السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عندما يكون الإنسان محور التنمية الشاملة

عندما يكون الإنسان محور التنمية الشاملة

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. تستهدف التنمية “رفع مستوى الدخل الفردي للأفراد وزيادة الدخل المجتمعي ككل وإعادة توزيع هذا الدخل على أفراد المجتمع بشكل عادل وبصورة تؤدي إلى التقليل من الفوارق، أي أن التنمية لا تكتفي بتحقيق النمو فقط بل تسعى إلى إعادة توزيع عائدات هذا النمو بشكل عادل بين أفراد المجتمع بهدف تحقيق العدالة والسلم الاجتماعيين،”
ــــــــــــــ
يختلف مفهوم التنمية من الناحية الاصطلاحية من مجال إلى آخر، فيتخذ أحيانا دلالة اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية أو بيولوجية أو نفسية، ومن هنا، أصبح مفهوم التنمية مفهوما معقدا ومتشابكا يصعب تعريفه وتحديده بدقة،” والتنمية هي تغيير نمط الحياة التقليدية في المجتمعات النامية وتحديث وتطوير كافة الإمكانات المتاحة في الدولة، وقد نشأت نتيجة للتطور الإنساني والاختراعات في مختلف المجالات، ووسيلتها امتلاك القدرة العلمية والتكنولوجية والإطار التخطيطي والتنظيمي” وقد تطور مفهوم التنمية مع الوقت والتغيرات التي حدثت في هياكل البناء الحضاري ليرتبط بالعديد من الحقول المعرفية لاحقا.
فأصبح هناك التنمية الثقافية والسياسية والاجتماعية وغير ذلك، وبالتالي يمكننا القول وبشكل مختصر بأن التنمية في مفهومها الشامل والمستدام تعد” عملية تحول تاريخي متعدد الأبعاد، يمس الهياكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما يتناول الثقافة الوطنية، وهو مدفوع بقوى داخلية، وليس مجرد استجابة لرغبات قوى خارجية، وهو يجري في إطار مؤسسات سياسية تحظى بالقبول العام وتسمح باستمرار التنمية، ويرى معظم أفراد المجتمع في هذه العملية إحياء وتجديداً وتواصلاً مع القيم الأساسية للثقافة الوطنية “.
وبالتالي فهي ـ أي التنمية في بعد آخر ـ ” تحرر الإنسان من العبودية الطبيعية والتخلف الاقتصادي، ومن استبداد المؤسسات التقنية، ومن البناء الطبقي غير العادل في زمن الاستقلال السياسي، ومن الاغتراب الثقافي” ويعرف تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية الصادر سنة 1997 التنمية: بأنها عملية زيادة الخيارات المطروحة على الأفراد ومستوى ما يحققونه من رخاء، وهذه الخيارات ليست نهائية أو ثابتة، وتشمل التنمية ثلاث عناصر أساسية هي: القدرة على العيش حياة طويلة، وفي صحة جيدة، واكتساب المعرفة.
وعليه فإن التنمية يجب أن ” تكون تنمية شاملة لتكون صحيحة وسليمة: بحيث تشمل كل مناحي الحياة في البلد النامي سواء السياسية منها والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتشمل جميع المؤسسات الحكومية والخاصة والأهلية الموجودة فيه، وتشمل كذلك جميع سكان هذا البلد مهما اختلف جنسهم أو لونهم أو معتقدهم، وتشمل أيضاً كل فرد بذاته جسديًّا ونفسيًّا وروحيًّا، فهي لا تترك أي ناحية في هذا البلد إلا وتعمل على تطويرها وتحسينها ، وتنمية متكاملة: تهتم بجميع الأفراد والجماعات والتجمعات والمجالات المختلفة والمؤسسات الحكومية والأهلية من ناحية تفاعلها مع بعضها، بحيث تكون غير متنافرة ولا متناقضة، ولا يمنع نمو أحدها نمو الآخر أو يعرقله، وتنمية مستدامة: تسعى دائماً للأفضل، وتكون قابلة للاستمرار من وجهة نظر اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئية وثقافية. ومفهوم التنمية البشرية المستدامة يعتبر الإنسان فاعلا أساسيا في عملية التنمية وليس مجرد مستفيد من منتجات التنمية دون مشاركة نشيطة فاعلة ”
وتستهدف التنمية “رفع مستوى الدخل الفردي للأفراد وزيادة الدخل المجتمعي ككل وإعادة توزيع هذا الدخل على أفراد المجتمع بشكل عادل وبصورة تؤدي إلى التقليل من الفوارق، أي أن التنمية لا تكتفي بتحقيق النمو فقط بل تسعى إلى إعادة توزيع عائدات هذا النمو بشكل عادل بين أفراد المجتمع بهدف تحقيق العدالة والسلم الاجتماعيين، والتنمية هي عملية تحسين نوعية حياة المجتمع مع التأكيد على المساواة بين الجنسين في العائدات والحقوق والواجبات، بالإضافة إلى التركيز وتوجيه الاهتمام إلى المجموعات التي تعاني من الفقر واللا مساواة “.
ونلحظ من خلال كل ما ذكر سابقا بأن التنمية سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو غير ذلك، وسواء كان اهتمامها يدور حول العديد من القضايا والأسس والأهداف العامة التي تسعى لتحقيقها، إلا أنها وفي كل أبعادها واتجاهاتها وأهدافها تدور حول محور رئيسي واحد هو الإنسان، وباختصار فإن الإنسان هو غايتها وهدفها ومحورها الرئيسي في الحاضر والمستقبل، عليه تعد التنمية حقاً واحتياجا أساسياً للإنسان، ومع تطور مفاهيم التنمية لم يعد الإنسان بمثابة وقود ومادة أولية لعملية التنمية وإنما الهدف الأساسي لهذه العملية ومركزها وغايتها الرئيسية في الحياة، فالإنسان هو رأس المال والفائدة والاستثمار الحقيقي لأي امة في الماضي والحاضر والمستقبل، ويتفق المعنيون بموضوع التنمية على أهمية الاستثمار في الإنسان، فهو يعطي عائدا أكثر من الاستثمار في غيره من المشروعات الأخرى، فالإنسان هو في النتيجة النهائية، النواة التي تلتئم حولها كل عناصر التنمية بجميع أهدافها.
وفي المفهوم الإسلامي” يعد الإنسان هو التنمية بكل مقوماته بما فيها عنصر الأموال، فالمستهدف هو ترقية هذه المقومات الإنسانية وتحسينها وحمايتها والتي جمعها علماء الإسلام في خمس مقاصد هي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال والوسيلة لتحقيق ذلك هي الإنسان بما لديه من مقومات، فالمنهج الإسلامي للتنمية موضوع يبدأ بالإنسان، ويستمر بالإنسان وينتهي بالإنسان، فهو بالإنسان وللإنسان” وفي هذا السياق يقول الدكتور محمد خاتمي: انه يبدو للوهلة الأولى ان الإنسان والفكر يوظفان في سبيل إيجاد مصادر الإنتاج واستثمارها، بمعنى ان الإنسان يعمل من اجل بناء المصانع والسدود وإنشاء الحقول وإصلاحها، بينما نجد في الواقع ان هذه العلاقة معكوسة حيث أننا ننشئ المصانع والسدود والحقول الزراعية وخدمات الكهرباء والمياه الصحية من اجل الإنسان، فالقوى البشرية الفاعلة في الحقيقة هي محور المجتمع القوي الذي يتمثل بالمجتمع الناجح في استثمار هذه الطاقات بالشكل الأمثل”.
فالتقدم الهائل الذي تحقق في اليابان وهي مثال حي وواقعي على تطبيق مفهوم الإنسان كمحور للتنمية الشاملة والمستدامة ـ لا يقوم على أساس من مصادر الثروة الطبيعية، بل انه يقوم بالدرجة الأولى على الاهتمام بالإنسان الياباني أو الجيل الياباني الذي اجترح المعجزات بعد ان استعد صانعو مستقبل اليابان بما ينبغي لذلك من شروط ومستلزمات التعليم تحديدا، فقد أسرفت اليابان كما هو تعبير احد الباحثين في استثماراتها في التعليم بالنسبة إلى نصيب الفرد من الدخل القومي، ولم تتردد في وضع استثمارات ضخمة في نظامها التعليمي” فالتنمية الشاملة والمستدامة بكل أشكالها وأنواعها وأهدافها ومحاورها في نهاية المطاف هي: عملية تنطلق من الإنسان، وتمر بالإنسان وتنتهي عنده، فالتنمية الصحيحة تنطلق من الإنسان بحفظ كرامته ورعاية حقوقه وحريته ورفع قيمته وزيادة كفاءته، وتنمية قدراته من أجل رفع درجة مساهمته الايجابية، ذلك أن التنمية تنطلق من الإنسان ثم تتجه لتغيير محيطه المادي وتهدف في النهاية إلى تحقيق سعادته.
عليه فإن أي أمة وطنية يقودها قائد مستنير وحكيم في أي وقت في الحاضر والمستقبل وترغب في التقدم التنموي يجب ان تصب جهودها وتوجهاتها ومرئياتها وخططها المستقبلية على الإنسان، فالإنسان هو الاستثمار الحقيقي وهو رأس المال والفائدة كما سبق واشرنا لأي امة، وبمعنى آخر، ان كل الجهود التنموية والاستثمارية التي ستبذل بعيد عن الإنسان سيصيبها الفشل، وسيكون مردودها الأكبر الخسران والتخلف، فبناء الإنسان قبل العمران، بل ان العمران هو الإنسان.
(بتصرف نقلا عن كتاب غير منشور لنا تحت عنوان : الدولة المطمئنة – ثلاثية صناعة الأمن الوطني في زمن الفوضى الخلاقة – دولة للمؤسسات والقانون – حكومة ذات بعد مستقبلي- تنمية هدفها الرئيسي الإنسان).

إلى الأعلى