Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

المطلوب بعد رمضان وعلامات القبول

المسلم الواعي والمؤمن الحصيف يجعل من رمضان انطلاقة وعزمة وقوة على بقية أشهر العام

كثيرٌ من الناس يخرج من الشهر الفضيل دون تحصيل أهدافه، وتحقيق مقاصده، وكأنه شهرٌ ينتهي كغيره من الشهور، فتنتهي عند نهايته طاعتُه، ويعود ثانية إلى سالف عهده، ويترك تلاوة وصحبة القرآن الكريم، والقيام والتهجد، ويزلُّ لسانُه، ويسمح لنفسه أن تتندر، أو تغتاب، أو تكذب، وأن ينسى الصدقة، ويصمت عن الذكر، ويتأخر عن التسبيح، ويتساهل في إضاعة وقته، وهدر، وحرق أيام عمره، فكأنه لم يتعلم من دروس، وقيم، وأخلاقيات رمضان.
ولكن المسلم الواعي، والمؤمن الحصيف يجعل من رمضان انطلاقة ودفعة، وعزمة وقوة على بقية أشهر العام، ويظل المسلم يعمل بما ضخَّه رمضان في نفسه، وحسه، وشعوره، وذاته حتى يأتي رمضان آخرُ، وهو على نفس الشاكلة، لم يَحِدْ، ولم يتغيرْ، ولم يتنكَّبْ الطريق، ومثل هذا المسلم الناجح من المؤكد أنه قد وضع عدة آيات بين ناظريْه، يمضي بها، وتقوده في حياته إلى ربه، ومنها قوله عز وجل:(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، فشعار المسلم العبادة الدائمة، والطاعة المستمرة، والصلة بالله السرمدية، والذِّكْر الأبديّ، شأن المسلم أن يطيع الله في رمضان، وفي غير مضان، وشعاره في ذلك:)كُنْ ربانيًّا، ولا تكن رمضانيًّا(، فَمَنْ كان يعبد رمضان، فإن رمضان قد انتهى وفات، ومن كان يعبد رب رمضان فإنه حي، لا يفوت، ولا يموت، عبادةُ المسلم صفتُها أنها ماضية على الدوام والاستمرار، رمضان كان محطةً للتزود فقط، تعلَّمْنا منه معنى العبادة الحقة، التي استمرت في ثلاثين يومًا، مرت بأيامها ولياليها، ودرسنا على يديه الكريمتين جميلَ القرب، وحُسْنَ الصلة، وجمالَ العبادة، وجلالَ السجود، فلا يمكن أن تضيع منا كلُّ تلك القيم، وهذه الدروس، والعظات، فالمسلم يطيع الله مساءَهُ، وصباحَهُ، غُدُوَّهُ ورواحَه، سفرَه وإقامته، حديثَه وصمتَه، لا بد أن يستحضر الصائم هذا القول الكريم:(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)، واليقين هو الموت:(فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)، كما أنَّ عليه أنْ يجعل قبالة بصره قوله تعالى:(فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)، أي أن المسلم الذي على صلة بربه إذا فرغَ من عمله، وأسلوب، ونمط معيشتِه فعليه أن يهرع إلى ربه: صلاة، وذِكْرًا، وعبادةً، وتسبيحًا وفِكْرًا، وسجودًا، وعِبَرًا، فلا يراه الله إلا كما عابدًا، ساجدًا، ذاكرًا، داعيًا، هذا هو المسلم الحقيقي الذي يأخذ من رمضان زادًا يتزوَّد به على الطريق:(وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى(، إن عبادته لربه هي عبادة متواصلة، صلوات متتابعة، ذِكْرٌ لا يعرف الكلال، وطاعة لا تعرف الملال، وقلب مُفْعَمٌ بحبِّ الله ذي الجلال، وصاحب الكمال، والمسلم لا يترك المصحف، ولا يسكت لسانه عن التلاوة، سواء كانت تلاوته منه مباشرة، أو من محفوظه، فرمضان، وأخلاقه يجب أن يتحرك فينا جلاله وقيمه وآدابه في كلِّ العام، فما كنا فيه من عفة في القول، وعدم الاقتراب من الاغتياب، وقول الزور يلزم أن نتحلَّى به طوال السنة، ومساعدة الآخرين، والنظر في قضاء حوائج المحتاجين، وقضاء مطالب السائلين، والتخفيف عن الناس كل ذلك من سمة المسلم الصالح، وهو علامة من علامات القبول، فمن علامات القبول أن يظل المسلم فترة طويلة يعمل بما كان عليه في رمضان، وكأنَّ شهر رمضان لم يَنْتَهِ، وكأنَّ أيامه ماثلة، ولياليه في القلب، وعلى الجوارح عالقة، وبطاعاتها هو وأيامه موجودة وكاملة، وما كان يعمله المسلم في نهاره، من تلاوة، وذكر، ودعاء، وشكر، يظل فترة طويلة تقاربُ الأشهر الستة، وما كان يقيمه في ليله من سجود طويل، وصلوات، ودعاء جميل، وبكاء صادق ، يظل معه زمنًا طويلاً، لا يمكن للمسلم أن يترك رمضان ، ما تعلَّمَه منه بسهولة، لقد كان السلف الصالح يدعون الله ستة أشهر كاملة بعد انتهاء رمضان أن يتقبل منهم ما فعلوه في رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أخرى أن يبلِّغهم رمضان، فحياتهم كلُّها مرتبطةٌ بالشهر الفضيل؛ ولذلك كان من دعائهم:)اللهم سَلِّمْنَا لرمضان، وسَلِّمْ رمضان لنا ، وتسلَّمْه منَّا متقبلا يا رب العالمين(.
رمضان هو شهر الرقة، وشهر صفاء القلب، وشهر شفافية الشعور، وشهر ارتقاء الإحساس، فلا بد أن تعيش في أجوائه، وتنعم في ظله وأفيائه، ونتعايش مع معطياته دهرًا طويلاً لأنه ترك فينا حبَّهُ، وعمَّق في أفئدتنا وُدَّهُ، كم أبكى أعييننا ؟!، وكم أسعد كذلك قلوبنا؟!، وكم أشجى القرآن مسامعنا”!، وكم مرَّت العيون على سطور القرآن، وسوره وألفاظه وحِكَمه؟!، كم دعونا الله عندما مررنا بآيات الرحمة وسعة الجنان؟!، وكم خِفنا وبكينا وارتجفت قلوبنا عندما مررنا بآيات العذاب والنيران؟! كم مررنا فيه بأقوام أفلحوا ونَجَوْا؟!، وآخرين خسروا وسقطوا، وانتهوا ومضوا؟!، عرفنا فيه كل تاريخ البشر، وعواقبهم ومآلاتهم: صالحين كانوا، أو طالحين، مسلمين، مروا أم كافرين، أَرْضَوْا ربهم أم أغضبوه؟!، يا لجمال رمضان، وجلال أيامه! لا بد أن نجعل من رمضان مدرسةَ المدارس، وهدفَ الأهداف، مقصد المقاصد، وأن نواصل عبادة الله حتى يأتي الموت، ونحن طائعون، عابدون، مسبِّحون، ساجدون، بأيدينا كتابُ الله، متشبِّثين به، نعمل بآدابه، ونستن بآيه وأخلاقه، نرغب إلى ربنا في كل وقت، وحين، ونكون عند حدوده وقَّافين، وعند تعاليمه مقدِّسين:(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، اللهم ارزقنا القبول، وأدمْ علينا نعمة حبِّك، وحبِّ رسولك، يا خير مأمول، وأكرم مسؤول، اللهم لا تحرمنا أن نعمل بقيم رمضان طوال العام، وأكرمْنا بكرامة رمضان، وأبقنا رمضانات عديدة، في أزمنة مديدة، وكل عام وأنتم بخير ، والحمد لله رب العالمين.

مها محمد البشير حسين نافع


تاريخ النشر: 30 يونيو,2017

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/201922

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014