الأحد 8 ديسمبر 2019 م - ١١ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / قاهر البربرية

قاهر البربرية

أ.د. محمد الدعمي

إن عالمية الإسلام إنما تكمن في قدرته المهولة (المبرهنة تاريخيًّا) على العولمة وخلط الدماء والاقتصادات والأنشطة الثقافية والتجارية: ودليل ذلك هو أن أغلب البقاع التي تفوق الإسلام تبشيريًّا فيها، مقارنة بسواه من الأنظمة الدينية، قد احتضنت هذا الدين الحنيف طوعًا، لا بقوة السيف، كما يشيع الغربيون لذلك، تعسفًا.

واحد من أهم افتراضات بحثي الموسوم (الإسلام والعولمة: الاستجابة العربية الإسلامية لمعطيات العولمة) (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية، 2003) هو فرضية افتراض أساس مفاده جاذبية الإسلام تقليدًا روحيًّا ونظامًااجتماعيًّا لشعوب العالم ومختلف أقوامه، الأمر الذي جعله الدين الأكثر قدرة على التوسع عبر التبشير وكسب مختلف الأقوام على سبيل احتضانه، درجة صيرورته أكبر دين انتشارًا في العالم، كما يعتقد المتخصصون، شبه جازمين.
ولاريب في أن جاذبية هذا الدين الحنيف لم تأتِ من عدم، ذلك أنه نظام ديني يفرض تفوقه من قوة إشاعته الحضارة الكامنة فيه، وأقصد بذلك قدرته على فرض التحضر على أقوام بدائية كانت لعصور تحيا في ظلام الجهل والتخلف عبر مجاهل إفريقيا وأواسط آسيا وجزر المحيط الهندي. هذا هو ما أطلق الجدل المحتدم في بريطانيا الملكة فكتوريا (عصر الثورة الصناعية) حول الاستفهام المضني: لماذا يتفوق الإسلام على المسيحية تبشيريًّا في إفريقيا وفي سواها من البقاع التي لم تزل ترضخ لقوى الظلام والفساد والرجوعية، من بين سواها من القوى المعطلة.
لابد وأن الإسلام يكمن على قوة ساحرة قادرة على احتواء هذه الأقوام البربرية، أو التي كانت بربرية، حتى احتضانها ديننا الحنيف الذي وضعها على طريق التحضر بعد طور البربرية. بل إن الأكثر إثارة هو أن أقوامًا كانت بدرجة من البربرية والتوحش أنها اعتادت أكل لحوم البشر، بل وحتى المتوفى من الأقارب في حال توفاهم الله!
إن عالمية الإسلام إنما تكمن في قدرته المهولة (المبرهنة تاريخيًّا) على العولمة وخلط الدماء والاقتصادات والأنشطة الثقافية والتجارية: ودليل ذلك هو أن أغلب البقاع التي تفوق الإسلام تبشيريًّا فيها، مقارنة بسواه من الأنظمة الدينية، قد احتضنت هذا الدين الحنيف طوعًا، لا بقوة السيف، كما يشيع الغربيون لذلك، تعسفًا. إن الإسلام كان ولم يزل قوة حضارية طوال تاريخه، الأمر الذي يجعلنا في حال من الحيرة والارتباك عندما نتابع الأنباء المسببة للغثيان التي تشير إلى فظائع أعضاء الشبكات الإرهابية من المغرر بهم والمنومين مغناطيسيًّا، خاصة وأن هؤلاء يبقرون البطون ويحزون الرقاب باسم هذا الدين الذي يشتق اسمه أصلًا من لفظ “سلام”!
ودلالة ذلك، هي أن هذه الشبكات الإرهابية إنما تحاول قلب قوة وعظمة الإسلام الحضارية إلى ضعف وتراجع عن طريق الإتيان بأعمال ينأى عنها هذا الدين الحنيف بعيدًا، إذ يحاول هؤلاء عكس صورة مقلوبة لدين عظيم طالما أطراه الغربيون المنصفون لقدرته على حفظ الثقافة وإدامة الحضارة وعلى الإضافة عليها من معين الثقافة الإسلامية.
إن ما يفعله الإرهابيون إنما هو “المعاكس الموضوعي” الصارخ لدور هذا الدين تأريخيًّا: هذا الإيمان الروحي العظيم الذي انتشل الأقوام البدائية والقبائل والأمم المظلومة من حالات البربرية إلى حالات من الرقي والتمدن. هذا، بالضبط، هو ما يثير شكوك المرء في حقيقة الدوافع والقوى المحرضة والدافعة لأفعال الشبكات الإرهابية الإجرامية التي تحمل اسم الإسلام كذبًا وبهتانًا.

إلى الأعلى