الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / “الحكللة”

“الحكللة”

محمد عبد الصادق

”.. خلال رحلتي في الصحافة القومية في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك اكتشفت أن الجميع يفتح الباب على مصراعيه للـ “الحكللة” ويشجع على ممارستها، فشاهدت المحرر (يحكلل) لرئيس القسم، الذي بدوره (يحكلل) لمدير التحرير ومدير التحرير (يحكلل) لرئيس التحرير الذي (يحكلل) لرئيس مجلس الإدارة، الذي (يحكلل) لوزير الإعلام، الذي (يحكلل) للـ”هانم” أو رئيس الجمهورية،”
ـــــــــــــــــ
عندما التحقت بمهنة الصحافة منذ ربع قرن تولى تدريبي أحد شيوخ التدقيق اللغوي، الذي سألني عن أهم فعل في اللغة العربية؟ .. صمت حتى لا أتورط في إجابة خاطئة، أكمل الشيخ أنه فعل “حكللَ .. يحكللُ .. فهو حكلولُ”.. منعت نفسي من الضحك احتراما للـ”قمة العيش” وللرجل الوقور، وقلت في استحياء: لم أسمع بهذا الفعل من قبل طوال سني الدراسة، وطلبت منه شرح معناه، لم يجبني الشيخ، وقال لي في ثقة: ستعرف معنى “الحكللة” بعد أسبوعين على الأكثر من وجودك في القسم وبعد أسبوعين دخل الساعي وفي يده كشف ومبالغ مالية ـ عرفت أنها الحوافز الشهرية التي توزع على محرري القسم المتميزين ـ وأخذ الساعي يطوف على الزملاء الموجودة أسماؤهم بالكشف ليوقعوا ويعطيهم مبالغهم، سألني الشيخ, من أحق موظف بالحوافز في رأيك؟ بدون تفكير قلت: أستاذ (فلان فهو أكثر الموجودين التزاماً وكفاءة وإقبالاً على العمل، ولكن يعيبه أنه عابس الوجه، منطوي، قليل الكلام (دمه تقيل)، وسألني الشيخ ومن في رأيك أقل الموظفين استحقاقاً للحوافز؟ قلت أستاذ (علان) فهو يداوم متأخراً ويقضي الوردية (الشفت) يتحدث في الهاتف ولا يترك شخصاً إلا ناكفه، ولا حادثة إلاً علق عليها، ولا يقترب من (البروفات) إلا في وجود رئيس القسم، فضلاً عن كونه متواضع الكفاءة وتفلت منه أخطاء لا حصر لها، ولكنه للأمانة، أنيق حسن المظهر، خفيف الظل، اجتماعي، حلو الكلام خصوصاً مع الرؤساء، كما أنه الوحيد الذي يقف احتراماً عند دخول رئيس القسم ويظل يكيل كلمات المديح والإطراء على صحته وشبابه ووسامته ورشاقته رغم أنه رجل مسن يتكئ على (عكاز) ويضع على رأسه “كسكته” لتداري شيبته وصلعته، في هذه الأثناء وصل الكشف إلى محطة الشيخ، الذي أمسكه وطلب مني أن أنظر إلى اسم استاذ (علان) يتصدر الكشف بأكبر مبلغ، وفوجئت بأن الكشف خالٍ من اسم الأستاذ (فلان) عندها عرفت المعني الحقيقي لكلمة “الحكللة” وظل ملازما لي في كل الأماكن التي عملت بها بعد ذلك.
و(الحكللة) أو النفاق أو “الورنيش” آفة منتشرة في بلادنا العربية ومهارة لا يجيدها إلاّ الموهوبون، وهي تقضي المصالح المعطلة، وتفتح الأبواب المغلقة، وتختصر كثيراً من الوقت والجهد للوصول لقمة السلم الوظيفي، والمسؤول الأول عن انتشارها هم الرؤساء والمسؤولون الذين يفسحون المجال للـ”محكللين” ويطربون للإطراء والنفاق والكلام المعسول، وليس لهم ” خلق” أو صبر للإنصات لأصحاب الكفاءة والمواهب الذين لا يتكلمون إلاّ في العمل ولا يجيدون سوى لغة العلم والأرقام وفي الغالب يكون حديثهم خارج العمل مثل “الدبش” ولا يستطيعون التعبير عما بداخلهم من مشاعر تجاه رؤسائهم.
ونتيجة لتفشي داء “الحكللة” في إداراتنا ومؤسساتنا الحكومية والخاصة أصبحنا نعاني من مشكلة حقيقية في الإدارة الرشيدة وتقييم الأداء وتنمية الموارد البشرية، رغم الميزانيات الضخمة التي ترصد للتدريب الإداري وتنمية مهارات الموظفين، ولكنها تضيع هباءً أمام صخرة المحسوبية والعشوائية والاعتبارات الشخصية.
ومرض ” الحكللة ” لا وجود له في أوروبا والدول المتقدمة، فهم لا يخلطون بين الصداقة والعلاقات الشخصية والعمل، لذلك نجحوا في الإدارة ونهضوا باقتصادهم، وحققوا النجاح والأرباح الحقيقية لشركاتهم ومؤسساتهم؛ سواء الموجودة على أرضهم أو في الخارج.
وخلال رحلتي في الصحافة القومية في عهد الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك اكتشفت أن الجميع يفتح الباب على مصراعيه للـ “الحكللة” ويشجع على ممارستها، فشاهدت المحرر (يحكلل) لرئيس القسم، الذي بدوره (يحكلل) لمدير التحرير ومدير التحرير (يحكلل) لرئيس التحرير الذي (يحكلل) لرئيس مجلس الإدارة، الذي (يحكلل) لوزير الإعلام، الذي (يحكلل) للـ”هانم” أو رئيس الجمهورية، وظلت “الحكللة” تؤتي ثمارها بدليل احتفاظ رؤساء التحرير ورؤساء مجالس إدارات الصحف القومية بمناصبهم لأكثر من 20 سنة من حكم مبارك، ضاربين عرض الحائط بمبدأ تكافؤ الفرص أو تواصل الأجيال، وقضوا على أجيال بأكملها شابت أو غادرت الحياة محبطة دون أن تحصل على فرصتها.
ورغم اندلاع ثورتين والدماء التي سالت من أجل التغيير وإسقاط الأنظمة الفاسدة، ما زال فيروس “الحكللة” يعشش في دهاليز الدولة المصرية، ورأينا أناساً ” إجرام في الحكللة” طبلوا لمبارك وابنه جمال قبل 25 يناير ثم سرعان ما تحولوا لثوريين وناشطين مع سقوط مبارك، وجلسوا مع طنطاوي والمجلس العسكري، و”حكللوا” لجنرالاته ونعتوهم بالوطنية والانحياز لإرادة الشعب، وعندما حكم مرسي والإخوان “ركبوا الترس الإسلامي” وطالبوا بسقوط حكم العسكر، وسعوا لصداقة المرشد وخيرت الشاطر، وعرفوا الطريق للمقطم ومكتب الإرشاد، وعندما شعروا بقرب غرق سفينة الإخوان انقلبوا على مرسي وجماعته.
وعقب 30/6/2013م خرجت فلول مبارك الفاسدة من الجحور وتخيلت أنها قادرة على العودة من جديد خصوصاً وأنهم احتفظوا بثرواتهم المشبوهة دون أن تمس، نتيجة نقص الأدلة، أو أن يد القانون لم تصل إليهم من أصله.
وللأسف الشديد نجح بعضهم في التسلل لحملة المشير الرئاسية وتطوعوا بعمل الدعاية الانتخابية له سواء بعلمه أو بدون علمه وخرجوا في وسائل الإعلام “يحكللوا” للسيسي وهم لا يدرون أنهم بذلك يؤذونه، وينفرون الناس منه، وظهر تأثيرهم السلبي جليًّا في تدني نسبة المشاركة؛ خصوصاً بين الشباب الرافض لعودة هذه الوجوه الكريهة التي تحاول السيطرة على مقدرات الشعب المصري من جديد، متناسية أن الوضع تغير، وأن المواطن المصري لن يستطيع كائن من كان أن يعيده للجحور من جديد، وأن جدران الصمت وكهوف الخوف سقطت ولن يسمحوا لأحد بتشييدها من جديد مهما بلغت التضحيات.
وعلى الرئيس السيسي إذا أراد النجاة والنجاح ـ أن ينحاز بشكل واضح للمصري الغلبان، وأن يختار مساعديه بعناية من الكفاءات الوطنية، المشهود لها بالطهارة ونظافة اليد، والتي لم تصب بعد بداء “الحكللة” ولم يفسدها فيروس النفاق وآفة الأكل على كل الموائد.

إلى الأعلى