الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الجامع الأزهر بالقاهرة … مركز إشعاع ديني وثقافي وحضاري
الجامع الأزهر بالقاهرة … مركز إشعاع ديني وثقافي وحضاري

الجامع الأزهر بالقاهرة … مركز إشعاع ديني وثقافي وحضاري

يضم بين جنباته مآذن أثرية وباحات معمارية تراثية

القاهرة ـ من حسام محمود:
يعتبر الجامع الأزهر من أهم المساجد في مصر وأشهرها في العالم الإسلامي وهو جامع وجامعة منذ أكثر من ألف سنة وقد أنشئ على يد جوهر الصقلي عندما تم فتح القاهرة عام 970 م بأمر من المعز لدين الله أول الخلفاء الفاطميين بمصر . وبعدما أسس مدينة القاهرة شرع في إنشاء الجامع الأزهر ووضع الخليفة المعز لدين الله حجر أساس الجامع الأزهر وأتم بناء المسجد في رمضان سنة 972 م فهو بذلك أول جامع أنشى في القاهرة المدينة التي اكتسبت لقب مدينة الألف مئذنة وهو أقدم أثر فاطمي قائم بمصر. وقد اختلف المؤرخون في أصل تسمية هذا الجامع والراجح أن الفاطميين سموه بالأزهر تيمنا بفاطمة الزهراء ابنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وإشادة بذكراها. وبعد الانتهاء من بناء المسجد تم توظيف 35 عالما فيه من قبل المسئولين في عام 989 م ويعتبر المسجد ثاني أقدم جامعة قائمة بشكل مستمر في العالم بعد جامعة القرويين. وقد اعتبرت جامعة الأزهر الأولى في العالم الإسلامي لدراسة الفقه والشريعة والقانون الإسلامي.

تاريخ حافل
في عهد السلطنة المملوكية تم الاهتمام بالأزهر، حيث كان ذلك بمنزلة العصر الذهبي للأزهر وقاموا بالعديد من التوسعات والتجديدات التي طرأت على البنى التحتية للمسجد . كما أظهر الحكام في وقت لاحق من مصر بدرجات متفاوتة الكثير من الاهتمام والاحترام للمسجد وقدمت على نطاق واسع مستويات متفاوتة من المساعدة المالية على حد سواء إلى المدرسة وإلى صيانة المسجد.
واليوم لا يزال الأزهر مؤسسة لها تأثير عميق في المجتمع المصري ورمزاً من رموز الإسلام . أما الهندسة المعمارية للأزهر فترتبط ارتباطاً وثيقا بتاريخ القاهرة. واستخدمت مواد مأخوذة من فترات متعددة من التاريخ المصري من قدماء المصريين من خلال القاعدة اليونانية والرومانية إلى الحقبة القبطية في بنية المسجد المبكر والتي استفادت من الهياكل الأخرى الفاطمية في أفريقية وفي وقت لاحق من إضافات الحكام الذين تعاقبوا على مصر وبالمثل تظهر تأثيرات من داخل وخارج مصر على حد سواء. ولعل الأقسام بالمسجد بها العديد من هذه التأثيرات مزجها معا في حين أن البعض الآخر مصدر إلهام واحد مثل القباب من الفترة العثمانية والمآذن التي بناها المماليك. وقد بني المسجد في البداية على شكل قاعة للصلاة مع خمسة ممرات وفناء مركزي متواضع ومنذ ذلك الحين تم توسيع المسجد عدة مرات مع منشآت إضافية محيطة تماما بالهيكل الأصلي .
وحرص العديد من حكام مصر على تشكيل الفن والهندسة المعمارية للأزهر من المآذن التي أضيفت من قبل المماليك حتى البوابات المضافة أثناء الحكم العثماني للتجديدات الأخيرة مثل تركيب المحراب الجديد كما أن بعض من المآذن أو القباب الأصلية قد استمرت مع بعض المآذن الحالية التي قد أعيد بناؤها عدة مرات.

هندسة معمارية
كانت تبعيات المسجد محاطة بالكامل واستخدمت على مر الزمن وكان الهيكل الأصلي 280 قدما في الطول و227 قدما في العرض ويتألف من ثلاثة أروقة معمدة تقع حول فناء. وفي جهة الجنوب الشرقي من الفناء بنيت قاعة الصلاة الأصلية على هيئة بهو معمد مع خمسة ممرات عميقة بقياس 260 قدما طول و75 قدما عرض وكان جدار القبلة منحرفا قليلا عن الزاوية الصحيحة وتم إعادة استخدامها .
أما الأعمدة الرخامية لدعم الأروقة الأربعة التي تؤدي لقاعة الصلاة فهي من مواقع موجودة شيدت في أوقات مختلفة في التاريخ المصري التي أدت إلى ارتفاعات مختلفة من مستوى الأعمدة باستخدام قواعد متفاوتة السماكة كما تظهر التأثيرات الخارجية الجص من العمارة العباسية والقبطية والبيزنطية. وقد بني في النهاية ثلاث قباب وهي سمة مشتركة بين أوائل المساجد في شمال أفريقيا وسجل المؤرخ المقريزي النقوش والكتابات في القبة الأصلية التي بناها الصقلي .
وفي عام 1309 تم بناء المدرسة الطيبرسية التي تحتوي على قبر الأمير علاء الدين طيبرس وقد بنيت أصلا لتعمل كمسجد مكمل للأزهر ومنذ ذلك الحين تم دمجها مع بقية المسجد وتمت دراسة المذاهب في هذه المدرسة وتستخدم المدرسة الآن للاحتفاظ بالمخطوطات من المكتبة. وأعيد بناء المدرسة بالكامل في عهد عبد الرحمن كتخدا ولم يتبق سوى الجدار الجنوبي الشرقي والمحراب القطع الوحيدة الأصلية الباقية من عهد الأمير علاء الدين طيبرس والمحراب هو بقياس 1.13 متر عرض و76 سم في العمق. وعلى كل جانب من المحراب يقف عمود من الحجر السماقي بارتفاع 2.78 متر . وتوجد فوق الأعمدة رسمات مزخرفة بأشكال هندسية ملونة وتم إضافة نصف قبة في أعلى المحراب داخل القوس الخارجي ويحيط بهذا إطار خارجي مستطيل ويعتبر هذا المحراب الأول في مصر الذي استخدم هذا النوع من الإطار وقد وصفه المؤرخ كريزويل المحراب بأنه واحدة من أرقى التحف المعمارية .

مآذن أثرية
بنيت مئذنة قايتباي بالأزهر في عام 1483 م وهي على شكل عمود أسطواني ينقسم إلى جزأين مثمنين وتتكون من ثلاث شرفات تدعمها مقرنصات وشكل سقفها معقود الهوابط الذي يوفر الانتقال السلس من سطح مستو لمنحنى واحد وسجل أول استخدام له في مصر في 1085م والجزء الأول مثمن زين بلوحات عارضة مقوسة من كل جانب مع مجموعة من ثلاثة أعمدة لتفصل كل لوحة . أما الجزء الثاني وهو أيضا مثمن تم فصله عن الأول بشرفة زينت بضفر والشرفة الثانية تفصل هذا الجزء مع جزء أسطواني في نهاية المئذنة وزينت بأربعة أقواس. فوق هذا توجد الشرفة الثالثة التي توجد في أعلى جزء من المئذنة. ويعتقد أن المئذنة أقيمت في منطقة من مئذنة الطوب الفاطمية في عهد سابق التي أعيد بناؤها عدة مرات.
والحسابات المعاصرة تشير إلى أن المئذنة الفاطمية كان بها عيوب عند بنائها ويلزم إعادة بنائها عدة مرات بما في ذلك مرة واحدة تحت إشراف صدر الدين الأذرعي الدمشقي الحنفي وهو قاضي القضاة خلال فترة حكم “السلطان بيبرس” وقد تم إعادة بنائها مرة أخرى خلال عهد برقوق في 1397 م وقد بدأت المئذنة تميل بزاوية خطرة وأعيد بناؤها في عام 1414 بأمر من تاج الدين الشاوباكي والي ومحتسب القاهرة . وبنيت مئذنة قايتباي في موقعها اليوم كجزء من إعادة بناء مدخل المسجد.
أما باب الجندي فمباشرة عبر فناء مدخل باب المزينين نجد باب الجندي (باب قايتباي) الذي يؤدي بدوره إلى الباحة الرئيسية من قاعة الصلاة وقد بني عام 1495. كما توجد مئذنة الغوري وقد بنيت المئذنة مزدوجة الرؤوس في عام 1509 في عهد قنصوه الغوري وتقع على قاعدة مربعة الجزء الأول منها مثمن وقد قوست جوانبه الأربعة بعارضات زخرفيه وتم فصل عن جوانبه المتجاورين بعمودين . أما الجزء الثاني فتم فصله عن الأول بشرفات مكعبه كما أنه أيضا مثمن زين بالقيشاني الأزرق ويتكون المستوى الثالث من اثنين من أعمدة مستطيلة مع الأقواس على شكل حدوه حصان وعلى كل جانب منها توجد مهاوي. ويعلو الجزء الثالث مربع يحمل اثنين من رؤوس كمثرية الشكل تحمل كل منهما هلالا نحاسيا.

إضافات تراثية
بالنسبة للتجديدات العثمانية والإضافات فقدمت عدة إضافات وترميمات خلال عهد الخلافة العثمانية في مصر وتم إنجاز الكثير منها تحت إشراف عبد الرحمن كتخدا الذي ضاعف تقريبا حجم المسجد وأضاف ثلاث بوابات وهي : باب المزينين الذي أصبح المدخل الرئيسي للمسجد وباب الشربة وباب الصعايدة . وأضاف كتخدا عدة أروقة بما في ذلك واحدة للطلاب المكفوفين من الأزهر فضلا عن تجديده خلال الفترة العثمانية وأضاف كتخدا أيضا قاعة صلاة إضافية جنوب القاعة الفاطمية الأصلية مع محراب إضافي لمضاعفة مساحة قاعة الصلاة الإجمالية.
والتخطيط الحالي الهيكل فيه المدخل الرئيسي الحالي إلى المسجد وهو باب المزينين والذي يؤدي إلى فناء من الرخام الأبيض في الجهة المقابلة من قاعة الصلاة الرئيسية إلى الشمال الشرقي من باب المزينين . ونجد الفناء المحيط بواجهة المدرسة الأقبغاويه وفي جنوب غرب نهاية الفناء نجد المدرسة الطيبرسية ومباشرة عبر الفناء من مدخل باب المزينين نجد باب الجندي المعروفة ببوابة قايتباي ويقف فوق مئذنة قايتباي ومن خلال هذه البوابة نجد موقع باحة قاعة الصلاة وقد تم تغيير المحراب مؤخرا إلى رخام عادي مواجه مع نقوش ذهبية.

إلى الأعلى