الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تنسي وليامز.. وإرهاصات في المجتمع الأميركي ١ ـ ٢

تنسي وليامز.. وإرهاصات في المجتمع الأميركي ١ ـ ٢

علي عقلة عرسان

” عاش وليامز طفولة عذبة مع أخته، وعندما كبر وحلت بأسرته وسائر الأسر الأميركية تلك الضائقة الاقتصادية عام 1929، أحس بقسوة الحياة واضطر إلى العمل في مصنع للأحذية، مما ضاعف من إحساسه بالنقمة، وبأنه في مكان غير المكان اللائق به، إذ كان ينظم الشعر ويكتب القصة القصيرة والمسرحية القصيرة، في ذلك الوقت. وجعلته تطلعاته إلى الغنى، يعيش طموحات الطبقة التي لا ينتمي إليها، ويتطلع إلى هجر طبقته.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

توماس لانييه وليامز، المعروف باسم تينيسي وليامز(26 مارس 1911 – 25 فبراير 1983)، كاتب مسرحي أميركي ولد في مدينة كولومبس – ولاية ميسيسبي.وتوفي في نيويورك. عاش حياة مضطربة، وكتب خمساً وعشرين مسرحية، وروايتين، وعدداً كبيراً من القصص القصيرة والقصائد، وسيرة ذاتية.
تنسي وليامز.. هذا العالَم الغريب الحافل بالعجائب والمثيرات .. هذا المتحف الذي يحوي في زواياه ما يُعرض، وما لا يُعرَض من مشاهد الجنس والشذوذ والتصرفات الحيوانية، إلى جانب أقنعة مهزوزة لشخصيات غامضة، تعيش على أحلام أو في أوهام، أو في كوابيس الواقع، وتماثيل من الزجاج الهش الشفاف.تنسي وليامز، هذا العالَم البراق الزائف، من الأضواء المصطنعة، والموسيقى الصاخبة، والرموز الجنسية المفضوحة، والمواقف الدرامية المتتالية التي لا تنتهي إلى الوضوح التام، بل تندفع إلى الغموض والاستمرار في التيار الصاخب، تيار الحياة العامرة بالرغبات والمنغِّصات.. إن مكوِّن حياة تنسي وليامز هذا، وأدبه وفنه الدرامي، هو ظروف وأوضاع وحوادث، عاشها في بيت الأسرة، وفي المجتمع.. أدت به إلى انتهاج أسلوب خاص في الحياة والأدب والفن. لينتزع وجوده من الضياع، والكآبة، والخوف، والشذوذ، والبؤس الأسروي.. فهل كان على صواب؟ وهل نجح فيما هدف إليه؟! لن نصدر حكماً أخلاقياً على تلك الحياة، لأننا لن ننتهج هذا السبيل، وإنما سنتعرض لبعض ملامح الكاتب، وآثاره الفنية بالدرس والتحليل، لنقف على صورة الحياة الاجتماعية والنفسية، كما عاشها وكما يراها، وعلى خلفيات أعماله، ومدى انعكاس الحياة الأميركية بالنتيجة، في تلك الأعمال.
يمكن أن نقرأ وليامز على أن في حياته الفكرية والأدبية تأثر وتأثير، لشخصيتين كبيرتين، تركتا في نفسه آثاراً عميقة، وأثّرتا في تكوينه الإبداعي، وفي نظرته إلى الحياة، وربما في تكوينه النفسي أيضاً، وإن كان هذا الجانب من تكوينه يتصل أكثر بأسباب شذوذه، الذي لم يعد خافياً. وأول هذين الشخصينن سيجموند فرويد، عالم النفس المشهور، وصاحب مدرسة التحليل النفسي، الذي صبغ الأدب، في فترة من الزمن بصبغة علم النفس، وأصبح لنظرياته أتباع من الأدباء، ومدرسة في التعامل مع الكتابة تدعى بـ”الفرويدية”، تطبق التحليل النفسي على الأدب عند دراسته وتحليله، أو يفصِّل أتباعُها للنظريات النفسية، والحالات المَرَضية، نصوصاً
وشخوصاً في مسرحيات وروايات وقصص، وغالباً ما يتقصون نماذجهم في الحياة العامة من تلك الزاوية.
ونظرية فرويد في التحليل النفسي، انطلقت من وعلى أساس نظرية أو مبدأ حفظ الطاقة التي أتى بها عالم الطبيعة الألماني”هرمان فون هلمولتز”، وهذه النظرية تبين أن الطاقة كمية شانها شأن الكتلة، ومن الممكن أن تتحول، وليس من الممكن أن تزول، وحين تختفي الطاقة من جزء من أجزاء نظام ما، فإنها تظهر في جزء آخر من أجزاء ذلك النظام عينه. ويمكن أن تتحول طاقة من نظام إلى نظام، ومن حرارية إلى حركية، ومن مغناطيسية إلى كهربائة، ومن شيء إلى شيء، أو من شيء إلى كائن حي.. وقد تتسامى في الكائن الحي، ذي الرؤية والإرادة، فتتحول من الغرائز والبهيميات إلى آفاق وتطلعات فكرية وروحية، وإلى إبداع.
وأخذ فرويد مبدأ حفظ الطاقة وطبقه على الشخصيات البشرية، وقال بتوزع الطاقة في الشخص على الجوانب التي تحتاج إلى طاقة ومنها الغريزة الجنسية، والغرائز عند فرويد هي مخزن الطاقة كما هو معروف. وقد تتلمذ وليامز على نظرية فرويد هذه، ولكنه أخذ منها جانباً ضيقاً هو الجنس، وتأثيره في الحياة. وانتشر ذلك في أعمال وليامز على شكل وباء، فأصبح قرينة لا تفارق أعماله، فإذا قلنا تنسي وليامز، أتى الجنس كلازمة لا غنى عنها.. والأرجح أن ذلك لتوافق حالة الكاتب والنظرية، لا سيما “الليبيدو”وتحولاته وتجلياته في حالات العجز.
أما الشخص الثاني الذي أرى أنه أثر في حياة وليامز وفكره، فهو البريطاني لورانس”ديفيد هربرت لورانس (11سبتمبر1885-2مارس1930 م”، مؤلْف رواية عشيق الليدي تشاترلي، الذي يقول “إن إيماني العظيم هو الإيمان بالدم واللحم، لكونه أعقل من الذهن، فقد تخطئ عقولنا ولكن ما يشعر به دمنا، وما يؤمن به، وما يقوله، هو دائماً صحيح”.وكان لورانس أول وأجرأ من عالج الموضوعات الجنسية في الأدب”، وأخرج إلى الوجود ما يسمى بالأدب المكشوف.يقول ريتشارد ألدنجتون:”لقد طرأ تغير كبيرعلى نظرة الرأي العام للجنس في أوائل هذا القرن، وهذا التغير يعزى إلى تأثير لورانس إلى حدٍّ لا يمكن القطع به”. وقد كتب لورانس قصصاً صريحة من أمثال: أبناء وعشاق، عشيق الليدي تشاترلي، أنت الذي لمستني. وغيرها من القصص.تأثر وليامز أيما تأثر بلورانس، وفتح الأخير أمام تلميذه آفاقاً واسعة، أفاقاً عملية لجعل الجنس محوراً للعمل الأدبي الدرامي.لقد كان لهذين الرجلين فرويد ولورانس تأثيرهما الكبير على اتجاه وليامز، وعلى نظرته إلى الحياة وتفسيره للحوادث، وأثرا في تشكل مفاهيمه وترسيخ توجهاته.
من الوجهة الجسمية “الفيزيولوجية”والاجتماعية”السوسيولوجية”كان وليامز ضعيف البنية، منعزلاً عن أقرانه مع أخته روز، في كنف جدهما القسيس.إذ أن أباه كان بائع أحذية مغرماً بالمسافات الطويلة، يقضي أيامه في الطواف بين مقاطعات الولايات المتحدة الأميركية طلباً للرزق، ولجأت أمه العُصابية التطهرية إلى أبيها. وبذلك تربى وليامز وروز في كنف جدهما، وكانا يلعبان معاً، فنشأ بينهما نوع من الألفة الحميمة، مما عمق الصدمة التي أحس بها عندما انفصلت عنه، بحكم نضجها الأنثوي، وأصبحت تنطوي في عالم خاص بها، وجعل ذلك لها عليه أبعد أثر. وزاد في عزلة وليامز وانفراده، إصابته بالدفتريا، واكتشافه أن الناس ينقسمون إلى قسمين: الأغنياء والفقراء.وكونه من القسم الأخير سبب له أيضاً أزمة أو صدمة، تطورت وأصبحت تتجلى في كتاباته.
عاش وليامز طفولة عذبة مع أخته، وعندما كبر وحلت بأسرته وسائر الأسر الأميركية تلك الضائقة الاقتصادية عام 1929، أحس بقسوة الحياة واضطر إلى العمل في مصنع للأحذية، مما ضاعف من إحساسه بالنقمة، وبأنه في مكان غير المكان اللائق به، إذ كان ينظم الشعر ويكتب القصة القصيرة والمسرحية القصيرة، في ذلك الوقت. وجعلته تطلعاته إلى الغنى، يعيش طموحات الطبقة التي لا ينتمي إليها، ويتطلع إلى هجر طبقته.
كانت أمه تدفعه وتدفع أخته إلى العمل، وتحثهما على شق طريقهما في الحياة، كي يستطيعا أن يكونا شيئاً في المجتمع الأميركي الذي لا يرحم. وكانت أخته خيالية جداً، لم تستطع أن تتلاءم مع الحياة الجديدة، وبقيت مع أحلامها، إلى أن تسبب لها ذلك بالجنون، ودخلت مصحاً عقلياً. وأثّر ذلك فيه، وظهر في أعماله، ونجد دائماً صورة لتلك الأخت في معظم شخصياته النسائية.
أما هو فقد اضطر تحت ضغط الظروف إلى العمل، وخضع لما يخضع له كتاب الدراما في أميركا من تحكم الجمهور والمخرج والتجار بهم، فـ”شبَّاك التذاكر” له سطوة وسلطة. فقد عدِّل في نصوصه “أدبه”، بما يتلاءم مع رغبة المنتجين والمخرجين، وبما يؤمن إيراداً ضخماً في شباك التذاكر.وقد وصف وليامز الضغط التجاري الذي يتعرض له الأدب الدرامي قائلاً:”لا شك أن الأدب الدرامي الحقيقي يختنق في مثل هذا الجو، وما لم يكن الكاتب صاحب قدرة ومكانة، تتيحان له مقاومة النزعات التجارية التي تُفرَض عليه وعلى المخرجين ذاتهم، فعليه أن يكتفي بنشر مسرحيته في كتاب، أو أن يولي الأدبار هارباً من المسرح ومن فيه.”.
وقبل أن نتعرض لفن وليامز المسرحي، نود أن نذكر نبذة بسيطة جداً عن حالة الأدب المسرحي في الولايات المتحدة الأميركية.إننا نعلم أن أميركا لا تتمتع برصيد حضاري وأدبي قديم، وإنما هي أمة حديثة التكوين، لا تملك من التراث الأدبي والفني ماتملكه فرنسا أو انكلترا أو إيطاليا مثلاً. وتقدمها الصناعي والتقني الهائل الذي نشهده اليوم لا يحكمه غنى حضاري في الأدب والإنسانيات، أو عراقة أنضجت قيماً خاصة، من خلال التحام الإنسان بالأرض والأحداث، على مدى قرون عديدة من الزمن.ولا يخفى أن المجتمع الأميركي تكون بشرياً عن طريق الهجرة، وكان المهاجرون يغزون القارة الجديدة بقصد الربح ومزيد من الكسب، وربما كثر بينهم المغامرون من ذوي التوجهات المادية بالدرجة الأولى .لهذه الأسباب أصبحت القاعدة في كل شيء يُعمَل في أميركا، أدباً أو فناً أو تجارة، الاهتمام بدافع الكسب المادي.. الربح، وتحقيق نجاح بأي ثمن. وكان الأميركي يعيش على الأدب المستورد من أوروبا، إلى أن أحس الأميركيون بضرورة نشوء قيم أدبية وتراث أدبي وفني خاص بهم، بعد أن ارتبطت أجيال منهم بالأرض الجديدة، وأصبح انتماؤهم إليها حاسماً بصورة كلية. ولم يكن ذلك بالأمر اليسير، مع وجود النظرة المادية في الحياة، والأبعاد الثقافية والحضارية المختلفة للمهاجرين، حسب انتماءاتهم وأرصدتهم الثقافية.
للأسباب السالفة الذكر انفصل الأدب عن الدراما- وهو أمر ليس في صالحها، ويدخلها في الصناعات الثقافية الربحية – وأصبح الكاتب المسرحي لا يقبل أن يسمى أديباً. يقول روبرت بروشتين:”إن الكاتب المسرحي عندنا، في أميركا حالياً، ينفر من أن يوصف بأنه أديب، أوله أدنى صلة بالأدب، ويفضل أن يعتبره الناس مجرد حِرفي برَع في فنون التسلية، وربما تجاوز معك الحدود فقبل أن تصفه بأنه فنان خالق، ولكنه أبداً لا يرضي أن تصمه بعار الأدب”.ويقول كنيث تينان، في وصف الجمهور المسرحي الأميركي وذوقه:”إن الجمهور يدخل المسرح في نيويورك، وليس في ذهنه إلا ما يمكن أن يشاهده من مناظر البذخ وأفانين الرقص والموسيقى، وكافة الخدع التي غذَّت بها السينما خياله، وأشبعت بها ملله من حياته، حتى ليستحيل عليه أن ينصت، ولو لبضع دقائق، إلى ممثل ينطق بعض السطور بلا مشوقات، ولو كان يقوم بدور هملت.”، لهذه الأسباب كان هناك انفصال بين الأدب والدراما، وانتشار للاستعراض والسطحية، وبحث عن المغريات والتقنيات والاستعراضات التي تشد الجمهور أياً كانت.
وقد ساعدت لغة المسرح على تعميق الهوة، إذ أن لغة المسرح هي اللغة العادية اليومية، والإحساس بالنصوص المسرحية كما يقول وليامز:”يأتي عن طريق المشاركة بالمشاهدة، ونصوص المسرح ليست مكتوبة أصلاً”. ومن هنا مصدر ذلك الإحساس الذي يخرج به مشاهد وليامز وقارؤه، إذ يعجز فنه عن الارتفاع إلى مستوى التراجيديا، أو المأساة العالية الدرجة، ولا يصل وليامز بمسرحياته إلى عمق المأساة، ولا يطوف في معارج الإنسانية العليا، عندما يعرض مشكلات يتناولها. ويبقى أدبه مشدوداً برواسي، تشل قدرته على التحليق، رواسي مزروعة في الشذوذ الخاص، وفي المعالجات الفردية للشخصيات، وفي المطالب الخاصة لـ “صناعة المسرح”، وفي الحالات الخاصة للأُسر الأميركية، التي تعيش على الوهم، وتحلم بالماضي السعيد، وتعجز عن التلاؤم مع قوانين الحياة المادية الجديدة، التي فرضت نفسها بعد الأزمة الاقتصادية عام 1929.

إلى الأعلى