الإثنين 20 نوفمبر 2017 م - ٢ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أثر : (سيرة حياة داعية) (11)

أثر : (سيرة حياة داعية) (11)

نستكمل اليوم حلقات هذا الموضوع الشيق والذي بدأناه في العشر الاواخر من شهر رمضان المبارك .. ويتحدث عن سيرة حياة الداعية (عزة العيسرية ) ـ رحمها الله تعالى وغفر لها ..
إن من حكمة الله تعالى أن جعل رحلة الحج فريضة لمن استطاع إليه سبيلاً لما فيها من المشاق والتعب وغيره، ولو أراد الانسان أن يقارنها بأي رحلة في الحياة فل يجد أي مثيل لها فهي رحلة روحية وجسدية، يضحي فيها المرء بكل مامعه، ومن فضل الله أن يسر للسلطنة الأكفاء لبعثة الحج العمانية يخدمون حجاج بيت الله، وقد امتن الله على عزة العيسرية ـ رحمها الله ـ بالذهاب في البعثة عدة مرات تجاهد وتضحي وتترك الأهل والوطن لاتبغي بذلك سمعة ولاجاهً ولا مالا ومن كانوا معها يشهدون بذلك، وقد كان زوجها يشفق عليها من مشقة الرحلة وخاصة عندما لاحظ تراجع صحتها ويحاول اقناعها بعدم الذهاب كل سنة، فكانت عند عودتها من الحج تقول له سأفكر وأول مايقترب شهر رجب وشعبان يبدأ همَ رحلة الحج يقلقها فتعود لتخبر زوجها برغبتها من جديد بالذهاب بسبب ادراكها لقيمة الحياة وحرصها على العطاء المستمر كان أثرها واضحا في التغيير للأفضل، وهذه الحلقة سألخصها في مواقف قليلة جدا ماهي إلا غيض من فيض ذكرتها الأخت صفية العيسرية رفيقتها في الحج لعدة سنوات:
قبل رحلة الحج كنا نهيء حقائبنا للسفر والأستاذة رحمها الله تهيء حقائب للحاجات وأخرى لمن في البعثة، وكأنها مسؤولة عن الجميع، فكانت حقيبتها مملوؤة بالأدوات التي تخدم عموم الحاجات حتى الصوابين غير المعطرة كانت تحملها معها لتوزعها على دورات المياه.
كانت المرحومة عزة تداوم في مقر البعثة كدوامها الثابت في البلد، فلاتخرج من مكتبها إلا لعمل آخر أو للصلاة، رغم خلو المكتب من النساء المراجعات أول الأيام.
كانت تجلس إلى عاملات النظافة في السكن فتسألهن عن أحوالهن وتدعوهن لحضور الدورات التي تقام وتعينهن على ذلك، وتكرمهن بالمال والكتب ووالهدايا، وتنصحهن وتكرر لهن: (إن خير من استاجرت القوي الأمين).
كان صبورة على الناس ومتواضعة جداً، وقد جاءت إحدى النساء تشكو فدخلت وقالت: أين عزة؟ فقالت المرحومة: ماذا أقول لها؟ فقالت المرأة:التكييف في خيامنا سيء جدا، نحن نتعذب في الحرّ وهي تتنعم بالتكييف الجيد لأنها في البعثة، فابتسمت الأستاذة رحمها الله وأشارت لي أن أصمت، ومسحت عرق جبينها من الحر فمشكلة التكييف كانت عامة، وقالت لها بلطف: ستصل رسالتك لعزة، ولم تخبرها أن محدثتها هي عزة، واتصلت مباشرة بالخدمة وأرسلتهم لتلك الخيمة.
كانت تأتي بعض الحاجّات وهن محتاجات لبعض الأدوات ظنا منهن أن البعثة توفرها مجانا، فكانت تذهب بلاتفكير وتفتح حقيبتها وتعطي مما تملك مُحاوِلةً تغطيته عن الأعين وتوهمنا بأنها توصل أمانة لتلك النساء، ولأننا نحتاج جدا لهذه المواقف النبيلة لنحث الخطى ونجتهد كما اجتهدت ـ رحمها الله.
يقول الله تعالى: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة”، فالزواج رابطة مقدسة امتن الله بها على عباده، ولا بد أن تكون موثقة بعرى الود والرحمة والتسامح، ولاشك أنها لاتخلو من حدوث خلافات بين الحين والآخر قد يمكن تجاوزها وقد ينقطع الحبل بينهما، في هذه الحلقة أتحدث عن دروس زوجية من حياة معلمتنا ـ رحمها الله ـ لنقتفي الأثر بإذن الله.
تزوجت ـ رحمها الله ـ وهي في الخامسة عشر من عمرها وهي على مقاعد الدراسة، وقد اختارها بنفسه لما وجد فيها مايسرّه، وكل من يراها هي وزوجها العم سالم ـ حفظه الله ـ يرى الانسجام واضحا بينهما وكانهما شخص واحد، وكان يلفت هذا الأمر انتباهي كثيرا، وفي لقائي مع عمي سالم كان أول ماسألته عنه: ماسر التوافق والانسجام الذ كان بينكما؟ فذكر عدة أمور، أولها: ماقبل الزواج يؤثر بشكل كبير جدا على الزواج فكان العم سالم قد تحمل مسؤولية البيت منذ طفولته،فقد رباه والده رحمه الله على ذلك، ثم توفي عنهم وهو في سنّ صغيرة فتحمل المسؤولية بالكامل، وكانت بيئتهم بيئة علم وثقافة، فيقول العم سالم بأن والده سافر لقطر فطلب منه أن يشتري له كتاب جواهر الأدب وهو في عمر سبع سنوات، لأنه كان يقرأه مع خاله فأعجبه! فالتنشئة على العلم كانت منذ نعومة أظفاره، وفي المقابل فإن زوجته رحمها الله كذلك نشأت على تحمل المسؤولية وكانت شعلة من النشاط في كل شيء، فكانت أي مشكلة تحدث معهما بعد ارتباطهما فإنهما يرجعان للمرجعية العلمية والخلقية التي اكتسباها قبل الزواج فما تلبث إلا أن تكون سحابة وتنقشع سريعا، وكان معهما هدف محدد أسمى من بناء الأسرة التقليدية همها إنجاب الأولاد وتوفير المسكن لهم وتخرجهم من المدرسة والجامعة فحسب (وهذه رسالة طلب مني العم سالم ايصالها لكل من يقرأ المقال).
وعند سؤالي عن وقفتها معه في الغربة فإن أول ماقاله: لو أردت أن أكافئ المرحومة عن يوم واحد من المعاناة والمشاق التي تكبدتها معي فلن أستطيع، ومع صبرها فكانت إنسانة مُنجزة وكونت علاقات متعددة واستفادت من معطيات الحياة الموجود هناك، وكما ذكرنا سابقا أنها كانت تُكرِم الطلبة عمانيين كل أحد لوجبة غداء أو عشاء يصل عددهم لثلاثين شخصا، وهناك استغلت فراغها في التعرف على مختلف الثقافات والمشارب، وأفادت النساء كثيرا خاصة في مركز هناك اسمه (مركز النساء)، وهذا ماجعله أقوى وأثبت في غربته.
ومن الأمور التي ذكرها في تقوية العلاقة بين الزوجين هي التواصل المستمر حتى في حال البعد، ففي بداية غربته لم تكن المرحومة معه، فكان يوميا بعد صلاة الفجر يذهب للبريد ليتلقى منها رسائلها الخطية من الوطن، وكذا الأمر حين وجودهم في عمان لابد من التراسل يوميا وقت العمل، ومن الأسرار كذلك العفو والتسامح، وطلب المعذرة عند الخطأ فكانت حتى حين تقصر في إعداد وجبة ما لزوجها فإنها تعتذر له، والمواقف كثيرة قد نفصلها في مقام آخر بإذن الله.

هاجر بنت سعيد الحارثية

إلى الأعلى