الخميس 23 نوفمبر 2017 م - ٤ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / انقضى شهر رمضان .. ولكن!

انقضى شهر رمضان .. ولكن!

مدرسة للتغيير نُغير فيه من أعمالنا وسلوكنا وعاداتنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله

إعداد ـ مبارك بن عبدالله العامري:
انقضى شهر رمضان، لكن الأخلاق والسلوكيات لا تنقضي، والقرآن باقٍ، ومواسم صوم النافلة باقية، فهل استعددت لتعيش نفحات شهر رمضان كل يوم بأخلاقك وتسامحك وحفظ لسانك وبصرك وسمعك، وبالمداومة على صلاة الجماعة في المسجد وخاصة الفجر والعشاء، وبركعتي قيام على الأقل في كل ليلة، وبمعانقة القرآن ومجالسة أهله، وبدوام الذكر والاستغفار، وبشدة التمسك بدعوتك ونهجك وبذل الغالي والنفيس من أجلها .. إذا فعلت ذلك فستشعر بقيمة قول حبيبك المصطفى:(لو علم الناس ما في رمضان لتمنوا أن يكون العام كله رمضان)!.
ها نحن ودعنا رمضان المبارك .. ونهاره الجميل ولياليه العطره ها نحن ودعنا شهر القرآن والتقوى والصبر والجهاد والرحمة والمغفرة والعتق من النار فماذا جنينا من ثماره اليانعة، وظلاله الوارقه؟! هل تحققنا بالتقوى .. وتخرجنا من مدرسه رمضان بشهادة المتقين؟! هل تعلمنا فيه الصبر والمصابرة على الطاعة, وعن المعصية؟! هل ربينا فيه أنفسنا على الجهاد بأنواعه؟! هل جاهدنا أنفسنا وشهواتنا وانتصرنا عليها؟! هل غلبتنا العادات والتقاليد السيئة؟!.
أسئلة كثيرة .على قلب كل مُسلم صادق .. يسأل نفسه ويجيبها بصدق وصراحة .. ماذا استفدت من رمضان؟ إنه مدرسة إيمانية .. إنه محطة روحيه للتزود منه لبقية العام .. ولشحذ الهمم بقيه العمر .. فمتى يتعظ ويعتبر ويستفيد ويتغير ويُغير من حياته من لم يفعل ذلك في رمضان.
إنه بحق مدرسة للتغيير .. نُغير فيه من أعمالنا وسلوكنا وعاداتنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله ـ جل وعلا:(.. إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ..).
عبرةٌ وعظةٌ
إنَّ لنا في انقضاءِ رمضانَ عبرةٌ وعظةٌ، فقدْ كُنا نعيشُ أيامَهُ فرحينَ متنعمينَ بها ثُمَّ انقضتْ تِلكُمُ الأيامُ وكأَنها طيفُ خيالٍ .. مضتْ تلكَ الأيامُ لِنقطَعَ بها مرحلةً مِنْ حياتِنَا لَنْ تعودَ إلينا أبداً وإنما يبقى لنا ما أودعنَاهُ فيها مِنْ خيرٍ أو شرٍ، وهكذا الأيامُ التي تمرُ علينا تُنقصُ منْ أعمارِنا ، وتقربنا مِنْ آجالِنا قال الحسن البصريُ رحمه الله: ابن آدم إنما أنت أيام إذا ذهبَ يومكَ ذهبَ بعضكَ. لقد كان الشهرُ الراحلُ ميداناً لتنافس الصالحين بأعمالهم, ومجالاً لتسابق المحسنين بإحسانهم ، وعاملاً لتزكية النفوس وتهذيبها وتربيتها.. لكن بعض الناس ما إن خرجوا من رمضان إلى شوال حتى خرجوا من الواحة إلى الصحراء ومن الهداية إلى التيه ومن السعادة إلى الشقاوة لذا كان الناس بعد رمضان على أقسام أبرزها صنفان هما جدُ مختلفين: صنف تراه في رمضان مجتهداً في الطاعة فلا تقع عيناك عليه إلا ساجداً أو قائماً أو تالياً للقرآن أو باكياً حتى ليكاد يذكرك ببعض عباد السلف وحتى إنك لتشفق عليه من شدة اجتهاده وعبادته ونشاطه.وما إن ينقضي الشهرُ حتى يعودَ إلى التفريط والمعاصي فبعد أن عاش شهراً كاملاً مع الإيمان والقرآن وسائر القربات يعود إلى الوراء منتكساً أو مرتداً والعياذ بالله وهؤلاء هم عباد المواسم لا يعرفون الله إلا عند المواسم أو عند نزول النقم بساحتهم فإذا ذهبت المواسم أو زالت النقم وحُلت الضوائق ذهبت الطاعة موليةً ألا فبئس قومٌ هذا ديدنهم فيا ترى ما الفائدة إذن من عبادة شهر كامل إن اتبعتها بعودة إلى سلوك شائن!!الذين في قلوبهم مرض وفي إيمانهم ضعف, هؤلاء يودعون في رمضان قيداً ثقيلاً غلهم عن شهواتهم الخسيسة، فهم يفرحون لذهابه فرحَ السجينِ إذا أطلق والمحرومِ إذا نال ،وهناك صنف نقي نقاءَ رمضان صفي صفاءَ الصيام زكي زكاة رمضان قوم يتألمون على فراق رمضان، لأنهم ذاقوا حلاوة العافية فهانت عليهم مرارة الصبر، لأنهم عرفوا حقيقة ذواتِهم وضعفِها وفقرِها إلى مولاها وطاعته وعلموا أنهم محتاجون إلى ربهم لأنهم صاموا حقاُ، وقاموا شوقاً، فلوداع رمضان دموعهم تدفق، وقلوبهم تشقق، فأسير الأوزار منهم يرجو أن يطلق ومن النار يُعتق، وبركب المقبولين يلحق فأخبرني بربك من أي الصنفين أنت؟ وبالله هل يستويان! الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون. (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (صّ ـ 28) أرجو أن نكون أنا وإياك ممن زادهم الصيام إيماناُ وتقىً وهدىً وصلاحاً وانتفعوا بالصيام والقيام. نحنُ الآنَ بحمدِ اللهِ ختمنا شهرَ الصيامِ والقيامِ والدعاءِ، والسؤالُ الذي يستأهلُ التوقفَ والتأملَ، هلْ قُبلَ مِنا ذلك؟ إنَّ التاجرَ إذا دخلَ موسِماً أو صفقةً تجاريةً فإنهُ بعدَ انتهاء الموسمِ والصفقةِ يُصفى حساباتِهِ ومعاملاتِهِ ويقلبُ كَفيهِ وينظرُ مبلغَ ربحِهِ وخسارتِهِ ينظرُ هلْ ربحَ أمْ خَسرَ هلْ غَنِمَ أم غَرِمَ‍‍‍‍‍‍! هذا الاهتمامُ البالغُ نراهُ في تجارةِ الدنيا وعَرَضِهَا الزائلِ .. ونحنُ قَدْ مرَّ بِنا قريباً موسمٌ مِنْ مواسمِ التجارةِ الأخرويةِ، تجارةِ الآخرةِ الباقيةِ تجارةٍ لَنْ تبورَ، تجارةٍ تنجيكمْ مِنْ عذابٍ أليمٍ، مر بنا آنفاً شهرُ الخيراتِ والبركاتِ فهلا حاسبنا أنفسنا؟ ووقفنا معهَا ما ذا ربحنَا فيهِ، ماذا استفدنَا منهُ، ما أثرُهُ على نفوسِنا، ما تأثيرُهُ على سلوكياتِنِا، هلْ تُقبلَ منا أمْ هلْ ردَّ علينا؟.

لسان الوجل الخائف
كانَ السلفُ الصالحُ ـ رحمهمُ اللهُ ـ حينما ينتهى رمضانُ يصيبهم الهمُ ولسانُ حالِهِم لسانُ الوجِلِ الخائفِ أَنْ يُرَدَّ: هلْ تقبلَ مِنا؟ فهمْ كما وصفهُمْ اللهُ بقولِهِ:(والذينَ يؤتونَ ما آتواْ وقلوبُهُم وَجِلةٌ أَنهم إلى ربِهِم راجعونَ، أولئكَ يُسارِعونَ في الخيراتِ وهُم لَها سابِقونَ) يعملونَ الأعمالَ ويخافونَ أنْ تردَ عليهم، قالتْ عائشةُ ـ رضي اللهُ عنها:(يا رسولَ اللهِ الذينَ يؤتونَ ما آتوا وقلوبُهًم وجِلةٌ هو الذي يسرِقُ ويَزنِيْ ويَشربُ الخمرَ وهوَ يَخافُ اللهَ عزَ وجلَ؟ قالَ: لا يا ابنةَ الصديقِ! ولكنهمْ الذينَ يصلونَ ويصومونَ ويتصدقونَ وهمْ يخافونَ أَلاَّ يتقبلَ منهم) ـ (رواه أحمدُ والترمذيُ).
انتهى رمضانُ فرأينا أناساً على العبادةِ استقاموا، وعلى عملِ الخيرِ والبرِ استمروا، وعلى جليلِ الطاعةِ داوموا .. وهذا ديدنُ المؤمنينَ وهُجِيرَاهُم، إذ المؤمنُ لا يعرفُ العبادةَ في زمنٍ ثم ينفكُ عنها، أو ينشطُ عليها في أوانٍ ثم يَهجرُهَا، إذ المرادُ من العبدِ ما قصدَه اللهُ من عبادةٍ فيما خَلقَهم لَهُ أن يَعبدوهُ وحدهُ لا شريكَ لَهُ، وأنْ تدومَ عبادتُهم لَهُ، قال اللهُ تعالى:(قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام ـ 16). يقولُ اللهُ تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ) (فصلت ـ 30)، هكذا يكونُ المسلمُ مستمراً مداوماً متابعاً لا يروغُ روغانَ الثعالب.
أولئكَ الذينَ يعبدونَ اللهَ شهراً ويهجرونَ العبادةَ أشهراً، أو يعبدونَ اللهَ في مكانٍ ثُمْ يَقلِبونَ العبادَةَ إلى معصيةٍ في مكانٍ آخر، أو يعبدونَ اللهَ مع قومٍ وإذا رَحلواْ معَ قومٍ آخرينَ أو خَالطوا أقواماً آخرينَ تركوا العبادةَ، بلِ المسلمُ يعبدُ ربَهُ في رمضانَ وفي سائرِ الشهورِ، فالمقصودُ مِنَ المسلمِ المؤمنِ المداومةُ على العملِ والاستمرارُ على الطاعةِ حتى يلقى اللهَ ثابتاً عليها.

إلى الأعلى