الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العولمة والإعلام

العولمة والإعلام

كاظم الموسوي

فرضت العولمة عبر وسائل الإعلام سلطتها المرغوبة أو المتسربة رضائيا، عبر أنظمة تقنية ومعلوماتية معقدة، عابرة الحدود الوطنية للدول، تتحكم فيها شركات متعددة الجنسيات، يتسم مضمونها بالعالمية، متخطية حواجز الزمكان واللغة والهويات، ومتوجهة أو معنية بمستهلكين من كل الانتماءات العقيدية والأيديولوجية والفكرية، ومن كل الأعمار، ومن الجنسين..

مفهوم العولمة ليس جديدا، ولكنه كظاهرة لها أبعاد متعددة ومتداخلة، لا يمكن اختصارها في بعد واحد، اقتصادي مثلا، أو مرحلة متقدمة من تطور الرأسمالية العالمية، أصبحت شاغلة للوعي والفكر المعاصر وبرزت أكثر من خلال تداعياتها وتأثيراتها، التي لم تقتصر بعد في المجال الاقتصادي والمالي، بل امتدت إلى المجالات الأخرى، السياسية والثقافية والاجتماعية والإعلامية وغيرها.
ظاهرة العولمة، في تعريفاتها العديدة، عبّرت عن عالم جديد، بلا حدود اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو إعلامية وغيرها، أو كشفت عن فضاء كوني مفتوح، منطلقة من الشركات العابرة للقوميات، وشبكات المنظمات الاقتصادية والسياسية والثقافية والتقنية المهنية غير الحكومية. وبأيديولوجية الليبرالية الجديدة. التي وضعت برامج وخططا منفلتة، وجاءت انعكاساتها المباشرة، بعد البعد الاقتصادي والمالي، الذي وصف بالتوحش، أكثر خطرا في المجال السياسي والعلاقات الدولية، والقانون والتشريعات المحلية، من خلال الاستئثار في النظام الدولي وفي الزعامة وفرض التفرد في القرار السياسي، وانتهاك القانون الدولي المتعارف عليه في ميثاق الأمم المتحدة مثلا والعمل على” تقويض” السيادة الوطنية والاستقلال الوطني، ودفع الدول إلى التبعية والتخادم على حساب خصوصيتها أو إرادة شعبها. كما حصل في حالات الغزو والاحتلال لأفغانستان والعراق وما لحقهما من تدخلات صارخة في بلدان أخرى. وإذا كانت تلك المتغيرات سلبية أو بمعنى ما تجاوزا بلا حدود، فهناك ثمة جانب إيجابي لها، مثلا ما حصل في العلاقات داخل الاتحاد الأوروبي، بالاتفاق والاختيار، لا سيما في رفع الحدود وتوحيد العملة والتشريعات في أغلب المجالات التبادلية والبينية.
في مقاربة للعولمة، وفي مجال الإعلام، وعدم إنكار توحشها في المجالات الأساسية التي دخلتها مسبقا، أصبح الخطر فيها أو ما يثير الأسئلة، هو ما تعلق بالإعلام عموما والثقافة خصوصا، لتماسه بوعي الإنسان ودوره الإنساني. وفي هذا المجال يتداخل مفهوم العولمة في أركان الاتصال والتواصل. فمنذ اكتشاف التلجراف في 1793 إلى الإنترنت في التسعينيات من القرن الماضي والبشر يتبادل الأخبار، والمعلومات، والبضائع، والسلع المادية والرمزية، والخدمات والقيم، وغيرها من الأمور التبادلية أو المتنقلة، بسرعة متزايدة، ووفق التطورات والثورات العالمية التي تدرجت أو تقدمت تاريخيا حتى اليوم. حيث كان لوسائل الاتصال الفردية والجماهيرية دور أساسي في امتداد تداعيات العولمة في هذه الميادين. فمن منا لم يقم بشيء من ذلك، أو يعرف عنه، وهو يشارك عمليا، إيجابيا أو سلبيا في مظهر أو آخر منها.
بمعنى آخر عكست تطورات الأداة التقنية، كركن رئيسي، وما تحمله طبيعة أو مكانة العولمة من خلال تلبية حاجات اجتماعية وثقافية مختلفة عن تلك التي سبقت، وفي المحصلة منها، كل الارتباطات بينها تحمل مضامين غير محايدة ومختلفة، حسب العملية الجارية والاستهداف المقصود أو المتضمن فيها وصلاتها بمختلف مرجعيات تعريفها أو تحديد مفاهيمها العامة.
ترابط العولمة في الإعلام خصوصا في الفترة المعاصرة ظاهر للعيان ولا يمكن إخفاؤه، أو إنكاره. إذ لا يمكن أن يتحقق اقتصاد السوق دون وسائل الإعلام، التسويق الإعلامي للسلع مؤثر وكاشف كبير للصلة المتبادلة وتأثيراتها المباشرة في الوعي والدور والتغيرات في الجوانب الأخرى. ولكن التداعيات عنه تظل مثار التساؤل أو الاستفسار أحيانا أو الغضب من أطراف تشعر بقوة التغيير لما هي تسعى إليه. لا سيما وأن هناك من يرى “أن العولمة هي محاولة جادة ومستميتة لتنميط العالم ثقافياً باستغلال ثورة وشبكة الاتصالات العالمية وهيكلها الاقتصادي والإنتاجي بعماده المتمثل في شبكات نقل المعلومات والسلع وتحريك رؤوس الأموال.. وقدرة الغرب على امتلاك أدوات نشر عالية التقنية، شديدة التأثير والجذب والفاعلية.. سريعة التواجد والحضور.. دائمة البث والإرسال.. ومن بين هذه الأدوات نظم الفضائيات الحديثة، ونظم تخزين المعارف والعلوم وتكنولوجيا الإنترنت والقدرة المنظمة الهائلة على البحث والابتكار والإبداع”.
مع كل هذا، لم يعد الإعلام أو صورته المعروفة ثابتة، دون تغيير كبير فيها وفي أدواتها طبعا. إذ يسرت العولمة والثورات التقنية إمكانات واسعة للجميع، فأصبح بإمكان أي شخص أن يصدر صحيفة في شبكة الإنترنت بدون الالتزام بقوانين النشر وغيرها من قواعد العمل المهنية السابقة، وبإمكان أي شخص أن ينشأ له صفحة إلكترونية، موقعا أو مدونة، وينشر فيها ما يخطر له أو يرغب فيه، كما أصبح بإمكان أي شخص أن يبث برامج إذاعية أو تلفزية عبر شبكة الإنترنت أو يؤسس دارا لنشر الكتب الإلكترونية أو الموسيقية وغيرها. إضافة إلى ما تقدمه اليوم وسائل التواصل الاجتماعي المباشرة. بمعنى أن ما يقوم به فرد في مكان ما يتواصل مع غيره، فرد أو مجموع في زمان واحد، خارج حدود الزمكان المعروفة. وكذلك استفادت المؤسسات وكل أنواعها من شبكة الإنترنت في التعبير عنها، والإعلان عن أهدافها وفعالياتها. كما يعرف اليوم عن صراع شركات الاتصال والإعلام والترفيه متعددة الجنسيات و”غزوها” المستمر للإعلام في أي منطقة ومنها العربية طبعا. وربما تكفي الإشارة هنا إلى أن الفضائيات العربية تحصل من الإعلان فقط ما يقدر بحوالي ثلاثة مليارات دولار سنويا، إضافة إلى ما يدخل تلك الفضائيات من أثمان مكالمات الهاتف ورسائل الهاتف في برامجها العامة والخاصة.
بالرغم من كل ذلك، فإن عولمة الإعلام لها أهداف أبعد من الربح والتجارة والأسواق الحرة، وغيرها من أسسها الرئيسية، بل تعمل على نشر ثقافتها التي تروّج إلى روح الهيمنة والتفرد والنموذج الأعلى، مما يؤثر فعلا على الخصوصية والأصالة والتراث والهوية الحضارية والتطور الإيجابي المتواصل. مع التأكيد على أن ما تطرحه العولمة في قضايا التغيير الواسع، في الثورات التقنية والتكتلات الكبيرة له ما يفيد أو يقع في الصالح العام الذي يمكن استثمارها وتقبلها كمتغير إيجابي، كما هو حاصل في بعض استخدامات الإنترنت والهواتف الذكية وبرامج التواصل الاجتماعي وأنظمة الاتصال العالمية.
فرضت العولمة عبر وسائل الإعلام سلطتها المرغوبة أو المتسربة رضائيا، عبر أنظمة تقنية ومعلوماتية معقدة، عابرة الحدود الوطنية للدول، تتحكم فيها شركات متعددة الجنسيات، يتسم مضمونها بالعالمية، متخطية حواجز الزمكان واللغة والهويات، ومتوجهة أو معنية بمستهلكين من كل الانتماءات العقيدية والأيديولوجية والفكرية، ومن كل الأعمار، ومن الجنسين، ولهذا استغلت أجهزة رقابية محددة حكومية أو تجارية في المتابعة والمعلومات والخرق للخصوصيات والحقوق الشخصية، بحثا عن برامجها ومشاريعها الخاصة، التي تتجاوز الحدود السياسية والثقافية بين المجتمعات، وقد تخدم أهدافا لها أيضا على حساب دور الدولة في المجالات المختلفة، وأبرزها الإعلام والاتصال والتواصل الاجتماعي.
هكذا يصبح الإعلام في ظل عصر العولمة مجالا من مجالاتها المؤثرة والخطيرة بكل معانيها لأهميته في بناء وعي الإنسان ودوره الوطني والقومي والإنساني، وصلاته في المجتمع ومؤسساته العامة. ولهذا يتوجب الانتباه والعمل بوعي متقد وعواطف حارة وعقل بارد مع تطوراته العملية والتقنية وتأثيراته الإيجابية.
*مداخلة في الندوة العلمية الرمضانية، والتي كانت بعنوان (العولمة ووسائل الاتصال) التي أقيمت بلندن 2017/6/11

إلى الأعلى