الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : المواطن وفقه الصيف: تجديد المفاهيم وكفاءة فرص الاحتواء

في العمق : المواطن وفقه الصيف: تجديد المفاهيم وكفاءة فرص الاحتواء

يحمل الصيف معه نمطا حياتيا مغايرا عن بقية أيام العام، ويتطلب مساحات عمل أكثر نشاطا تفوق التوقعات، ومع أن المعتاد في الصيف هو سلوك الاستجمام والترويح والسياحة والسفر، لما تتيحه الإجازة الصيفية من مساحات كبيرة وفضاءات لاقتراح البدائل من الوجهات السياحية المناسبة وفرص الانتقاء والاختيار لها بحسب الظروف والإمكانيات والجاهزية في الموارد والممتلكات، فإنه في الوقت نفسه قد لا يتيسر للكثيرين فرص السياحة والسفر خارج السلطنة، وتحجيم الصيف ذاته في هدف السفر فقط، قد لا يكون ممكنا لدى البعض لظروف مختلفة، كما أن تأصيل القناعة بأن الصيف هو الأنسب للرحلات والسفر والسياحة يرتب عليه التزامات اخرى، قد لا يكون بمقدور الأسرة تحقيقها فتقع في إشكالية تغيير هذه الأفكار وتصحيح هذه المفاهيم، والبحث عن بدائل جديدة تضمن الجمع بين متعة الاستجمام والتنزه واتاحه مساحاتها لدى الأبناء وأفراد الأسرة، وهو ما يعني أننا بحاجة إلى مرحلة متقدمة في قراءة مفاهيم الصيف لدى الأجيال والتجديد فيها، وإدخال مصطلحات أخرى تبرز في سلوك المواطن وحياته اليومية بشكل عفوي أو نتاج مشاهداته ومعايشته للواقع، لتكون بمثابة بدائل داعمه وحلقات متصلة وخيوط التقاء تتناغم مع طموحات الأبناء ورغباتهم ، وشعورهم بأنهم قد تحققت أمنياتهم في صيف هادئ ممتع يمنحهم قدرا كبيرا من اللعب والاستمتاع والاسترخاء، عبر التوسع والتنويع في الوجهات السياحية الداخلية، لتشكل بدورها مدخلا عمليا يقلل من الفجوة التباعد بين الواقع والطموح، على أن نجاح هذه البدائل وخلق تناغم مع المفاهيم والمصطلحات والأفكار وإدخال التجديد فيها في ظل ما يبرزه واقع الشباب ومستجدات الصيف، واستخدامها بصورة نوعية، تعزز بها ذاكرة الطفولة الجمالية، وعقلية الأبناء الحالمة، وترسخّ في اذهانهم مدخلا لفهم أعمق للصيف في ظلال الوطن وبين أرضه وسمائه، بما يقلل من حالات الامتعاض وسوء الفهم التي تحصل بين أبناء الأهل والجيران والأصدقاء، في مسألة السفر الخارجي وآلية التعاطي معها، باعتبارها منطلقا يمكن أن تُبنى عليه استراتيجيات عمل قادمة تحتضن المواطن وتقترب منه.
من هنا بات العمل على توفير بيئات سياحية ترويحية متكاملة، أولوية وطنية، يجب أن تحظى باهتمام الجميع وتكاتف المؤسسات وخلق مسار وطني واضح للبحث عن حضور أكبر للمبادرات الفردية والمجتمعية والمؤسسية ومبادرات الشركات الداعمة لتمكين وجود بيئة سياحية تعكس هذا الاهتمام وتعمل على تحقيقه وإبرازه ، بحيث يكون على كل الجهات الحكومية والخاصة، مسؤولية توفير نشاط محدد أو أكثر، وفق أطر مقننة، تتيح للمواطن فرص الاستمتاع بصيف أفضل، فلم يعد التركيز على تواجد مجمعات سياحية متكاملة وفق مواصفات محددة، هو الطريق الوحيد للسياحة الوطنية، بل إنّ حجم هذا النشاط وتعدد ما فيه من محتويات وفرص لتقديم الخدمة، وإيجاد مهرجانات سياحية صيفية ممتدة على مختلف المحافظات، أحد الأطر المطروحة، إذ أن الحالة الاستثنائية للصيف ومفهوم الجاهزية والاستعداد في التعامل مع متطلباته، تستدعي عملا نوعيا يقوم على الابتكارية، وتعدد البدائل، والتنويع والتوسع في مفهوم الاستثمار فيه، عبر زيادة المطروح من الأنشطة والمتنزهات، والمعروض من الوجهات السياحية، بحيث يفوق ما يتواجد من وجهات سياحية معروفة من عيون أو مناطق خضراء أو أودية، إلى السياحة التاريخية والتراثية كالبيوت الأثرية والقلاع والحصون والمتاحف الوطنية المختلفة الحكومية والخاصة، كما لا يقتصر على مهرجان خريف صلالة، بل تمتد لإقامة وتأسيس مناطق وبيئات ترويحية صيفية في مختلف المحافظات، تتوسع في أنشطتها الترويحية والتجارية وتوفير المطاعم وأماكن الترويح والاستجمام، وهي مسؤولية مشتركة تتجاوز وزارة السياحة، لتبرز جهود جميع مؤسسات الدولة، وشركات القطاع الخاص، ومبادرات المواطنين، والفنادق السياحية، والمناطق الصناعية، ووزارة البلديات الإقليمية وموارد المياه وبلدية مسقط، وبلدية ظفار، ومشاركة صندوق الرفد، وصناديق تقاعد قوات السلطان المسلحة، وشرطة عمان السلطانية وديوان البلاط السلطاني، في صياغة أنموذج عملي مستديم للسياحة الصيفية بالسلطنة ، بالشكل الذي يقدّم مسارا آخر في قراءة مفاهيم السياحة الصيفية، ويبتكر مناطق سياحية متجددة، وبيئات ترويحية تتناسب مع مختلف الفئات والأعمار، تلقى الاستحسان والقبول من مختلف المترددين عليها، كونها فرصة لتغيير النمط الروتيني اليومي، بحيث توفر للأطفال وصغار السن والأسر والعوائل بيئات ترويحية مناسبة، وبيئات استجمام ليوم كامل تتعدد فيها الأنشطة الترويحية، وتفتح المجال فيها للاستكشاف والمغامرة والرياضات المتنوعة الرملية والمائية المثيرة ، على أن ما تتميز به سواحل بعض ولايات محافظة الوسطي من وجود مناخ صيفي معتدل، يفتح المجال لإقامة أكبر قدر من المنتزهات السياحية، وبيئات التخييم المؤقتة في مناطق مختلفة مثل محوت وفلم وكناسه وشنة والخلوف ومصيرة وغيرها، فهي مناطق سياحية جاذبة وباردة في الصيف، يمكن استثمارها كمحطات سياحية مفتوحة للاستجمام، مع البحث عن آليات لتقريب الخدمات اليها، وتوفير الأنشطة التجارية الضرورية التي يحتاجها السائح في تلك الفترة، بالإضافة إلى عمليات التطوير والتحسين واعادة تنظيم شواطئ بعض المناطق السياحية بمحافظة مسقط وساحل الباطنة السياحي، عبر توفير بيئة جمالية وخدمة سياحية راقية تتشارك المؤسسات في صناعتها، فهي مداخل تتيح فرص التنويع في البيئات السياحية وتحسين كفاءتها للاستخدام.
وعليه فإننا بحاجة اليوم إلى إدارة وطنية متكاملة لملف السياحة الصيفي، بالشكل الذي يضمن تحقيق الغايات والأهداف المرجوة منه، عبر حصول المواطن على فرص سياحية متنوعة، وما تتميز به هذه الفرص من كفاءة وجاهزيتها للاستخدام، فإن المؤشرات تظهر حاجتنا الماسة إلى صيف آخر ليس ككل أيام السنة وليس كصيف السنوات الماضية ، بحيث يتجه الاستثمار السياحي الوطني إلى البحث عن تقريب هذه الخدمات السياحية للمواطن وتسهيل وصوله اليها وتأكيد مبدأ التنوع والاتساع والتعددية والكفاية في الأنشطة وتوفر الخدمات الأخرى المساندة لاكتمال دائرة التأثير الإيجابي لها، في احتواء المواطن وتعميق وعيه بما تبذله مؤسسات الدولة وقطاعات التنمية من جهود في سبيل سعادته وحصوله على صيف ممتع آمن له ولأسرته.

د. رجب بن علي العويسي
Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى