السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نقد ثقافي

نقد ثقافي

أ.د. محمد الدعمي

”عندما افترضت أن الإعلام غمر الثقافة الجادة العميقة، فإني قد زعمت بأن طوفان المادة الإعلامية ودفعها للثقافة إلى الخلف إنما يعكس خللاً في حضارتنا العربية والإسلامية اليوم، لأن الثقافة راسخة والإعلام متقلب. هذا الخلل يرد إلى خضوع المادة الثقافة/الإعلامية لقانون السوق، أي قانون العرض والطلب الأعمى الذي يقود الإنسان بإرشاد المال وتوجيه المصالح،”
ــــــــــــــــــــــــ
لا بد للذين جايلوني، أو جايلوا الرعيل السابق لنا من “الشبان” المبتلين بالثقافة والقراءة، الكتابة والاستنارة، أن يتفقوا معي على أن انقلاباً جوهريًّا قد طرأ على الثقافة العربية خلال العقود الستة أو السبعة الأخيرة، إذ نحت الثقافة العربية منحى تنقصه جدية العقاد وبراعة طه حسين والزيات وخيال نجيب محفوظ، من بين سواهم من العقول المتضخمة التي أسهمت بجدية في تنشئة أجيال مسؤولة ومحترفة يعتد بها وتستحق الإطراء غير المنافق.
كاتب هذه الأسطر ومجايلوه يمتدون بين عصرين على نحو حرفي: عصر كان يقرأ العرب فيه مصطفى لطفي المنفلوطي ومحمد عبده وهيكل وخالد محمد خالد وسلامة موسى وسيد قطب (رحمهم الله جميعاً)، وعصر متأخر لا يقرأ خلاله الشبان العرب أي شيء قط لأنهم يمتدون على الأرائك ويستمعون لتيار الثقافة المبثوثة والمسلفنة وهو يغسل آذانهم دون أن يتخللها إلى أدمغتهم، علّ هذه الآذان تلتقط لفظاً أو كلمة لها معنى! وهكذا يأخذ التصحر الثقافي الذي رصدته قبل سنوات في مقالة لـ(الوطن) مداه المدمر على نحو مؤسف بحق. أما أن يعمد الإنسان إلى قاعة مكتبة فقط لمتعة القراءة والاستنارة، فإن في هذا ما يستدعي التندر والاستهزاء هذه الأيام، أحياناً. بل إن من يفعل ذلك يبدو للآخرين “متأخراً” يحلق خارج السرب لأنه يذهب لسوق “السراي” أو سوق الكتب ببغداد محاولاً إيجاد كتاب لأرسطو أو لكافكا أو لشوبنهاور: ما هذه اللا جدوى!
للمرء أن يرد هذه الظاهرة التحولية في الثقافة العربية إلى ارتطام تيارين متنافرين في الفضاء الفكري العربي، وهما: (1) تيار الثقافة الجادة من النوع الذي أبدعه المذكورون في أعلاه؛ و(2) تيار الإعلام والإعلان الذي، كما يبدو يفوز بهذه الجولة من الصراع الفكري، إذ راح الإعلام يغمر الثقافة الحقة، بينما راحت الأخيرة تترسب إلى القاع ولم يعد يهتم اهتماماً حقيقيًّا برواية لنجيب محفوظ أو بكتاب (حديث الأربعاء) لطه حسين سوى ذلك الذي يريد امتطاء مؤلفات الكبار للحصول على شهادة عليا، وليس للقراءة الجادة لذاتها، كما كنا نفعل، بدليل أن أحد أبناء أخواتي استغرب عندما أعلمته بأني قد صارعت نص كتاب نيتشه (هكذا تكلم زرادشت) ولم أكن أكثر من ست عشر سنة من العمر: فمن من أبنائنا يعمد إلى كتاب لنيتشه Nietzsche أو لجون ستيوارت مل Mill أو لألبير كامو Camus أو لجان بول سارتر Sartre كي يقضي ساعات الليل السكونية محاولاً أن يفهم ما أراد هؤلاء بنا وبأنفسهم وبالحضارة الآدمية؟ الجواب: لا أحد يرنو لوجع الرأس هذا. تكفي نشرة الأخبار كي تجعل كل واحد منا “مواطناً عالمياً”!
وعندما افترضت أن الإعلام غمر الثقافة الجادة العميقة، فإني قد زعمت بأن طوفان المادة الإعلامية ودفعها للثقافة إلى الخلف إنما يعكس خللاً في حضارتنا العربية والإسلامية اليوم، لأن الثقافة راسخة والإعلام متقلب. هذا الخلل يرد إلى خضوع المادة الثقافة/الإعلامية لقانون السوق، اي قانون العرض والطلب الأعمى الذي يقود الإنسان بإرشاد المال وتوجيه المصالح، فلم يبق ما هو منزه من المصالح، ربما، سوى قصص الأنبياء.
إن الثقافة العربية الجادة تغرق الآن، بينما تطفو الثقافات المستوردة الجاهزة، المناسبة مناهجاً ندرسها فقط، فلا نستنير بها ولا تحسن من شروط وأسباب وجودنا الآدمي المجدي.
سؤال أخير: من منا يعرف بدقة آراء جمال الدين الأفغاني أو أفكار عبد الرحمن الكواكبي؟ مجرد سؤال.

إلى الأعلى