الإثنين 17 يونيو 2019 م - ١٣ شوال ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / وقت العطاء

وقت العطاء

أحمد مصطفى

قد يكون ذلك صعبا في ظل ممارساتنا في شهر الصيام، فلتكن الخطوة الأولى ـ حتى وإن اقترب الشهر الفضيل من نهايته ـ أن نتخلى عن الكسل مع الصيام وألا نجعل صومنا مبررا لقلة عملنا وأن نحاول زيادة العطاء في العمل دون أن يكون على حساب نشاطاتنا الأخرى علنا نأخذ ذلك معنا لما بعد العيد ولشهور حتى قرب رمضان القادم، عساكم من عواده.

أيام قليلة وينتهي شهر رمضان المبارك ويكثر المسلمون من العطاء في هذا الشهر الفضيل، ويزيد ذلك قرب نهايته حتى أيام عيد الفطر المبارك. لكن أغلب الناس يعود إلى سابق عهده بعد نهاية الشهر الفضيل، وإن تأثر بعض هؤلاء يستمرون فترات قصيرة في ذات حالة العطاء قبل أن تضعف رويدا. وليس لذلك علاقة بمن في شيمهم الأصيلة العطاء، في رمضان وغير رمضان، فهؤلاء يكون تأثير الشهر فيهم أن يزيدوا عطاءهم ويضاعفوا جهدهم. وقد يظن البعض هنا أن العطاء هو فقط عطاء المال، أو البذل العيني في التصدق وفعل الخير. وإن كان ذلك مهما، إلا أنه ليس شكل العطاء الوحيد. فاجتهاد المرء في عمله أكثر وهو صائم عطاء، وتسامحه مع الآخرين وتحمله لهم عطاء، ووبره بأهله وصلة رحمه أكثر من المعتاد عطاء. كما أن الصبر والتحمل الذي يفترض أن نستفيده من صيام الشهر المبارك يزيد عطاء المرء في مجال التسامح والتفهم.
للأسف الشديد، هناك ملمح سلبي في رمضان يتعلق بالعمل يسهم فيه الناس وأصحاب العمال وحتى السلطات والحكومات، وهو تقليل ساعات العمل والتغاضي عن قلة الجهد بحجة أن الناس صائمون. مع أن الحكمة من الصوم هو أن يشعر المرء بما يشعر به من المحتاج وغير القادر الذي يكد ويكدح ولا يجد قوته. وترسخت تلك العادة، ولا يفلت منها إلا قليل ممكن يثابرون على عملهم بذات الجهد والوقت، كما في غير الشهر الفضيل. هؤلاء من أهل العطاء حقا، ويزيد عطاؤهم في رمضان ويعتبرونه وقت العطاء بحق. من الصعب القول إن تلك الفئة القليلة التي يؤثر الصيام على جهدهم وعملهم تمكنت من التأثير في بقية من يصومون شهر رمضان كي يجعلوه وقت عطاء. لكن وجودهم يظل طاقة نور بأن “الكسل” الشائع في رمضان يمكن أن يتغير يوما.
من جبل على العطاء لا يعرف منه راحة، ولا يأخذ منه إجازة، لأنه طبع فيه. لكن من يحثهم شهر الصيام على العطاء بحاجة لتذكر أن العطاء ليس فقط مالا، مثل أن تفطر صائمين أو تتصدق على المحتاجين ـ على أهمية ذلك وحسن ثوابه. بل إن العمل، والجد فيه أكثر، هو عطاء أيضا لا يقل أهمية عن التصدق بالمال والكلمة الطيبة الحسنة. ولعل أكثر عطاء بالعمل أن يعمل المرء فيما يجعل صيامه صعبا عليه ـ ليس القصد هنا المشقة، فالله سبحانه وتعالى يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه ـ بل العطاء في عمل مثل ما له علاقة بالأكل والشرب أو ما يكون وقته متقاطعا مع أوقات كسر الصيام أو ما شابه. ومع التطورات التي شهدتها البشرية في العقود الأخيرة، أصبحت أغلب الأعمال سهلة بفضل تقدم التكنولوجيا وسهل ذلك أيضا زيادة العطاء أكثر. ومرة أخرى، لنتذكر أن العمل عبادة ـ وإن كان لا يغني طبعا عن العبادات. والعطاء فيه بالتالي عطاء في العبادة.
كيف يمكن سحب وقت العطاء هذا على كل أيام السنة؟ من حكم الصيام طوال الشهر الفضيل أن يتذكر المرء كل أحد عشر شهرا أن هناك من تدفعه الحاجة والعوز للجوع والعطش، فيتذكر نعمة ربه عليه ويتصدق مما أوتي من رزق على المحتاج. فهل لنا أيضا أن يكون الشهر الفضيل وقتا للعطاء نواصل الالتزام به طوال العام؟ أليس في ذلك تعظيم لفائدة الشهر الفضيل في الدنيا والآخرة؟ بحد معرفتي البسيطة، بلى. ولا يحتاج ذلك لواعظ أو إمام كي يرشدنا إلى ذلك السلوك، بل هي مسألة بسيطة ومباشرة: كل العطاء خير، والعطاء بالعمل مضاعف الخير لأن عائده في الدنيا والآخرة.
قد يكون ذلك صعبا في ظل ممارساتنا في شهر الصيام، فلتكن الخطوة الأولى ـ حتى وإن اقترب الشهر الفضيل من نهايته ـ أن نتخلى عن الكسل مع الصيام وألا نجعل صومنا مبررا لقلة عملنا وأن نحاول زيادة العطاء في العمل دون أن يكون على حساب نشاطاتنا الأخرى علنا نأخذ ذلك معنا لما بعد العيد ولشهور حتى قرب رمضان القادم، عساكم من عواده. ودعوني أقول لكم من تجربتي: نعم نستطيع. ففي مجال عملي والأعمال المرتبطة به رأيت كثيرين على مدى السنين ممن كان شهر رمضان المبارك بالنسبة لهم وقت العطاء وزادهم في مزيد من العطاء على مدار العام. وكم كان عملهم وهم صائمون بذات الجودة في غير الصيام وربما أكثر. وهذا عطاء آخر، أن تجيد فيثيبك الله على عطائك في عملك وأنت صائم فضلا عن عائد ذلك في الدنيا. وإن كان هؤلاء يفعلون ذلك دون انتظار لعائد على إتقانهم وعطائهم.
أدعو الله العلي القدير أن تكون لنا في الشهر الفضيل، حتى القليل الذي تبقى منه، فرصة للعطاء بجانب الطاعة والعبادة.

د. أحمد مصطفى

إلى الأعلى