الجمعة 31 مارس 2017 م - ٢ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب .. ممارسة اسعاد الآخرين

رحاب .. ممارسة اسعاد الآخرين

كثيرا ما أحضر كغيري من أبناء محافظة ظفار مناسبات زواج تقام في خيام أفراح تذوب فيها الفوارق وتتزاحم فيها الأيدي العليا لتجسد نخوة مجتمع محافظة ظفار في أزهي صورة. أفرح كثيرا عندما أرى تدافع الكبار والصغار إلى شخص يجلس خلف طاولة ( المغبور) فيتلقى الناس بابتسامته الممتنة؛ معبرا عن الفرحة بهذا المهرجان الذي يُلقي في حقيبة العريس بآلاف الريالات خلال ساعات قليلة من الساعة الثامنة صباحا وحتى الساعة الثانية ظهرا تقريبا. تتراوح المبالغ التي يساهم بها كل من يشارك في حضور العرس ما بين عشرة ريالات والخمسين ريالا وقد تفوق ذلك بكثير لمن بينهم وبين العريس أوشاج قربى أو صداقة أو معروف سابق.
في كل مناسبة أحضرها أراقب هذه الممارسة باعجاب وفرحة وأشكر الله كثيرا على هذه الثقافة التي تأصلت في نفوس أبناء محافظة ظفار، ما يجعلني أعتقد أنها لا توجد في أي مكان آخر غير هذه المحافظة. وقد طرأت في الآونة الأخيرة بعض الابداعات لتطوير ايرادات تيسير الزواج وذلك عن طريق بعض القبائل بإنشاء ( صناديق) تكافل وتراحم، وصارت بعض القبائل تقوم باستثمار أموال هذه الصناديق، التي تعددت مصارفها لتشمل ( شتور) المرضى والمحتاجين والغارمين ومن تفترسهم ظروف الفاقة فضلا عن ( مغبور) الزواج الذي يمنح للعرسان في مناسبات الزواج. وعادة ما تتراوح المبالغ التي يحصل عليها العريس الذي لا يجذب مدعوين كثيرين، ما بين عشرة إلى سبعة آلاف ريالا تقريبا. ويتراوح متوسط ما يدفعه الذين يواظبون على مؤازرة المتزوجين ما بين 50 ريالا ـ 100 ريال بمعدل حضور 5 مناسبات في الأسبوع الواحد على الأقل، أي أن ذوي الدخل المتدني يصرفون ما لا يقل عن 200 ريال شهريا في هذه المناسبات. أتساءل عندما أخضر هذه المناسبات حول كيفية الارتقاء بها وتطويرها من حيث الموارد والاستثمار والصرف، فهذه الممارسات قد شهدت تطورا وهي تعيش فترة ازدهارها في هذا العهد الذي يمثل أزهى عصور عمان.
فكرت بهذا المبدأ كأسلوب تفكير تبادلي يمكن تطبيقه لحل مشاكل صغار الموظفين الذين يرزح بعضهم تحت وطأة الديون جراء غياب التفكير المالي الرشيد، فاقترحت على مجموعة موظفين إحدى المؤسسات في محاضرة قدمتها لهم بعنوان “التخطيط المالي الشخصي” هذا الأسلوب ضمن الأساليب التي اقترحتها للنهوض المالي الشخصي، وتخيلت السعادة ترتسم على وجوه جميع الموظفين لو قامت المؤسسة بفتح صندوق استثماري تكافلي، تساهم فيه الشركة بمبلغ سنوي مقطوع ويساهم كل موظف بنسبة متواضعة من راتبه شهريا، على أن يدار هذا الصندوق استثماريا من قبل فريق كفء يختار الموظفون أفراده، ويمكن لهذا الصندوق أن يؤسس سوقا أو يشتري عقارات أو يتاجر في سوق الأسهم، وبلا شك سيكبر الصندوق بمرور الأيام إذا توفرت له إدارة مالية حصيفة. وفضلا عن عائده الاقتصادي سيبني اتجاهات ايجابية تعزز انتماء و ولاء الموظفين نحو المؤسسة.
إن القيم العمانية الأصيلة كقناعات ومعتقدات وممارسات تعبر عن نفسها في عطاء جميل متدفق بلا انقطاع؛ الأمر الذي يدعو كل مواطن أن يساهم في إحياء وتفعيل هذه المنظومة الرائعة، ويشجع المؤسسات المختلفة الحكومية والخاصة على ابتكار ممارسات اجتماعية ومهنية من شأنها إسعاد الآخرين.

د. أحمد بن علي المعشني رئيس مركز النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى