الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م - ٩ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / التناقضات … وأضداد العصر

التناقضات … وأضداد العصر

” غالباً ما تواجهنا الحياة بكل هذه الأوجه ولا تكاد تتغير حتى تتجدد، إنها قوى متعاكسة تعصف بالمرء في اتجاهات متعارضة مع كل ما يؤمن به أو يعرفه أو يتوقعه، وكلما نشطت التناقضات تجددت الإثارة، وفتحت آفاقاً مزعجة تنبثق منها قوة غير متوقعة ومجهولة تزعزع استقرار النفس والقناعة، فترافق تلك الأحداث فوضى ينتج عنها اضطرابات تصنع نظاماً مختلفاً في ارتباط وثيق مع مظاهره الهدامة. ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تسميات عدة يمكن أن تطلق على العالم الذي نعيشه الآن في ظل حركة التناقضات التي هيمنت عليه واندرجت تحت أنظمة غير منسجمة مع تطلعات الشعوب وغير متناغمة لضرورات سببية ووثائق تؤكد صحتها, ليعيش الإنسان حياة مليئة بالمتناقضات أي بالشيء وضده.
ولعل ما يثبت ذلك حين يتهيأ المرء لعمل الخير فيصطدم بالأشرار، ويريد البناء يصادفه من يستمتع بالهدم، ويريد أن يترك وشأنه يأتيه من يتدخل في حياته، ووصل أيضاً إلى حد التناقض مع نفسه فيؤمن بأن الحياة فوز وخسارة ولكن بشرط أن يكون الفوز دائماً حليفه.
كما يؤمن بأن بلده أولى بأمواله ولكنه يستثمر جنى عمره خارج حدود وطنه يؤمن بأن وجود عاملات المنزل شر ولكن من ناحية التطبيق وجودهن أمر محتوم وأساسي, والكثير من حالات التناقض اليومية التي تمارس بدءاً من الاستيقاظ حتى موعد النوم أصبح لا يعرف التصرف أمام هذا الكم الهائل من التباينات وكم هي الصور مختلفة في مجتمعات اليوم.
غالباً ما تواجهنا الحياة بكل هذه الأوجه ولا تكاد تتغير حتى تتجدد، إنها قوى متعاكسة تعصف بالمرء في اتجاهات متعارضة مع كل ما يؤمن به أو يعرفه أو يتوقعه، وكلما نشطت التناقضات تجددت الإثارة، وفتحت آفاقاً مزعجة تنبثق منها قوة غير متوقعة ومجهولة تزعزع استقرار النفس والقناعة، فترافق تلك الأحداث فوضى ينتج عنها اضطرابات تصنع نظاماً مختلفاً في ارتباط وثيق مع مظاهره الهدامة.
لقد اختلطت الأضداد وتداخلت رغم هذا التطور المتسارع حتى اقتربت نهاية التضاد الجميل والقبيح في الفن، والصادق والزائف في الإعلام، والموضوعي والذاتي في العلم، الجميع في مواجهة عالم زاخر بالمتناقضات، يتوازى فيه تكتل دولة مع تفتيت دويلاته، ولا يفوق نموه الاقتصادي إلا زيادة عدد فقرائه.
المشهد المؤثر لكل هذا المفهوم الواضح يأخذنا الى تخيلات تضمن آلية الخروج من عنق الهفوة الزمنية المسيطرة على الجميع ولا ريب أن الحل يكمن في المؤسسات التعليمية، خصوصاً في المراحل الأولية، ولكن العملية معقدة جداً وتحتاج إلى بناء تربوي وأسري يقدس الصدق والأمانة، وعلى وسائل الإعلام خصوصاً في البرامج الدرامية أن ترفع من هذه القيم بعكس الوضع الحالي.
للتصرف مع هذه القوى المتصارعة في أعماق النفس على الجميع أن يعلم أن التناقض هو ما يحرك الحياة وهو ما يحافظ على الحركة، فبدون وجود التناقض والصراع بين القوى لا توجد حياة، وأنه لن يستطيع الهروب من صراع القوى، لذا عليه تعلم إدارة المتناقضات التي يراها في الخارج وتلك التي يشعر بها في الداخل وهي الأهم.
على كل شخص معرفة الأشياء وأضدادها لأن المعرفة بالشيء تولد شرارة السلوكيات الصحيحة به ولأن معرفة الشيء تزيد الوعي وزيادة الوعي تزيد من تهذيب مواقف المرء تجاه الشيء وضده فيتكلم عن الحب والكراهية، وهو يعلم لماذا يحب ولماذا يكره.
كما على كل منا أن يعرف أن الأشياء هي من خلق الإنسان وأن الحب صنعة إنسانية، كذلك الكراهية وأن الخير نزعة بشرية يخلقها الفرد بنفسه ولا يولد عليها وكذلك الشر إنما فهارس ذاتية ينتقي منها حسب حراكه الاجتماعي وما يتناسب معطيات شخصيته التي ارتضاها لنفسه.
إنه عصر المعلومات واختلاط الأضداد وكل من يعيش فيه يختار ولا يجبر في اختياره حيث إن التناقض يأتي في التطبيق لذلك يمكن القول أن تجاوز التناقضات الإنسانية أمر ممكن إذا ما تم التركيز على ما نرتأيه لمجتمعنا ولأجيال المستقبل الذين هم عماد الغد وأركان الوطن.
ومن أجل تغيير هذا الواقع يجب أن يبدأ الفرد بتحسين قدراته على التقبل وتصحيح مشاعره نحو الآخرين وكل الإشياء التي تزعجه، ويتعلم كيف يصبح مطيعاً دون أن يفقد شخصيته وأن يدافع عن نفسه دون أن يعتدي على حقوق الآخرين، وأن يعيش قيمه ومبادئه دون أن يمنع الآخرين من أن يعيشون حياتهم كما يريدونها وبالتالي عليه أن يصحح مشاعره نحو كل الأشياء والأشخاص والمواقف التي تثير استياءه، وفي نفس الوقت يستمر على تحقيق ما يريده هو وهكذا يناور متناقضات الحياة.

سهيله غلوم حسين كاتبة كويتية
Suhaila.g.h@hotmail.com انستغرام suhaila.g.h تويتر suhailagh1

إلى الأعلى