الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : وعي الرضا

رحاب : وعي الرضا

أحمد المعشني

من حين لآخر أتذكر حالة مريض أعرفه منذ أكثر من ثلاث وعشرين سنة، كان يومئذٍ في الخمسين من عمره. كان مريضاٍ بالضغط والسكر والفشل الكلوي وأمراض أخرى لا أتذكرها. كان يتناول كمّاً كبيراً من الأدوية، لكن وبالرغم من ذلك فإن حياته كانت طبيعية، كان يأكل ما يشتهي من الطعام، ويمارس رياضة المشي، ويعلم الناس القرآن في المسجد كل يوم بعد صلاة الفجر لا يتخلف عن حلقة القرآن يوماً واحداً، ويواظب على صلاة آخر الليل، وهو بشوش وصاحب فكاهة وطرفة، لطيف إذا جلس ولطيف إذا قام، لا يتحدث عن الناس إلا بخير.
ولا يزال ذلك الشيخ حتى كتابة هذا المقال يتمتع بنفس الروح والحيوية والنشاط، وترافقه تلك الأمراض ويتعاطى نفس الأدوية دون أن يكترث لها، يوجه تفكيره وجهده ونشاطه لرسالته في الحياة التي تتمثل في تعليم الناس القرآن قراءة وتجويداً، يسوق سيارته ويغدو إلى عمله حتى تقاعد في سن الستين، ولا يزال يواظب على اهتماماته ونشاطاته حتى الآن. يا ترى ما سر هذا التصالح مع حالة المرض؟ عندما أستجمع في عقلي خصائص وسمات شخصية هذا الرجل والحالات المماثلة لحالته، أستطيع القول بأن هناك علاقة قوية بين تعايشه بإيجابية مع أمراضه وممارسته لحياته بدرجة مثمرة وبين تفسيره للحالة التي يعيشها. فهو لا يركز مطلقاً على أنه مريض، ولا ينظر إلى نفسه بأنه مريض أصلاً، بل يعتبر نفسه شخصاً عادياً، يمارس حياته بطريقة سلسة، ويعيش حالة من الطمأنية والرضا، ويمارس عبادة الشكر، فهو يشكر الله في جميع المواقف والأحوال، ويعتبر حياته فيضاً من النعم والمكرمات، فيبدأ بشكر الله الذي خلقه وأمده بالحياة ثم أنعم عليه بنعمة العلم وقراءة كتاب الله وتجويده وتعليمه للناس، كما يشكر الله تعالى على نعمة السمع والبصر والحركة، ويشكر الله على ما أفاض عليه من نعمة العمل وما سخر له من مرافق ومصادر يستفيد منها ويستمتع بها. ولا يزال شاكراً حامداً بصدق حتى يدخل في حالة عقلية من الرضا والتسليم، وهناك ينسى المرض، ويعيش حالة من الطمأنينة والراحة النفسية التي بلا شك تعمل عملها في تحفيز وظائف جسمه العضوية من خلال هيمنة هذه الطمأنينة على عقله وتفكيره.
إن من أخطر أسباب معاناة أغلب الناس صحياً ومهنياً ومالياً أو حتى أسرياً هي مواقفهم من أنفسهم ومواقفهم من حياتهم وحياة الآخرين. فالتفسير الذي يعطيه الشخص للحياة وللناس والمواقف، هو عبارة عن رسالة عقلية قد تعمل كمهدئ للعقل والتفكير أو تعمل كمهيج مستفز لمشاعر وعواطف سلبية.
لذا يستطيع كل إنسان يرغب في البقاء في مستوى (وعي الرضا) أن يمارس تدريباً ذاتياً يومياً، بأن يخصص وقتاً يعدد فيه نعم الله في حياته، ثم يكتبها في قائمة، ويقرأها مراراً ويشكر الله عليها، حتى يصبح من أصحاب مقام الرضا.

* رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى