الثلاثاء 10 ديسمبر 2019 م - ١٣ ربيع الثانيI ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : عيدكم مبارك وكل عام وأنتم بخير

رأي الوطن : عيدكم مبارك وكل عام وأنتم بخير

من أبرز سمات عقيدتنا الإسلامية السمحة أنها بشعائرها ومناسباتها المتعاقبة لا تحرك العقل وتدفعه وتستحثه إلى قيادة الإنسان إلى كل ما يصلحه ويعلي من شأنه، وأنها تضبط العقل والنفس بضوابط الشريعة وأحكامها ليكونا قادرين على التعامل مع نواميس الكون والطبيعة ومنضبطين بضوابط الشريعة، وإنما أيضًا أنها تتضمن حِكمًا عديدة تعود بالخير على مُؤدِّيها وعلى المجتمع، وتلزم المجتمع بلزام الوحدة والكلمة، فتحت ظلها تتوحد المشاعر الإنسانية وتتآلف الأنفس وتتآخى القلوب، وتتعمق روابط الأخوة والتراحم والتكاتف والتكافل والتعاون.
ومن بين هذه الشعائر شعيرة العيد حيث تبرز تلك المشاعر الإنسانية في أجلى صورها، وأروع معانيها، وذلك من خلال تبادل التهاني والتبريكات بين أصحاب المجتمع الواحد، وبين ذوي الأسرة الواحدة، فتبرز صفات الفرح والعطف والنقاء والصفاء وروح المحبة والألفة، سواء بتجمعهم في مجلس واحد وفي بيت واحد، وأدائهم صلاة العيد في مصلى واحد.
ويوم عيد الفطر، هو يوم الجائزة، فهو يوم عظيم وعيد مبارك، وهو يوم توج الله به شهر الصيام، فيه يفرح أولئك الذين بذلوا أنفسهم مجتهدين وصلوا نهارهم بليلهم عبادةً وتلاوةً ودعاءً واستغفارًا، وفيه أيضًا من خابوا وخسروا ولم يحصدوا من صيامهم إلا الجوع والعطش والتعب.
إن يوم العيد هو يوم فرحة يسعد فيه الصائمون بين ذويهم يتبادلون التهاني والتبريكات بأن وفقهم الله لصيام شهر رمضان المبارك وقيامه، حيث تسود تلك المظاهر الأسرية وصلة القربى والتراحم، ويبرز ذلك التكافل الاجتماعي من خلال حرص الصائم على إخراج زكاة فطره وردها على من يستحقها من الفقراء والمساكين، ومن خلال مظاهر البهجة والعيدية المتمثلة في إسعاد الأطفال وإدخال الحبور والسرور في أنفسهم. الأمر الذي يؤكد أن هذه المظاهر جميعها تدل على أن رسالة الإسلام هي رسالة سلام وإخاء وطمأنينة واحترام وقيم ومبادئ إنسانية تنبذ العنف والكره وإلغاء الآخرين، بل اعتمد الإسلام سبيلًا قويمًا وحكيمًا في حواره مع مخالفيه ومعارضيه وهو الرفق واللين والحكمة، وبالتالي فإن كل ما من شأنه أن ينفر المسلمين بضعهم بعضًا، ويزرع البغضاء والفتن ويفرق شملهم، ويبعدهم عن الكلمة السواء، حاربه الإسلام، وشنع على المرجفين في الأرض الذين يسعون فيها فسادًا، وحث المسلمين على أن يجتنبوا كل ما يؤدي بهم إلى النفور والقطيعة، وأمرهم بتوحيد صفهم وكلمتهم، لأن بذلك تتحقق النعم والحكم الإلهية التي أرادها الله سبحانه وتعالى ومن بينها الأمن والأمان والاستقرار والطمأنينة، والعيش في سلام، والتقلب في حياة كريمة يسودها الرخاء والهناء، وتستقر بالتالي الأنفس وتهدأ، ما يساعدها على تحقيق الحكمة من الخلق وهي عبادة الله، واكتشاف نواميس الكون ما يوثق صلتهم بالله حين يرون آياته العظيمة في هذا الكون الفسيح.
لقد كان رمضان فرصة للصائمين الذين أخلصوا صومهم لله لإشباع الجانب الروحي لديهم وإعمار قلوبهم بالذكر والاطمئنان، ومع هذه السانحة يسمو المسلم بروحه من خلال المداومة على العبادة والأذكار وتلاوة القرآن، ويعمر قلبه بالإيمان والإيثار وحب الخير للآخرين، فيبتعد عن مظاهر الحسد والحقد والنميمة والغيبة والكره والبغض والأنانية وغيرها من خوارم المروءة التي يبتعد عنها. أما بالنسبة للجسد فيتخلص من مظاهر الجشع والطمع والشح والبخل والنهم وعدم الشبع وغيرها من الصفات الخاصة والمتعلقة بالجانب المادي، فتجده يسارع إلى البذل والعطاء والصدقات وإخراج الزكوات؛ أي أن الصائم يصل إلى النتيجة التي أرادها الله وهي التقوى. وحين يصل المسلم الصائم الحق إلى ذلك، فإن هذه المشاعر تكتمل وتنسجم مع فرحة عيد الفطر السعيد يوم الجائزة.
تلك المعاني الجليلة والمظاهر الجلية، أكدتها خطبة عيد الفطر السعيد يوم أمس، في احتفال السلطنة بأول أيامه، حيث أدى صاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء صلاة عيد الفطر المبارك صباح أمس بمسجد الخور في مسقط. فقد تناولت الخطبة فضل الله عز وجل من الأجر والثواب لمن أتم الصيام، والدعوة إلى تعظيم أمر الله عز وجل واجتناب نهيه، والإخلاص له وحده بالعبادة والدروس والعبر المستفادة من الصلاة والصيام والذكر والدعاء وتلاوة القرآن الكريم خلال شهر رمضان المبارك، داعية إلى نبذ كافة مظاهر وأسباب الفرقة والاختلاف، وإلى الاعتصام بحبل الله المتين وملازمة ما يدعو إلى الألفة والوحدة والتآلف. فالإسلام الحنيف من خلال تشريعاته وأحكامه وعقيدته وعبادته وكل ما جاء به من أخلاق وأدب يهدف إلى بناء أمة متلاحمة في بنيتها متحدة في عقيدتها وتصوراتها وفي عباداتها وعاداتها وفي أخلاقها ومثلها في مبادئها وغايتها، وفي آمالها وآلامها، يتجلى ذلك من خلال النظر إلى سلوك العبادات التي أمر الله بها.
وفي الختام وبحق هذه الأيام المباركة نسأل الله جل في علاه أن يعيد هذه المناسبة وأمثالها على قائد مسيرة نهضتنا المباركة وتاج عزنا ورمز فخرنا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة ويكلأه بعين رعايته وعنايته، ويمنَّ عليه بالصحة والعافية والسؤدد، وأن يديم نعمة الأمن والاستقرار لبلادنا وسائر بلاد المسلمين، إنه سميع مجيب.

إلى الأعلى