الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن

شـذرات مـن هـدي القـرآن

الأخـوة الإيمانية (4)

الـدعـاء عـبادة مقـصـودة لـذاتها، أوجــدت الاسـتجابـة أم لـم تـوجــد، أما الطـلـب فـهـو أعـم مـن ذلك

الـمـطـلـوب مـن العـبــد وقـد عـرف عـبـوديته لله أن يـقـيـد نفـسه بضـوابـط الأدب مـع الله تعالى

الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسـلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين، وخـاتـم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الحـديـث مـوصولاً عـن الأخـوة الإيمانية: وخـير مـثال يـجـسـد هـذا الـوصف الـرباني لـعـباده الـمـؤمـنين، ما رواه حـذيفـة الـعـدوي، حـيث قال: (انـطـلقـت يـوم الـيـرمـوك أطـلب ابن عـم لي، في الـقـتـلى، ومعـي شيء مـن الـماء وأنا أقـول: إن كان به رمـق أدركـته فـسـقـيته، فـبحـثت عـنـه بـين الـقـتـلى، فـإذا أنا به بـين الـقـتلى في آخـر رمـق، فـقـلـت له: أسـقـيـك؟، فأشار إلي أن نـعـم، فـسـمـع رجـلاً يـقـول: آه فأشـار إلي أبن عـمي، أن انـطـلـق إلـيه واسـقـيه، فـإذا هـو هـشام بن العـاص قـلت: أسـقـيـك؟، فأشـار إلي أن نـعـم، فـسـمـع رجـلا آخـر يـقـول: آه فأشـار إلي أن انـطـلـق إلـيه ، فـجـئـتـه فـإذا هـو قــد مات، فـرجـعـت إلى هـشام، فـإذا هـو قـد مات ، ثـم رجـعـت إلى ابن عـمي، فـوجـدته قـد مات) ـ (نظـرات في الإسـلام 155 ــ 164) للنابلسي.
مـا هـذا الإيـمان الــذي وقـر في الـقـلـوب وصـدقـه العـمـل، وإنـهـم كما وصـفهـم الله في كـتابه العـزيـز حـيث قال سـبحانه وتعالى:(.. وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشـر ـ 9).
الـفـرق بـين الـدعـاء والطـلب
لـقـد سـبـق أن ذكـرت لك، في حـلـقة سـابقة عـن الـفـرق بـين الـدعـاء والطـلب وقـلت لك: الـدعـاء إعـلان الافـتقـار إلى الله والانصراف بـذل الـعـبـودية والافـتقـار إلـيه وحـده أي فالـدعـاء عـبادة مقـصـودة لـذاتها، أوجــدت الاسـتجابـة أم لـم تـوجــد، أما الطـلـب فـهـو أعـم مـن ذلك، إذ هـو إعـلان الحاجة إلى الـمـطـلـوب، لـمـن يتـوقـع منه الاسـتجابة والـبـذل، سـواء كان الطـالـب نــدا لـك، أي مـساوياً في الـرتـبة لـمـن تـطلـب مـنـه، أو كان أعـلى أو أقـل مـنـك شـأناً.
والـمـعـنى الــذي يـرمى إلـيه، هـو أن طالـب الشيء مـعـنى بالـرغـبة في قــضائه، ولـيس لـه أي اهـتمام بشيء آخـر مـن وراء ذلك، وإذا طـرق بها باب مـن يتأمل عـنـده الاسـتجابة وتحـقـيـق الـمـطـلـوب، فهـو إنما يقـبـل إلـيه لـهـذه الغـاية فـقـط وما يتعـلـق به لهـذا الغـرض، وآية ذلك أنه إذا نـال مـنه مـبتغـاه او يئـس مـن الحـصـول عـليه عـن طـريـقه، تجـاوزه معـرضاً عـنه ناسـياً له، وصـدق الـمثـل الـقائـل:(صاحب الحاجة أعـمى لا يـرى إلا قـضاهـا).
وإذا كان طلـب الشيء عـلى هــذا الـنحـو سـائـغـاً، في عـلاقـات الـنـاس بـعـضـهـم ببـعـض، فـهـو غـير سـائـغ قـط في عـلاقـة العـبـد بـربه عـز وجـل، إن تـوجـه العـبـد إلى الله بـعـرض احـتـياجاته وطـلبها مـنه عـلى هـذا الـنحـو فـيعـبر ذلك مـنه سـوء الأدب مـما يـمكـن أن يــزج صاحـبه في أحـط دركات الـبـعـد عـن الله تعالى.
لـذا فإن الـمـطـلـوب مـن العـبــد (وقـد عـرف عـبـوديته وممـلـوكـيته لله عـز وجـل)، أن يـقـيـد نفـسه وسـلـوكه بضـوابـط الأدب مـع الله تعالى، مـن حـيث إنه عـبـد ذلـيـل لا يشـرد عـن سـاحة عـبـوديـته لـه، مستجـيبـاً في ذلك لـمـطالـبه وأوامـره، قـبـل أن يـعـرض هـو مـطالـبه.
وإنما يتحـقـق هـذا الـمـطـلـوب بانقـياده لأوامـر الله ، وتطـبـق شـرائعـه كاملة مـن فـرائـض ومـنـدوبات ، يـنفـذها عـلى الـوجـه الـذي يـرضي الله تعالى، مـع الاسـتـسـلام الـتام لحـكـمه والـرضا بقـضائه، والـتـزام نهـج اللـياقـة والأدب معـه وحسن الـمعـاملة مـع عـبـاده، وكل ذلك مـقـرر ومـبيـن في كـتاب الله تعالى، ومشـروع في بـيان رسـول الله صـلى الله عـليه وسـلـم عـلى خــير وجـه.
ومـا يلـزم لتحـقـيـقها، فإذا اتجه العـبـد يـصغي إلى مـتـطـلبات الله مـنه عـازماً وراغـبـاً عـلى تـنـفـيـذها والانقـياد لها، فـلسـوف يجـد بـين هـذه الأوامـر والـمـتـطـلبات، التي أمـر الله بها عـلى وجه الجـزم والحـزم والإلــزام ، فـسـيرى ضـرورة الاقـبال إلي الله تعالى بالـدعـاء، يـعـرض مـن خـلاله افـتـقـاره الـمـطـلـق إلـيه، متحـقـقاً بأوصاف مـسكنته وذله وعـجـزه وعـبوديته، مـعـلـقاً آمالـه وأمـنياته عـليـه، لـما يـتصف به مـن أوصـاف كـرمه وفـضله وغـنـاه وقـوته، وذلك في مـثـل قـوله تعالى:(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) (غـافـر ـ 60)، وقـوله تعالى:(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (الـبـقـرة ـ 186).
فإذا أقـبـل العـبـد لأداء الأوامـر الإلـهية، الـمتجـهـة إلـيه مـن الله سـبحانه وتعالى، عـلى الـنحـو الـذي افــترضه عـليه وعـلى الكـيـفـية التي حـددها الله له، ومـنها الإقـبال إلـيه، بالتضـرع والـدعـاء والافـتقـار والـذلل، فـإن دعـاءه عـنـدئـذ إنـما هـو اسـتجابة مـنه لأمـر الله تعالى وطـلـبه الصـادر إلـيه .
وفـرق كـبير بـين السـؤال الـذي تـعـرضه بـطـلـب مـنـك، الـذي تحـدد به رغـباتك وأمـنياتـك، والسـؤال الـذي تعـرضه اســتجـابة لطـلـب صـادر إلـيـك مـن الله سـبحانه وتعالى.
إنـك في الحالة الأولي تستخـدم الـمسـؤول في تحـقـيـق طـلـبـك ورغـباتـك، وفي ذلك منتهى الـرعـونة وسـوء الأدب مـع الله الـواحـد الـقهـار، إن أنـت تـوجـهـت بـطلـبـك هــذا عـلى هــذا الـنحـو الـذي تـريـد إلى الله.
.. وللحديث بقية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى