الأحد 25 يونيو 2017 م - ٣٠ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : الصين قادمة جوا

في الحدث : الصين قادمة جوا

طارق أشقر

بعد نجاحها في إطلاق قطار يقطع قرابة الثلاثة عشر ألف كيلومتر بين شرق المملكة المتحدة وجمهورية الصين الشعبية في مدة أقصاها ثلاثة أسابيع عبورًا للقنال الإنجليزي ومرورًا ببلجيكا وألمانيا وبولندا وروسيا البيضاء وروسيا وكازخستان عبر الهضاب والوديان الآسيوية بمختلف تضاريسها، ها هي الصين تضع صفارة إنذار السكك الحديدية جانبا دون تراجع في استراتيجياتها التنموية، لتعلن عبر مكبرات الصوت الناعمة عن انطلاق صناعة توسعية أخرى لتنخر بها الأجواء والفضاءات العالمية وذلك على متن طائرات مدنية صنعت في الصين وليست مستوردة من أي جهة أيًّا كانت قوتها.
تبين ذلك للمتابعين في النجاح الذي أعلنت عنه بكين مؤخرًا عبر تدشين أول طائرة مدنية صينية الصنع للرحلات المتوسطة حملت اسم وطراز (سي 919) تتسع لحمل مئة ثمانية وستين راكبا وقادرة على قطع أكثر من خمسة آلاف وخمسمئة ميل جوًّا، حيث مول تصنيعها شركة “حكومية”، وأكدت نجاح منتجها بتسيير رحلة تجريبية داخلية لها انطلاقا من مطار شنغهاي الدولي.
وفيما يرى بعض المراقبين بأن الصين استهدفت منافسة كبريات صناعة الطائرات المدنية الأوروبية منها والأميركية، إلا أن البعض الآخر منهم يرون أن المنافسة التجارية في عالم صناعة الطيران رغم أنها مبدأ طبيعي وصحي ومطلوب في مجال العمل التجاري والاقتصادي، إلا أنها قد تكون في الوقت الحالي في مؤخرة قائمة الاستراتيجية التنموية الصينية، خصوصا وأن مجرد ولوج بكين في هذا المجال يشكل إضافة نوعية وقيمة مضافة للتنمية الصناعية الصينية.
وبهذا الدخول القوي في مجال صناعة الطائرات المدنية، والذي سبقه بشهور قليلة الإعلان عن نجاح تجربة بكين في تصنيع أول حاملة طائرات عسكرية صينية على مياهها الإقليمية، فضلا عن النجاحات الباهرة التي حققتها الصين داخليا في مختلف قطاعاتها الاقتصادية والتي أبرزها القطاع الزراعي والهندسي وقطاع صناعة الإلكترونيات والأدوات المنزلية، وقطاعات المعدات الثقيلة والصناعات الميكانيكية، فضلا عن قطاع صناعة الملابس الذي عرف الشارع في الدول الفقيرة من خلاله الصين، تكون الصين بذلك قد أكدت عمليا أنها قادمة جوًّا لأخذ حصتها التي تستحقها في قيادة الاقتصاد العالمي، والإسهام في السيطرة على الأسواق الاستهلاكية في كافة دول العالم المستهلكة لصناعات الآخرين.
الصين لم تألُ جهدًا للوصول إلى ما تستحق من موقع ريادي في خريطة الاقتصاد العالمي، ومهدت لذلك منذ عشرات السنين عبر كسب ود الشعوب من خلال الكثير من مبادرات الإسهام في مشروعات التنمية الاقتصادية في الكثير من الدول التي تتمتع بموارد معدنية ونفطية غير مستغلة، وذلك عبر مشروعات خدمية ملموسة للشعوب خصوصا في إفريقيا، مما أهلها للدخول في القلوب فسهل انطلاقها نحو الاستثمار في مشروعات أكبر ذات مردودات مالية أوسع كمجال النفط الذي كان حتى وقت قريب حكرًا للغرب فقط، فتوسعت استثماراتها النفطية في إفريقيا وآسيا لتؤمن الطاقة اللازمة لعجلتها التنموية الداخلية، وذلك في وقت ضمنت فيه أسواقًا استهلاكية في إفريقيا، بل في أميركا التي تتمتع فيها المنتجات الصينية بميزة الدولة الأولى بالرعاية منذ فترة الحرب الباردة.
وبهذه الإضافة الصناعية الجديدة في مسيرة التنمية الصينية، تتعزز لدى المراقبين توقعاتهم بأن الفلسفة الصينية القائمة على التركيز على كل ما هو اقتصادي وذو مردود مالي مباشر وغير مباشر عبر الدخول في شراكات اقتصادية بحتة مع الدول دون أي أجندات سياسية بعيدة المدى، هي الفلسفة المرشحة للريادة في الاقتصاد العالمي في الأيام المقبلة، خصوصا وأن الصين نجحت وبلا منافس في بناء مقدرات مواردها البشرية بصورة تضمن لها الريادة أيضًا .. فهل سيتبقى لنا في المنطقة العربية مساحات كافية للدخول في مجالات الريادة الاقتصادية المبتغاة في وقت تسود فيه المنطقة العربية حالة من التشرذم التي نأمل أن لا تستمر طويلًا.

طارق أشقر
من أسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى