الثلاثاء 13 نوفمبر 2018 م - ٥ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / ورطة بريطانيا

ورطة بريطانيا

أحمد مصطفى

” .. إذا كانت الحكومات المتعاقبة في بريطانيا تعرضت للانتقاد بسبب تساهلها مع المتشددين والمتعصبين الذين يبثون الكراهية باسم الدين ويشجعون على التطرف ومن ثم الإرهاب، فإن حكومة كاميرون حاولت أن تتخذ اجراءات تحد من ذلك التساهل لكن قوى داخل حزبه وفي المؤسسة البريطانية عرقلت تلك الجهود. وها هي النتائج تتفجر مجددا في وجه ماي التي صعدت من وزارة الداخلية لرئاسة الحكومة ولم تزل تردد “لغو الحديث””
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تواجه المملكة المتحدة أزمة حقيقية على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية تتسارع وتيرة تفاقمها بشكل غير مسبوق ولا يمكن التنبؤ بتبعاتها حتى على المدى القصير. ولا يقتصر الأمر على ما حدث في الانتخابات العامة الشهر الماضي من فقدان الحزب الحاكم (حزب المحافظين) الأغلبية التي كان يتمتع بها في البرلمان وإنما يمتد ليشمل تقريبا كافة الأوضاع في بريطانيا اقتصاديا واجتماعيا فضلا عن الصعيد السياسي بالطبع. ورغم فوز حزب المحافظين بزعامة تيريزا ماي بأكبر عدد من المقاعد في انتخابات مايو إلا أن تشكيلها حكومة أقلية سيجعل تمريرها للقوانين من خلال البرلمان امرا صعبا وبالتالي يتوقع أن تكون فترة حكمها في غاية الصعوبة. والمفارقة الساخرة، أن ماي لجأت لانتخابات مبكرة كي تحصل على أغلبية أكبر مما كانت لحزبها بما يدعم موقفها في مفاوضات الخروج من الاتحاد الأوروبي فجاءت الرياح بما لا تشتهي السفن.
ليس ذلك فحسب، بل تزامن وهن الموقف البريطاني الداخلي استعدادا لمفاوضات شاقة مع الاتحاد الأوروبي مع موجة عمليات إرهابية ضربت انجلترا من وستمنستر إلى مانشستر ثم لندن بردج وفينسبري بارك. ورغم ان الإرهاب خطر يهدد الجميع في العالم ومن الصعب التنبؤ مسبقا بعمليات انتحارية او هجمات يقوم بها إرهابيون محليون، إلا أن أجهزة الأمن والاستخبارات البريطانية تعرضت للوم للمرة الأولى. وربما من المهم التذكير بأن تيريزا ماي كانت وزيرة الداخلية في حكومة ديفيد كاميرون الذي استقال بعد تصويت البريطانيين في استفتاء البريكست لصالح الخروج من اوروبا لتخلفه هي في رئاسة الحكومة وزعامة الحزب. ولم تكن فترة ماي في وزارة الداخلية مشجعة كثيرا لتجعل منها زعيمة، لكنها آليات السياسة الداخلية في الأحزاب البريطانية.
وإذا كانت الحكومات المتعاقبة في بريطانيا تعرضت للانتقاد بسبب تساهلها مع المتشددين والمتعصبين الذين يبثون الكراهية باسم الدين ويشجعون على التطرف ومن ثم الإرهاب، فإن حكومة كاميرون حاولت أن تتخذ اجراءات تحد من ذلك التساهل لكن قوى داخل حزبه وفي المؤسسة البريطانية عرقلت تلك الجهود. وها هي النتائج تتفجر مجددا في وجه ماي التي صعدت من وزارة الداخلية لرئاسة الحكومة ولم تزل تردد “لغو الحديث” عن ضرورة عدم التساهل مع المتشددين الذين يدفعون الشباب للتطرف. مع ذلك، لم تفعل شيئا تجاه أعداد كبيرة من الذين سمح لهم باللجوء والإقامة في بريطانيا بينما تاريخهم المتطرف والإرهابي معروف للأجهزة البريطانية. ويبدو أن حادث حريق برج غرنفل، الذي يضم غالبية من المهاجرين أو المقيمين على نفقة الضمان الاجتماعي، غطت على فشل سياسة الحكومة في مواجهة خطر الإرهاب المحلي ولضغط عليها لتتخذ اجراءات أكثر حزما في مواجهة المحرضين عليه.
من المفارقات ايضا أن تصويت البريطانيين في استفتاء البريكست جاء لصالح الخروج بسبب مخاوف الناس من الهجرة وتذكية شعور الخطر عليهم من التطرف، ناهيك طبعا عن “أخذ المهاجرين وظائفهم” والحجة الأخيرة ليست صحيحة تماما. وهذه هي الورطة البريطانية الداخلية الكبرى، أن الناس صوتت لخروج من أوروبا على أساس أن ذلك سيجعلهم اكثر أمنا وأحسن حالا اقتصاديا فلم تبدا مفاوضات الخروج الا وأصابهم ما يخشونه بشكل جعلهم ينتظرون المزيد خاصة بعد الانفصال عن الاتحاد الأوروبي. ومثال بسيط على ذلك هو أن عدم وجود بريطانيا ضمن الاتحاد الأوروبي سيعني بالتأكيد عدم حصولها على معلومات أمنية واستخباراتية تساعدها في مواجهة مشاكل أمنها الداخلي. صحيح ان هناك آليات تنسيق وتبادل معلومات لن تتأثر بالخروج، لكن هناك ايضا ما سيتأثر، ونقص معلومة قد يجعل أغلب ما يتم تشاركه غير مجد كثيرا.
أما مفاوضات الخروج ذاتها، فالأرجح أنها لن تكون سهلة بأي حال من الأحوال. فالأوروبيون يعانون من مواقف بريطانيا ضمن الاتحاد على مدى عقود وقد جاء الوقت الذي يقتصون فيه من بريطانيا على تلك المواقف. فلطالما اختارت بريطانيا “الخروج” من كثير من خطوات تعزيز الاتحاد، على سبيل المثال لم تنضم للعملة الموحدة (اليورو) ولم تنضم لاتفاق شنغن لتأشيرات الدخول .. وغير ذلك كثير. حتى في الاتفاقيات التي كانت تنضم إليها كانت تحرص خلال المفاوضات بشأنها على أن تضعفها وتجعل لنفسها منها مخرجا حين تريد. وكان الأوروبيون ـ خاصة ألمانيا وفرنسا ـ ينظرون لمواقف بريطانيا دوما على أنها تعمل لصالح الولايات المتحدة أكثر منها لصالح أوروبا. وبالتالي لا يتوقع ان يجعل الأوروبيون خروج بريطانيا من الاتحاد عملية سهلة أو غير مؤلمة.
يبقى أن وهم استفادة بريطانيا من الخروج من اوروبا باتفاقات تجارة حرة مع العالم والحصول على استثمارات ضخمة لها وحدها دون “التقيد بالعقبات الأوروبية”ينكشف بسرعة. ذلك ان العالم كله يعاني ماليا واقتصاديا بما لا يسمح له بمساعدة بريطانيا، وإن كان هناك خيار فاستثمار الأجانب يكون في اميركا اكثر منه في أوروبا ويظل الاقتصاد الألماني او الفرنسي أكثر جذبا للمستثمرين من الاقتصاد البريطاني. كما أن توقيت البريطانيين خاطئ تماما في وقت يسعى فيه رئيس أميركي جديد لجمع كل قرش يريد أي مكان في العالم استثماره، ولن يلقي بالا للمقولة التقليدية عن “العلاقة الخاصة” بين لندن وواشنطن حين يتعلق الأمر بالمال.

إلى الأعلى