الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / وقفة مع النفس

وقفة مع النفس

د. صلاح الديب

نعم نحتاج إلى هذه الوقفة المهمة والتي سوف تزيل عن أعيننا الغشاوة تجاه أمور كثيرة من الأمور التي تحيط بنا، وأيضا تجاه كثيرين ممن يحيطون بنا، وسنجد أنفسنا في حاجة إلى أن ننفض الغبار عن هذه الأمور، وهؤلاء الأشخاص، وسنندهش من هول ما نلاقيه ونتعجب من كيف أننا لم نر هذه الصورة التي قد تصل إلى حد الكآبة أو إلى حد الوقاحة أحيانا..

وسط صخب الحياة وضجيجها وأحداثها المتلاحقة، وسط الصراعات والتناحرات، وسط كل ما نصادفه ليل نهار من متغيرات، وسط كل ما يجوب بنا من أعاصير، سواء كانت على المستوى الاجتماعى أو الاقتصادي أو النفسي أو غيرها مما يؤثر علينا سلبا أو إيجابا بين الحين والآخر، نحتاج إلى برهات لالتقاط الأنفاس وذلك لعمل وقفة مع النفس وإعادة تقييم كل ما يجري من حولنا، ووضع كل الأمور في نصابها الحقيقي لأننا وسط هذه الدوامات المتلاحقة لا يمكننا سوى أن نكون عرضة لكل ما ينتج عنها من آثار؛ لذا وجب علينا أن نتخذ هذا القرار الذي عادة يكون صعبا على الكثيرين من كثرة انشغالهم بالحياة اليومية ومجرياتها، والتغيرات التي تطرأ عليها بين الحين والآخر، والتي يجدون أنه قد يكون من المستحيل الخروج ولو لبرهات قليلة من هذه الدوامات خوفا من أن تفوتهم أحد آثارها، إنه قرار يحتاج إلى أن يكون اعتياديا في حياتنا، نعم نحتاج إلى وقفة مع النفس من وقت إلى آخر.
نعم نحتاج إلى هذه الوقفة المهمة والتي سوف تزيل عن أعيننا الغشاوة تجاه أمور كثيرة من الأمور التي تحيط بنا، وأيضا تجاه كثيرين ممن يحيطون بنا، وسنجد أنفسنا في حاجة إلى أن ننفض الغبار عن هذه الأمور، وهؤلاء الأشخاص، وسنندهش من هول ما نلاقيه ونتعجب من كيف أننا لم نر هذه الصورة التي قد تصل إلى حد الكآبة أو إلى حد الوقاحة أحيانا، وكيف أننا لم ندركها ولا نعي كل تفاصيلها مع أنها بعد وأن أمعنا النظر وجدناها واضحة وضوح الشمس في كبد النهار.
قد نرى البعض أنهم ملائكة وندافع عنهم دفاعا مستميتا، ونبذل من أجلهم الغالي والنفيس، وقد يصل بنا الحال في بعض الأحيان أن نفضلهم على أنفسنا، بل قد يصل الأمر بنا إلى أنه لو استطعنا أن نهبهم بعض أعمارنا ما ترددنا لحظة من فرط ارتباطنا بهم، ومن شدة ما نضعهم في مكانة لا يمكن الاقتراب لأحد منها، بل وأيضا لا نقبل أن يرشدنا أي ممن يرونهم على حقيقتهم، ونرفض رفضا باتا أي محاولات النصح والإرشاد لتجنب ما يدبرون لنا في الخفاء، وعادة ما نفيق ولكن بعد فوات الأوان. لذا وجب علينا أن نتمهل مع أنفسنا قبل أن نتلقى درسا لن ننساه طوال حياتنا، وللأسف الشديد عادة ما نخرج من أمثال هذه التجارب القاسية بعد الاستفادة بالشكل الإيجابي لتجنب الوقوع ثانية، بل لمجرد التعرض إليها وكنا نكتفي بأن نتحسر على ما فاتنا وما تعرضنا إليه ولم ننظر إلى أنه يمكننا التعلم من أخطائنا وأيضا الوقوف بكل حيادية لمعرفة ما هي الأسباب التي أدت إلينا للوصول إلى هذه الحال، وأيضا معرفة كيف أننا لا نتسرع بالانجراف وراء الأشياء البراقة والتي عادة تخدعنا نحن، وعادة ما يستغلون شيئا ما بداخلنا للوصول إلى أغراضهم، ولو افترضنا أن هناك شخصا في الصحراء في منتصف النهار والشمس الحارقة ترمي بحرارتها على الرمال الممتدة على مرمى البصر، وقد أصابه العطش وأخذ يبحث عن أي قطرة ماء في هذه الصحراء القاحلة وإذا به يرى السراب وكأنه مياه تملأ أحد أجزاء هذه الرمال الممتدة، ويهرول إليها بحثا لأن يتجرع شربة ماء ينجو بها من شدة ما لحق به من العطش، وإذا به عندما يصل إليها يصدم أنه كان يهرول وراء وهم رآه بعينه حقيقة وهو في واقع الأمر وهم لا حقيقة ولا وجود له، فهم في حقيقة الأمر بالنسبة لنا مثل السراب الذي نرى فيه الحقيقة المؤكدة، وهم في واقع الأمر لا وجود لهم لأنهم وهم كبير وهم يستغلون فينا العطش على سبيل المثال حتى يخدعونا بكل سهولة، فعلينا الحذر قبل أن ننجرف وراء أهوائهم وأطماعهم.
وعندما نأخذ هذه البرهة لنقف مع أنفسنا وقفة صادقة سنرى العجب مما كان يجري من حولنا، وكنا لا ندركه لأننا دائما عند منتصف الدوامة لا ندرك كل أبعادها ولا كل ما يدور فيها ولا خارجها، بل ننغمس فقط في بعض التفاصيل الداخلية التي تكون قريبة جدا، ولا نرى غيرها؛ فدائما تكون الصورة غير مكتملة وغير واضحة بل وفي غالب الأمر قد تكون غير حقيقية.
وكثيرا ما يحب الإنسان أن يبدأ حياه جديدة ويطوي ما حدث من مواقف وأحداث في الماضي، ودائما هذه البداية الجديدة تكون مقرونة بشيء حدث في حياته كتحسن في الحالة المادية أو ترقية في مكان عمله، وهذه الأشياء تجعل للإنسان أملا في الحياة بعدما دبّ اليأس فيها، ولكن هذه الحياة الجديدة يجب أن تنبع من داخل النفس دون التعلق بسبب من أسباب الحياة؛ لأن مع أول عثرة تحدث سوف تنقلب هذه الحياة الجديدة إلي كآبة ويأس وفقدان للأمل، وربما ينقلب الإنسان على عقبيه فيخسر كل شيء؛ فهذه الحياة التي تنبع من داخل النفس ناتجة عن طريق تفقد الإنسان لجوانب نفسه، وهذا سيؤدي بدوره إلى تنظيم الإنسان لنفسه بين الحين والآخر، فعندما يضع الإنسان يده على عيوب نفسه يستطيع أن يُعالج هذه العيوب بيسر وسهولة، لأن الإنسان تعامله مع أمور الحياة من وجهين العاطفة والعقل، وقلما يتماسك هذا الكيان العاطفي والعقلي أمام أصناف الشهوات وضروب المغريات فإذا ترك الإنسان نفسه للشهوات والمغريات لتنال منه، فهي قاضية عليه لا محالة، وعندئذ تنفرط المشاعر العاطفية والتعاملات العقلية كما تنفرط حبات العقد إذا انقطع هذا العقد، والنفس البشرية إذا انقطعت أواصرها ولم يربطها نظام ينسق شؤونها، ويركز قواها، أصبحت مشاعرها وأفكارها كهذه الحبات المنفرطة السائبة، لا خير فيها ولا حركة لها، ومن ثم ترى ضرورة العمل الدائم لتنظيم وقفة مع النفس وإحكام الرقابة في كل ما يدور من حولنا، ونمعن النظر جيدا في كل شيء بعد وأن ننفض الغبار عن كل شيء لتظهر أمامنا الصورة واضحة جلية حتى نتمكن من تجنب التعرض لأي كارثة غير متوقعة قدر المستطاع.
لذا علينا أن يقف كل منا مع نفسه وقفة جادة كل فترة وذلك للوقوف ونفض الغبار عن كل ما يدور من حولنا وعن كل الأشخاص المحيطين بنا، ونرى الأمور بعين حيادية وندقق في كل التفاصيل وأخذ كل ينصحنا به الآخرون على محمل الجد وعدم التأثر بوجهة نظرهم مباشرة دون الإمعان والتدقيق، وتقييم كل شيء بشكل مجرد لنستطيع أن نرى كل شيء واضحا جليا بدون أي رتوش أو زيف حتى لا ننخدع فيها وتطولنا آثارها مرة أخرى.
ويكون هذا أسلوب حياة ننتهجه باستمرار بين الحين والآخر، أن نقف مع أنفسنا وقفة جادة لنقيم كل شيء ونتعلم من أخطائنا ونتفاداها، ونتجنب التعرض مرة أخرى لأن نرى الأمور والمحيطين بنا بغير حقيقتهم.
مع أمل اللقاء والشرف بكم في العدد القادم إن شاء الله تعالى.

د. صلاح الديب
رئيس المركز العربي للاستشارات وإدارة الأزمات وخبير إدارة الأزمات في مصر والوطن العربي
Salah.eldiep@gmail.com

إلى الأعلى