الجمعة 18 أغسطس 2017 م - ٢٥ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الإرهاب والحرب النفسية “استغلال الأزمات الاقتصادية”

الإرهاب والحرب النفسية “استغلال الأزمات الاقتصادية”

محمد بن سعيد الفطيسي

تعمل التنظيمات الإرهابية على استغلال الظروف النفسية والاجتماعية والمجتمعية بشكل منظم ومخطط من أجل تحقيق أهدافها، عند التعرف على الحاجات والرغبات الإنمائية والإنسانية، والتركيز على الحاجات والدوافع الملحة حسب المرحلة العمرية كالحاجة إلى التدين والتقدير والمكانة والانتماء والمال والرغبات الجنسية، واختيار شرائح من المجتمع تعاني من ضعف تحقيق تلك الاحتياجات لظروف متعددة واستخدامها كأدوات لتنفيذ مخططاتها..

تنطلق هذه الفكرة من مفهوم أن التطورات والمتغيرات والأزمات الاقتصادية العابرة للقارات والحدود الوطنية لها انعكاساتها المباشرة والقوية سلبا أو إيجابا على الدولة وعلاقات المجتمع المدني مع مجتمعات أو دول أخرى ومكانتها في السياسة بين الأمم من جهة، وعلى أمن واستقرار تلك الدولة والمجتمع المدني في الداخل من جهة أخرى. فالحياة الإنسانية آخذة في التأثر أكثر فأكثر بأحداث ينبع أصلها من الخارج؛ أي أن للعولمة الاقتصادية تأثيرا وانعكاسات خطيرة على الدول والمجتمعات والأفراد تتجاوز خطورة العولمة السياسية، وكما أن القوة الاقتصادية لبعض الدول الغنية تولد الحقد والكراهية لدى المجتمعات والدول النامية أو الفقيرة، فكذلك تتأثر الدول سلبا بالأزمات الاقتصادية التي تصيب بعضها البعض.
وقد استغلت العديد من المنظمات الإرهابية والمتطرفة الأزمات الاقتصادية والظروف المعيشية السيئة لمواطني بعض الدول، خصوصا قاطني الأحياء السكنية الفقيرة والعشوائيات في بعضها، وتحديدا فئة الشباب المغرر بهم (فكريا وذلك من خلال استغلال ظروفهم المعيشية السيئة والانطلاق من تلك الدول لضرب النسق الأمني والاقتصادي من أجل تحقيق عدة أهداف خفية لديهم وهي مكاسب اقتصادية، بالاستيلاء على آبار النفط وثروات البلاد بدعوى تحرير البلاد من الظلم والاضطهاد وغيره، فكثرت الجماعات المقاتلة الإجرامية في عدة جبهات وبمختلف المسميات ممن هو قائم وممن هم في عداد الخلايا النائمة بانتظار المزيد من الوقود البشري الشبابي الذي لا يعمل أو أصحاب الدخل الضعيف، مستغلين تلك الظروف المعيشية وضغوط الحياة للانطلاق نحو دعم تلك المنظمات الإجرامية بالموارد البشرية المقاتلة).
فتردي الأوضاع الاقتصادية وما ينتج عنها من انعكاسات اجتماعية وثقافية، وما قد يترتب على ذلك من سوء معيشة المواطنين وتردي دخل الفقر، وارتفاع نسبة الجريمة والباحثين عن عمل، وارتفاع منسوب الخوف والقلق على مستقبل الأبناء، وغير ذلك من المخاوف وردود الفعل التي تنتج عن المتغيرات والتحولات الاقتصادية تؤدي مع الوقت ـ بلا شك ـ إلى تأجيج مشاعر السخط والامتعاض والغضب الجماهيري على المؤسسات السياسية والحكومية، ما قد يؤدي بدوره إلى التمرد على النظام والخروج على القانون، وهي مداخل تؤكد أغلب الدراسات الاجتماعية والأمنية أنها تقع على رأس الأسباب التاريخية التي تدفع العديد من الأفراد والمجتمعات إلى الانخراط في الإرهاب والانضمام إلى التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود الوطنية، كما وضحنا سابقا، فالفقراء والمهمشون اجتماعيا والباحثون عن العمل يسعون بكل الطرق لكسب لقمة العيش، وقد يستغلهم ليس المتطرفون فقط، وإنما تجار الحرب من خلال تهريب السلاح والمخدرات وإيجاد أسواق جديدة في المنطقة.
باختصار (تعمل التنظيمات الإرهابية على استغلال الظروف النفسية والاجتماعية والمجتمعية بشكل منظم ومخطط من أجل تحقيق أهدافها، عند التعرف على الحاجات والرغبات الإنمائية والإنسانية، والتركيز على الحاجات والدوافع الملحة حسب المرحلة العمرية كالحاجة إلى التدين والتقدير والمكانة والانتماء والمال والرغبات الجنسية، واختيار شرائح من المجتمع تعاني من ضعف تحقيق تلك الاحتياجات لظروف متعددة واستخدامها كأدوات لتنفيذ مخططاتها، بعد جرعات تحفيزية متتالية باستخدام تطبيقات علم النفس في إيجاد الدافع والبيئة المناسبة له وتلميع الأهداف وتحريف الواقع بطرق مبتكرة، كما أن تلك التنظيمات تستخدم البحث العلمي بطرق احترافية وتصل إلى عيناتها في المجتمع عبر الاتصال المباشر أو استخدام مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الإنترنت؛ وتعمل على تحقيق التأثير وانقياد الشباب من خلال العزف على وتر الاحتياجات المرحلية في النمو الإنساني وتوظيفها في إيجاد تقدير خاطئ للذات والعمل على توجيهه لتحقيق ذات مصطنعة في عالم المثاليات بعد تجريد الواقع، واستخدام تلك العمليات النفسية بشكل منظم ومخطط لتحقيق الانتماء كحاجة إنسانية تصبح ملحة مع الوقت في ظل العزل التام عن الواقع والعيش في عوالم افتراضية).
ختاما، نقول: بأنه (حيثما حاز مجتمع ما اقتصادا قويا ومتوسعا، شعر الناس فيه بالأمن وبإحساس بالرفاهية والرحابة وتوفر فرص العمل وإمكانية التطور والتقدم إلى الأمام، وسيكون هذا المجتمع واثقا من نفسه، فهو مجتمع لا يسيطر الشك على أفراده، فالاقتصاد القوي يجعل الناس يحسون بأن الأمل موجود أمامهم، وأتصور أن الأمل هو شرط حيوي ومحفز قوي يدفع الناس لاحترام القانون، أما حين يفقد الأمل فإن الشك يبدأ بالتغلغل إلى النفوس والأفكار، وحيث يتواجد الشك ينتشر الخوف، وبكل تأكيد فإن الخوف والشعور بالقلق من الناحية الاقتصادية من أهم أسباب التحايل على القوانين والسعي لاختراقها، فالفرد منا حين يشعر بأنه مهدد من الناحية المادية والمعيشية يبدأ بالبحث عن وسائل أخرى للوصول إلى هدفه الذي حالت الظروف الاقتصادية أو بعض القوانين دون الوصول إليه).
وهو ما يؤكده هارولد لاسكي في كتابه ـ الحرية في الدول الحديثة ـ في قوله: (إنه حين يبدأ اقتصاد المجتمع بالانكماش، حينئذ تكون الحرية في خطر، فالتقلصات الاقتصادية دائما تعني الخوف، والخوف يولد الشك باستمرار، ـ وهو ما يجعل أفراد المجتمع ـ أكثر استعدادا للسماع إلى أصوات الجديدة ـ ومن ضمن تلك الأصوات صوت الإرهاب والتنظيمات الإرهابية والتطرف والعنف ـ وأنهم في الغالب يطالبون بتغييرات جديدة، وفي هذه الحالة لا تستطيع الدولة الاحتفاظ بسلطتها لذلك تلجا إما إلى القمع الداخلي أو الحرب مع الدول الأخرى).
وهكذا نفهم أن (هناك علاقة تناسب عكسية بين التنمية الاقتصادية والعنف ـ واستغلال التنظيمات الإرهابية للأزمات الاقتصادية ـ أي كلما تزايدت مظاهر الإصلاح الاقتصادي، انحسرت مظاهر العنف السياسي ومعدلاته، وتقلصت قدرات الإرهاب على تجنيد العقول والأفكار ـ بمعنى ـ أن العنف ينخفض في النظم السياسية التي تعتمد الحداثة والإصلاح نظرا لوجود مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية وأمنية وسيطة تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتضبط ظاهرة الحراك الاجتماعي) وبمعنى آخر: إن الاقتصاد القوي والظروف المعيشية الطيبة وتوافر فرص العمل والإحساس بالأمل والطمأنينة على المستقبل، كلها عوامل قوية ومساعدة على التصدي لكل المحفزات والدوافع التي يمكن أن يستغلها الإرهاب والتنظيمات الإرهابية لتجنيد الشباب نفسيا وفكريا.

محمد بن سعيد الفطيسي باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية azzammohd@hotmail.com تويتر – MSHD999@

إلى الأعلى