الثلاثاء 21 نوفمبر 2017 م - ٣ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / عيد الفطر .. يوم عظيم ونعمة على الصائمين

عيد الفطر .. يوم عظيم ونعمة على الصائمين

عبدالله القنوبي: بداية الصوم التقوى وتهذيب الأخلاق، وختامه تكبير وتحميد وتهليل وما بينهما دعاء الله ورجاء المغفرة

العيد مائدة ضيافة الله يباهي الله بالصائمين والقائمين ملائكته وليعلم الإنسان أن الذي أعطاه قادر على أن يحرمه

اعداد ـ علي بن صالح السليمي:
مجموعة خطب قيمة متنوعة للشيخ عبدالله بن سعيد القنوبي .. أُلقيت في مناسبات متعددة، وتنشر هنا للفائدة بعد تهذيبها وتعديلها من قبل المشرف العام للموقع ..
يستهل الخطبة قائلاً: يا عباد الله: اذكروا في هذا اليوم العظيم ما أنعم الله به على الصائمين والقائمين من الثواب الجزيل والأجر الكريم، فطوبى لمن صام وقام إيماناً واحتساباً، قد هذَّب الصوم أخلاقه ونقى سريرته وطهر قلبه وصفى عقله، إن الصيام مدرسة عظيمة ـ يا عباد الله ـ فيها إحكام الأمور وصلاح السلوك وطهارة الظاهر والباطن، فكم من إنسان منحرف استقام في رمضان، وكم من إنسان قليل الذكر والعبادة أكثر من الطاعة في رمضان، وكم من نفوس متقاطعة تواصلت وتقاربت في شهر رمضان، إنها نعمة عظيمة جعلها الله من وراء تشريع هذا الصيام، صوناً للإنسان وزكاة وطهارة، يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ) فبداية الصوم التقوى وتهذيب الأخلاق، وختامه تكبير وتحميد وتهليل شكراً لله على تمام نعمة الصيام (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)، وفيما بينهما دعاء الله وتضرع إليه ورجاء المغفرة وأن يتقبل من الصائمين صيامهم، ومن القائمين قيامهم، (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، وأما الفضل العظيم فيقول فيه النبي (صلى الله عليه وسلم): (وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِه)، ففي دنياه مغفرة ذنوبه وتكفير سيئاته وصلاح أموره، وبركة في عمره وولده ورزقه، وفي الآخرة يدخلون من باب الريان في جنة رضوان، تدخل عليهم ملائكة الله الكرام مُسلِّمين:(سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)، ويقال لهم:(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ).
وقال القنوبي: شهر رمضان شهر مائدة رحمات الله، كما أن العيد هو مائدة ضيافة الله، يباهي الله بالصائمين والقائمين ملائكته فيقول:(وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِه،ِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) فأي فضل بعد هذا الفضل، وأي منزلة بعد هذه المنزلة، فاستديموا هذا الخير العظيم بعد رمضان، فإنكم أحرزتم خصالاً عظيمة في رمضان، منها المواظبة على صلاة الجماعة وقراءة القرآن، ومنها صلة الرحم وإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف، ومنها الصدقة بمختلف أنواعها، فداموا على هذا الخير فيما بقي من أعماركم، وحافظوا عليه حتى تستديموا نعمة ربكم.
وخاطب الحضور قائلاً: إخوة الإيمان .. إذا كان الإنسان يُبتلى في حياته فإن البلاء له ضروب متعددة، ذلك ليعلم أن الله الذي أعطاه قادر على أن يحرمه، وأن الذي قوَّاه وشد عضده قادر على أن يسلبه قوته، وأن الذي أغناه وبسط له من رزقه قادر على أن يقبض عنه نعمه ويفقره، يقول جل ذكره:(وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)، متى يجأر الإنسان؟ متى يستغيث بالله؟ عندما تذهب عنه النعمة، عندما يحس بالضائقة والشدة، وهكذا حال الإنسان ينسى نعم الله في الرخاء ويذكره ربه في البلاء.
وقال: إن هذه الأمة لتُبتلى في كثير من أمورها: في دينها ـ والعياذ بالله ـ وفي مقدساتها، في دمائها وأعراضها، وفي هذا العام تُبتلى بهذه الأمراض والأوبئة التي هي آية من آيات الله لتتجلى قدرة الله تعالى في كل شيء، وإن خلقه لن يعجزوه في أرض ولا في سماء، فكم من إنسان تكبر وتجبر، فأراه الله ضعفه، وكم من إنسان تعالى في الأرض وأشر وبطر فأركسه الله، وناهيكم بالقرآن يحدثنا عما حل بالأمم السابقة، كيف أنها لما استقامت على طاعة الله مكن الله لها في أرضه وبسط لها نعمه، وكيف أنها لما بغت وطغت وحادت عن منهج الله ورسله جعلها الله عبرة، وأهلكها بالنعم التي افتخرت بها، فهذا فرعون الطاغية الذي زعم أنه إله من دون الله (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) تفاخر على الناس بقوله (يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) افتخر بالماء فكانت عقوبته أن أغرقه الله بالماء الذي افتخر به، يقول جل جلاله:(حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)، وقارون الذي اغتر بأمواله وكنوزه العظيمة، (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)، جمع وكنز وثمَّر وأنكر حق الله ، ونُصِح فلم ينتصح، ووُعِظ فلم يتعظ، وخُوِّف بالله فلم يخف، وتفاخر وتكبر وبطر على الناس، فكانت عقوبته من جنس ما تفاخر به (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ)، وأين أنتم من مملكة سبأ العظيمة في اليمن، التي كانت تطاول السحاب بقصورها، وتبهج الأنظار والنفوس بثمارها وبساتينها ورياضها (جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) كثَّر الله ثمارها وخيرها وبارك في أرضها ومائها وهوائها، ولكن جحدوا نعم الله ومنعوا حق الله، ولم يشكروا فأهلكهم الله بحرمانهم ذلك الخير العظيم، وبدلهم الله بعد النعمة بالنقمة، وبعد العزة بالذلة ، أرسل الله عليهم سيلاً جارفاً بعد أن انهار سد مأرب العظيم فذهب بنعمهم وبساتينهم (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ)، وكذلك عاد قوم هود عليه السلام، فإنهم استطاروا بالبنيان (وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً آمِنِينَ)، كانوا يبنون القصور في قمم الجبال، وتفاخروا وكذبوا رسل ربهم، فأهلكهم الله وجعل ديارهم خاوية (فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ، فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ).
وخاطب الحضور قائلاً: عباد الله .. إن الله تعالى يرسل من العقوبات والقوارع والنذر على اختلاف الزمان والمكان، هذا العصر تطور فيه العلم، وتقدم فيه الطب، وإذا به جل وعلا يرسل جرثومة أو فيروساً لا يُرى إلا مكبراً بالمجهر عشرات المرات، يعمل في البشرية عمله، يقض مضجع الآمنين، يأكل اقتصادهم ويرعب الدول، يأتي على الأخضر واليابس، (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، فإذا بالناس في خوف ووجل، ذلك ليعلموا أن الله يمهل ولا يهمل (وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ)، (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ)، فأين المعتبر يا عباد الله!.
كانت بالأمس حياتنا تفيض بالنعم، من ثمار وبركات في كل شيء، في زروعنا وثرواتنا السمكية، في برنا وبحرنا في صحة أجسادنا، بل حتى في تقارب النفوس ومحبة القلوب، أين ذهب كل ذلك؟ نِعمٌ رُفِعت، وبلاء نزل، وخيراتٌ سُلِبت، وصحة ذهبت، وقلوب تفرَّقت،، بل نفوس تقاطعت وتحاسدت وتقاتلت، انكبت على الدنيا شحاً وطمعا، قضماً وهضماً لحقوق الضعفة والمساكين والأرامل والأيتام، إذا كانت الدنيا شريكاً بين أخوين تقاتلا، وإذا كانت بين جارين تقاطعا، حتى بين الآباء والأبناء، وكذلك بين الأصحاب والخلان، فأي مصيبة بعد هذه المصيبة،(وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، فأين المعتبر والمدَّكِر!، أما الكفار فإن الله يبتليهم بالأعاصير والزلازل والبراكين والأمراض الفتاكة، من الجمرة الخبيثة وانفلونزا الطيور إلى انفلونزا الخنازير الآن، وعِبرُ الله فيهم ولكن لا يعتبرون (أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ)، ولا يمر عام إلا فيه البلاء العظيم يعم البشرية بسبب ماذا؟ بسبب بعد الناس عن الله، فالكفار يكفيهم كفرهم بالله وكفى بالكفر جريمة،)ِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، ونظامهم الاقتصادي قد انهار بسبب أكلهم الربا وأكل أموال الضعفة، والظلم الاجتماعي والطبقية المقيتة التي يعيش فيها البشر كالحيوانات المفترسة يقضي الغني على الفقير والقوي على الضعيف، أما الانحدار الأخلاقي فحدث بما شئت.

إلى الأعلى