الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / النفس الإيمانية وفرحة العيد (1 ـ 2)

النفس الإيمانية وفرحة العيد (1 ـ 2)

حُقَّ لتلك النفوس أن تفرح بعدُ بنعمة الله بهذا الفيض الإيماني الغامر

للعيد معانً دينية ونفسية وإنسانية ولها اخلافق وآداب سامية

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو:
للعيد فرحة، فرحة بفضل الله ورحمته، وكريم إنعامه، ووافر عطائه، يجمع العيدُ المسلم بإخوانه المسلمين، فيحس بعمق انتمائه لهذه الأمة ولهذا الدين، فيفرح بفضل الله الذي هداه يوم ضل غيره (ولتكملوا العدّة ولتكبروا الله على ما هداكم).
وللعيد فرحة ببلوغ شهر رمضان يوم تصرّمت أعمارٌ عن بلوغه، وفرحٌ بتوفيق الله وعونه على ما يسر من طاعته، فقد كانت تلك الأيام الغرّ والليالي الزُّهْر متنـزل الرحمات والنفحات، اصطفت فيها جموع المسلمين في سبْحٍ طويل تُقطعُ الليل تسبيحاً وقرآناً، فكم تلجلجت الدعوات في الحناجر، وترقرقت الدموع في المحاجر، وشفت النفوس ورقت حتى كأنما يعرج بها إلى السماء تعيش مع الملائكة، وتنظر إلى الجنة والنار رأي عين، في نعمة ونعيم لا يعرف مذاقها إلا من ذاقها.
فحُقَّ لتلك النفوس أن تفرح بعدُ بنعمة الله بهذا الفيض الإيماني الغامر, وللعيد فرحة بإكمال العدة واستيفاء الشهر، وبلوغ يوم الفطر بعد إتمام شهر الصوم، فلله الحمد على ما وهب وأعطى، وامتن وأكرم، ولله الحمد على فضله العميم ورحمته الواسعة (قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فيلفرحوا هو خير مما يجمعون).
فهذا العيد موسم الفضل والرحمة وبهما يكون الفرح ويظهر السرور، قال العلماء: إظهار السرور في الأعياد من شعار الدين، وشَرع النبي (صلى الله عليه وسلم) وتقريره إظهار الفرح وإعلان السرور في الأعياد، قال أنس ـ رضي الله عنه: قدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال:(إن الله أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر) ففيه دليل على أن إظهار السرور في العيدين مندوب، وأن ذلك من الشريعة التي شرعها الله لعباده إذ في إبدال عيد الجاهلية بالعيدين المذكورين دلالة على أنه يفعل في العيدين المشروعين ما يفعله أهل الجاهلية في أعيادهم من اللعب مما ليس بمحظور لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) إنما خالفهم في تعيين الوقتين ,ومن هنا فإن عيد الفطر وعيد الأضحى قد شرعهما الله تعالى لأمّة الإسلام، قال الله تعالى: لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا)، روى ابن جرير في تفسيره عن ابن عبّاس قال:(منسكًا أي: عيدًا).
وعيد الفطر وعيد الأضحى يكونان بعدَ ركنٍ مِن أركان الإسلام، فعيدُ الفِطر يكون بعدَ عبادةِ الصّوم وعيد الأضحى بعد عبادة الحجّ وبهذا تواترت النصوص الشرعية على حصر الأعياد الزمانية في الإسلام في عيدين حوليين هما الفطر والأضحى، لا ثالث لهما سوى العيد الأسبوعي يوم الجمعة، وأن ما سوى ذلك من الأعياد إنما هو محدث، سواء كان أسبوعياً أم حولياً أم قرنياً أم غير ذلك لم سمي العيد عيداً؟ قال ابن الأعرابي: سمّي عيدًا لأنّه يعود كلّ سنة بفرح متجدد، وقال ابن عابدين: سمّي العيد بهذا الاسم لأنّ لله تعالى فيه عوائد الإحسان، أي: أنواع الإحسان العائدة على عباده في كل عام، منها: الفطر بعد المنع عن الطعام، وصدقة الفطر، وإتمام الحج بطواف الزيارة، ولحوم الأضاحي وغير ذلك، ولأنّ العادة فيه الفرح والسرور والنشاط والحبور غالبًا بسبب ذلك، وهذا المعنى في العيد هو الوارد في السنة النبوية الصحيحة، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: دخل أبو بكر، وعندي جاريتان من الأنصار تغنيان بما تقاولت الأنصار يوم بُعاث، قالت: وليستا بمغنيتين، فقال أبو بكر: أمزامير الشيطان في بيت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟ وذلك في يوم عيد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم):(يا أبا بكر، إنّ لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا) ـ أخرجه البخاري ومسلم.
فالعيد في معناه الديني شكر لله على تمام العبادة، والعيد في معناه الإنساني يومٌ تلتقي فيه قوة الغني، وضعف الفقير على محبة ورحمة وعدالةٍ من وحي السماء، عُنوانُها الزكاةُ، والإحسانُ، والتوسعة ، والعيد في معناه النفسي حدٌّ فاصلٌ بين تقييدٍ تخضع له النفسُ، وتَسكُنُ إليه الجوارح، وبين انطلاق تنفتح له اللهواتُ، وتتنبّه له الشهوات.
الأعياد في الإسلام لها أخلاق وآداب
أولاً ـ الفرح والسرور بقدوم العيد: فالعيد جعل للفرح والسرور لا لتجديد الهموم والأحزان , قالت عائشة رضي الله عنها: رأيت النبي (صلى الله عليه وسلم) يسترني، وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمرُ، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):(دعهم، أمنًا بني أرفدة) ـ أخرجه البخاري، قال ابن حجر: فيه تعليل الأمر بتركهما, أي يوم سرورٍ شرعي، فلا ينكر فيه مثل هذا، كما لا ينكر في الأعراسف في العيد يستروح الأشقياء ريح السعادة، ويتنفس المختنقون في جو من السعة، وفيه يذوق المُعدمون طيبات الرزق، ويتنعم الواجدون بأطايب ، ففي العيد تسلس النفوس الجامحة قيادها إلى الخير، وتهش النفوس الكزة إلى الإحسان ،وفي العيد تنطلق السجايا على فطرتها، وتبرز العواطف والميول على حقيقتها.
* إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى