الأحد 8 ديسمبر 2019 م - ١١ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / “الليالي” بين بغداد العباسية ومانشستر الفكتورية (1)

“الليالي” بين بغداد العباسية ومانشستر الفكتورية (1)

د. محمد الدعمي

لم أزل أعتقد بأن (الليالي العربية) The Arabian Nights، وهو العنوان الإنجليزي الشائع في أوروبا لكتاب (ألف ليلة وليلة)، إنما هو من نتاج العبقرية الجماعية لمجموع الأقوام والأمم التي تتساكن متجاورة عبر الشريط القاري البري الممتد من الصين شرقًا، حتى سواحل المحيط الأطلسي غربًا: بدليل طفو الشخصيات الصينية والهندية، المصرية والبغدادية، الفارسية والبلوشية والكردية على سطوح حكايات الكتاب..

من منا لم يسمع بجوهرة الأدب الفلكلوري العالمية، كتاب (ألف ليلة وليلة)، عبر العالم، والعالم العربي خاصة، إلا أن الكثيرين منا لم يسمعوا بما يحيط بهذا الكنز التراثي الذي لا ينضح من آراء ومتناقضات وخلافات تخص: (1) تأصيل الكتاب Authenticity، و(2) تأليفه Authorship.
والحق، فقد وجدت نفسي على محك هذه المسألة شخصيًّا عندما عينت تدريسيًّا في قسم اللغة الإنجليزية بجامعة بغداد، معلنًا في أحد صفوفي بأن الكتاب هو جوهرة أدبية عربية، إذ اعترضت طالبة إيرانية آنذاك، إذ أحرجتني بالقول بأن (ألف ليلة وليلة) إنما هو نتاج تراثي إيراني، لا صلة له بالعرب؛ أما الصدمة الثالثة، فقد كانت في الهند حيث كنت أكتب بحثي للدكتوراه، إذ ادعى باحث زميل لي أن (ألف ليلة وليلة) إنما هو من نتاج العقل الهندي، ولا يمكن لأي دارس قط تخطي أصول حكاياته الهندية. وهكذا، تواصل الجدل، ولم يزل، حتى أصدر أحد تلاميذي في (معهد التاريخ العربي) ببغداد كتابًا صغيرًا يحاول البرهنة على أن حكايات (ألف ليلة وليلة) إنما هي من نتاج العقل اليهودي، ذاهبًا إلى أن العناصر السلبية في الحكايات إنما كانت من صنع وتسويق اليهود، انتقامًا من مجتمعاتنا وتخريبًا لها، حسبما ادعى تلميذي هذا، الأستاذ جمال البدري.
إلا أني لم أزل أعتقد بأن (الليالي العربية) The Arabian Nights، وهو العنوان الإنجليزي الشائع في أوروبا لكتاب (ألف ليلة وليلة)، إنما هو من نتاج العبقرية الجماعية لمجموع الأقوام والأمم التي تتساكن متجاورة عبر الشريط القاري البري الممتد من الصين شرقًا، حتى سواحل المحيط الأطلسي غربًا: بدليل طفو الشخصيات الصينية والهندية، المصرية والبغدادية، الفارسية والبلوشية والكردية على سطوح حكايات الكتاب المشوقة التي اعتمدتها “شهرزاد” لترويض الملك القاسي (شهريار) على نحو مشحون بالحيلة وبسحر المرأة الشرقية القادرة على المناورة، ذلك السحر الذي لا ينضب، والذي خدم عنصرًا أساسًا في رواج وشيوع (الليالي العربية) عبر الأمم الأوروبية ولغاتها المختلفة منذ قرون، خاصة بعد أن أسرت الساحرة شهرزاد العصابي شهريار على نحو يشبه التنويم المغناطيسي إلى حد كبير.
وإذا ما شخصت المرأة الشرقية معلمًا أساسًا أمام الذهنية الأوروبية العاشقة للغريب وللبعيد ولغير المطروق منذ قرون، فإن روح المغامرة وتقلبات حظوظ الإنسان في الحياة عبر الشرق العربي الإسلامي على نحو خاص، إذ بقيت هذه العناصر تهيمن على العقل الرومانسي الأوروبي، درجة أن أحدًا لا يمكن أن ينكر تأثير (الليالي العربية) على كبار شعراء وكتاب أوروبا الرومانسيين بسبب ما تتيحه عوالم (الليالي) من فرص للإفلات من الحياة المادية وحيدة الجانب في المدن الأوروبية، إذ بدت بغداد العباسية حاضرة أسعد لسكانها بكثير من مانشستر الفكتورية التي هشمت الماكينة كينونتها كحاضرة عبر عصر الثورة الصناعية، في القرن التاسع عشر خاصة.

إلى الأعلى