الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / خواطر ومشاهدات من إقليم بافاريا وما جاوره 6/6

خواطر ومشاهدات من إقليم بافاريا وما جاوره 6/6

سعود بن علي الحارثي

مشاهد وصور غير عادية وغير متوقعة، يشتد إعجابنا بها درجة الانبهار سرعان ما يتضاءل بمجرد ما أن تكشف لنا حركتنا المتقدمة إلى قلب البندقية أن ما يلوح أمامنا هو الأكثر والأشد، والداعي إلى الإعجاب والعظمة والإبهار من سابقه. شعرت بشيء من الخوف والهيبة وأنا أسجل انطباعاتي ومشاهداتي من الإقدام إلى الكتابة عن البندقية هذه التحفة الفنية الفريدة…

سابعا: البندقية
أخذت المسافة بالسيارة من زيلامسي إلى البندقية في حدود خمس ساعات، كانت خلالها درجة الحرارة ترتفع تدريجيا والطبيعة تظهر طابع التنوع بين غابات كثيفة وأودية جافة مع جريان خفيف أشبه ما تكون ببعض أودية عُمان في تضاريسها ومياهها الشحيحة، وجداول جارية في مواقع أخرى ومزارع عنب وفراولة وتفاح وتوت وحقول أخرى، لا تزال تحرث وتبذر وتسمد وتمهد لموسم قادم وجبال ذات قمم جرداء خلعت أو تخلت عنها عمائم الألب البيضاء وسفوح احتفظت بشيء من خضرتها، تنوع يبعث على الإثارة والتشويق القائمين على عنصر المفاجآت، ويدعو إلى المتابعة ويجمع بين مناطق جبال الألب وبلدان البحر الأبيض المتوسط، ييسر على المسافر مشقة الطريق الطويل الذي يخترق قمم الجبال الشاهقة عبر أنفاق تصل إلى عدة كيلومترات، فلا يشعر بعناء الساعات وهي تتسرب من عمر المسافة الكلية. نمط الحياة في القرى الإيطالية وبيوت المزارعين والبنية التحتية تشي بشيء من الفقر مقارنة بالنمسا وألمانيا والكنائس بأبراجها العالية سمة أساسية من مكونات تلك القرى والأحياء السكنية تؤكد على أن كفة الصراع تاريخيا كانت تميل لصالح المبشرين، فالعمل على زيادة أعداد المؤمنين بنسب عالية مقابل الآثمين هي الساحة التي اشتغل عليها رجال الدين من القسس والمبشرين والحرص على (شفاء الأرواح المسكينة) أو الضالة ومساعدتهم على استعادة طريقهم وتخليصهم من (التمرغ في الخطيئة)، لقد مرت الكنيسة بمراحل من الصراع والنقاش والجدل على مختلف المستويات، ودعوات إصلاح كان من أهمها دعوة لوثر التي وجدت (هوى لدى الأمراء الألمان ممن أثقل كاهلهم الرضوخ القسري لروما ليمثل الإصلاح بالنسبة إليهم فرصة للتحرر السياسي والمالي) واستوعب المجتمع الألماني رسالة لوثر الداعية إلى الإصلاح البروتستانتي في أوروبا خلال القرن السادس عشر، وذلك لـ(تعدد مضامينها الدينية والمادية على السواء). ركنا السيارة التي استأجرناها من مطار ميونيخ في الطابق العاشر للمواقف المخصصة للسيارات على مدخل المدينة الوحيدة المستثناة على مستوى العالم من وسائل النقل البرية الحديثة حفاظا على مكانتها التاريخية وسماتها الحضارية ومعمارها الفريد، وضمان استمرار تماسك قواعد أبنيتها القائمة على بحيرة (فينيجيا) بلغة أهلها أو (فينيزيا) باللغة الإيطالية، وهو ما جعل منها واحدة من أهم وأجمل مدن العالم التي ترعاها منظمة اليونسكو لتراثها الحضاري الهائل، وثرائها الفني المتراكم والمتطور الذي يضيف عليه اللاحقون أنماطا معمارية جديدة عبر قرون من الزمن. توجهنا مباشرة إلى الفندق الذي حجزناه قبل عدة أيام من وصولنا بجوار ميدان سان ماركو الشهير، يقودنا إليه برنامج خرائط جوجل (Google Maps). شيئا فشيئا تأخذنا خطواتنا إلى أعماق فينيسيا (ملكة البحر الأدرياتيكي)، زقاق يقودنا إلى زقاق وجادة توجهنا إلى مثيلة لها، لقد كنا بحق أمام متاهة من الحارات والساحات القديمة التي تفوح منها رائحة التاريخ العريق، وتعرض للأجيال المتلاحقة عظمة وسطوة الإنسان وقدراته غير المحدودة وإرادته الهائلة في تحقيق تطلعاته وطموحاته التي لا تقهر. قصور فاخرة تشي بعظمة وازدهار المدينة عبر مراحل تاريخها وثراء حكامها ونبلاها وسادتها، وتعدد طبقاتها الاجتماعية والفجوة العميقة التي كانت تفصل بينها .. كنائس تزدان بنقوش وزخارف وأعمدة وأقواس وأسقف وأبواب ونوافذ مهيبة تعبر عن تغلغل الكنيسة في الحياة العامة للمواطن ودور الدين في تشكل ومجرى الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وارتباطه العميق بكل مفصل من مفاصل المدينة، وتنافس الأمراء والحكام والملوك في تعزيز مكانتهم السياسية، وتوطيد حكمهم ونيل رضا شعوبهم من خلال الدين المتمثل في بناء الكنائس الفخمة التي تعد بحق تحفا فنية لا مثيل لها .. دور للأوبرا ومكتبات عامة وعزف موسيقي متواصل في الساحات والمطاعم تؤكد على ثراء وتنوع الحياة الثقافية والفنون والإبداع الإنساني وتمازج الثقافات .. مساكن النبلاء والعائلات الارستقراطية التي حافظت على نمطها القديم عبر قرون من الزمن مدللة على قوة البناء وعمق القواعد وسمك الجدر، والاعتماد على مكونات وطرق وأدوات قادرة على الصمود ومقاومة الزمن والمناخ والتعامل مع الكوارث الطبيعية .. نصب تذكارية تعبر عن الأحداث الكبيرة والانتصارات والمناسبات الوطنية والشخصيات التي ساهمت في بناء وثراء البندقية .. مشاهد وصور غير عادية وغير متوقعة، يشتد إعجابنا بها درجة الانبهار سرعان ما يتضاءل بمجرد ما أن تكشف لنا حركتنا المتقدمة إلى قلب البندقية أن ما يلوح أمامنا هو الأكثر والأشد، والداعي إلى الإعجاب والعظمة والإبهار من سابقه. شعرت بشيء من الخوف والهيبة وأنا أسجل انطباعاتي ومشاهداتي من الإقدام إلى الكتابة عن البندقية هذه التحفة الفنية الفريدة التي تنحني مدن العالم إجلالا واحتراما وتواضعا أمام شموخها وجمالها، وثرائها الثقافي والفني والمعماري وقوة مبانيها وعبقرية مصمميها واستثنائية فكرة إنشائها التي قامت على بحيرة مائية ووصف قصورها المهيبة وساحاتها الأخاذة وفخامة عمارتها وتراثها الهائل الذي لا شبيه له على غرار ما فعلت مع مدن أخرى، فماذا عساني أكتب؟ وهل أستطيع أن أقدم وصفا عن هذه التحفة الفريدة من نوعها؟ وكيف لي أن أعبر عن مشاعر الإعجاب والرهبة والانبهار، وأن أجيب عن عشرات الأسئلة التي تزاحمت وسيطرت على تفكيري لحظتها؟ أي قلم هذا مهما أوتي من سحر البيان وفصاحة اللغة وقوة التعبير وسعة البلاغة أن يصف بدقة وبراعة ما تراه عينه ويقدم عرضا لما تجيش به مشاعره؟ ولكن ليس من الإنصاف ولا الموضوعية أن أسجل وأرصد هذا التطواف الجميل والمفيد، وأتجاوز عن أهم محطاته، فلا مناص إذن إلا أن أقدم ما أستطيعه، وما سوف يسعفني به قلمي في التعبير عما شاهده البصر واهتزت له المشاعر. تتشكل قاعدة البندقية من عدة جزر بنيت عليها المدينة في العام ٨٠٠ قبل الميلاد، وتنقسم إلى حارات وساحات مركزها ميدان سان ماركو العجيب، ومنه تمتد الطرق والأزقة والجادات ـ التي تحولت إلى أسواق نشطة تبيع السلع والبضائع والحرف والهدايا التذكارية التي يحتاجها السائح ـ إلى حارات المدينة الأخرى، وتضم كل حارة ساحة تعد المتنفس الحقيقي أو الرئة التي يتنفس منها سكان الحارة والكنيسة التي تقام فيها الشعائر الكنسية للمسيحية. يعد ميدان سان ماركو أهم وأبرز موقع سياحي في فينيسيا، فهو مركز النشاط الثقافي والسياحي والتجاري والترفيهي الذي يستقبل ويودع مئات السياح وعشرات الأفواج في كل لحظة من مختلف دول العالم مشرقه ومغربه، حيث تنتشر عشرات المطاعم والمقاهي التي تقدم الأطعمة الإيطالية والقهوة والآيسكريم والحلويات المتعددة، ولا تتوقف مئات الكاميرات وعدسات أجهزة النقال عن التقاط الصور التذكارية لزائريه. يضم الميدان الكنيسة الأكبر في البندقية وقد تم طلاؤها بالذهب والفسيفساء، وتعد بحق واحدة من أهم كنائس العالم التي يحج إليها السياح الذين وقفوا أمام بابها الرئيسي طوابير للتمكن من مشاهدة زخارفها البديعة ونقوشاتها الفنية المنحوتة التي تصور شهور السنة وعظمة أعمدتها وضخامة مرفقاتها، وتعد مجسمات الخيول الأربعة المنصوبة في أعلى الباب الرئيسي للكنيسة والمصنوعة من البرونز أهم ما يميزها، فقد تم نقلها من القسطنطينية أثناء الحملة الصليبية الرابعة في عام ١٢٠٤. قصر دوكالة. كنيسة سانتا ماريا. مقصورة الورود والأزهار التي تبث الروائح المنعشة والطيبة على المدينة. المقاهي التاريخية التي يرجع بعضها إلى العصر العثماني. قصور النبلاء جميعها تزين ميدان سارن ماركو العجيب، ويمثل التكسي البحري في فينيسيا الشريان الحقيقي الذي يمد المدينة بحاجاتها من السلع والبضائع ومختلف متطلبات الحياة والحاجات المعيشية التي تلبي رغبات المواطنين اليومية، وهي وسيلة النقل الوحيدة للبشر سكانا وزوارا وسياحا، كما أنها تمثل عنصر الجذب السياحي الأهم والأبرز في البندقية، إذ تتحرك عبر القنوات المائية ـ التي يصل عددها إلى ١٥٨ قناة تربط أوصال المدينة وحاراتها وساحاتها بجسور متعددة الأشكال والأحجام تبلغ في حدود ٤٠٠ جسر ـ مئات القوارب التي تنقل السياح. كانت جولة القارب التي استغرقت ٤٥ دقيقة بمبلغ وقدره ١٠٠ يورو في أنحاء المدينة وبين حاراتها ومعالمها التاريخية بالنسبة لنا تجربة مثيرة ومشوقة، تمكنا عبرها من مشاهدة وتصوير أهم مباني البندقية ومواقعها السياحية. فاتورة السائح في البندقية باهظة الثمن، وأسعار الفنادق والمطاعم والمقاهي والجولات السياحية مرتفعة جدا قياسا بميونيخ وسالزبورج وزيلامسي، أصدر الصديق العزيز تركي البوسعيدي (أبو فيصل) الذي أدار موازنة الرحلة وعمليات الصرف باقتدار المالي الخبير في عمله، درجة أنه حقق فائضا، فأعاد إلينا بقية من مال، في الوقت الذي كنا نعتقد فيه أن الموازنة بحاجة إلى ضخ المزيد من اليورو ـ أصدر ـ تحذيرا بعد سداد فاتورة بضعة أكواب من الآيسكريم تجاوزت الـ١٠٠ ريال عماني بالتوقف عن تبذير المال على ما رآه أمورا ترفيهية إلى أن نغادر البندقيةكي لا تتبدد الميزانية المخصصة للسفر.
تتميز المدن والعواصم الأوروبية في معظمها مع استثناءات واختلافات محدودة أولا: بالقصور والمنازل والساحات والأحياء والجادات القديمة الفاخرة التي تصور حياة الازدهار الاقتصادي والسياسي والفخامة والأبهة غير المحدودين، والثراء الثقافي الواسع والإبداع الأوروبي الذي أثر في ثقافات الشعوب الأخرى، وتعرض لحياة كانت تتسم بالتمدن والانفتاح على مختلف الفنون والثقافات وتعبر عن تطور مناهج وأساليب ووسائل العمارة وجمالياتها، التي تقدم أنماط وأساليب وثقافة كل عصر وتاريخ وحياة أسره الحاكمة وحضارته، وهي واحدة من أهم أسباب الجذب السياحي، وقد حافظت أوروبا على تاريخها وهيئة المدن والأحياء القديمة فلم تصل إليها، ولم تعبث بها الحياة العصرية، فالتخطيط الجيد المدروس أخذ في طبيعته المزاوجة بين الماضي والحاضر القديم والحديث وضمان الحفاظ على الإرث الحضاري والتاريخي للمدن الأوروبية والتناسق في الشكل واللون، وعدد الطوابق والمظهر الخارجي والتصميم الهندسي، درجة أن السائح لا يلحظ الفارق بينهما، ما شكل جذبا سياحيا هائلا حفظ لأوروبا تاريخها. ثانيا: قوة وفخامة البنية التحتية وقدرتها على التحمل ومقاومة الظروف المناخية والبيئات القاسية وجاهزيتها واستيعابها لمتطلبات المستقبل وتطوراته والتخطيط السليم القائم على التصريف الجيد لمياه الأمطار وتدوير النفايات والاستفادة من تدفقات المياه وتوظيف كل المقومات التاريخية والثقافية والسياحية والزراعة والصناعة والأسماك والغابات من أجل تعزيز الموارد وتنويع مصادر الدخل وتنشيط وتوسيع الصناعات. ثالثا: الوعي المجتمعي العميق بالأنظمة والقوانين، والحقوق والواجبات التي تشكل في مجملها المعيار الحقيقي للحكم على صلاح وفساد مواطن ما في مقابل الحريات المتاحة في المعتقدات الدينية والمذهبية والثقافة وغيرها. رابعا: الاستفادة القصوى من عضوية الدول في الاتحاد الأوروبي في تحقيق الازدهار الاقتصادي، وتعزيز التنمية والتيسير على المجتمعات وزيادة التبادل التجاري. فاستثمارا للوقت والجهد والمال لا يحتاج مواطنو دول الاتحاد والسياح والزوار من أن يتوقفوا بين الحدود، كذلك فإن العملة الموحدة اليورو هي العملة الرسمية لجميع دول الاتحاد، وتنتقل البضائع والسلع بكل حرية بين دول الاتحاد.

إلى الأعلى