ترجمتها جهداً خاصاً، حيث اطلع على أربع ترجمات عربية وسبع ترجمات إنجليزية وعمل ما يمكن تسميته الترجمة المقارنة، إلى أن وصل إلى صيغة اعتمدها وقدم معها كمّاً كبيراً جداً من الهوامش التوضيحية التي اعتقدَ أن القارئ العربي بحاجة إليها من أجل أن يفهم النص والجو والمناخ أكثر.
رحل عدوان بعد مرض أعاقه في بدايته كثيراً، خاصة وأن مرضه جعله كثير النسيان، وبعد العلاج تحسّن كثيراً وعاد إلى العمل والكتابة والقراءة، واعترف أن المرض في بدايته كان مخيفاً، ولكن بعد ذلك تبيّن له أن المرض يجدد علاقة الإنسان بالحياة، وهذا ـ برأيه ـ كان مهماً جداً لأن تجديد العلاقة مع الحياة له علاقة بالإبداع.

إلى الأعلى