الجمعة 21 سبتمبر 2018 م - ١١ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / بين التلفيق وعقدة النقص

بين التلفيق وعقدة النقص

عادل سعد

”إن حال طاقم ترامب الآن يشابه إلى حد بعيد من يريد أن يخوض في بحر هائج وهو لا يملك عدة السباحة، ولعل ما قاله وزير الدفاع الأميركي جميس ماتيس يعكس ذلك بصراحة، إذ أشار إلى أن الإدارة الأميركية لا تريد التورط العسكري المباشر في المشهد السوري، الوضع الذي يعكس قلة الخيوط التي تملكها واشنطن للتأثير في الأحداث هناك، وليس زهدًا تحركه عفة عدم التدخل.”

بأية أسبقية يتحرك الموقف الأميركي للحاق بتطور الأحداث في سوريا ومحاولة الدخول بقوة هناك، فإنه يظل منمطًا بالنية التآمرية وعقدة النقص التي تحكمه إزاء سلسلة الأخطاء التي حصلت له.
لا أريد هنا أن أسرد المزيد من الوقائع السابقة التي تشير إلى هذا النمط الأميركي، بل يكفيني المستجد الفاقع الذي طيره طاقم البيت الأبيض من خلال تلويحه بضربة عسكرية جديدة لهذا البلد العربي تحت طائلة ذريعة ادعاء أنه رصد تحضيرات كيماوية لدى دمشق ضد معارضيها.
بالمنطق التحليلي الدقيق لا يمكن بأي حال من الأحوال تصديق هذا الادعاء بالذريعة الواهية التي تكعز عليها إذا أخذنا بالعين الواقع أن البيان الأميركي يخلو من أية عينة ميدانية تشير إلى تلك التحضيرات المزعومة, يضاف إلى ذلك أن طاقم ترامب عرقل بإمعان وعناد جاف أية تحقيقات ميدانية نزيهة لما حصل في خان شيخون على خلفية ادعاء أن السورييين استخدموا قاعدة الشعيرات في توجيه ضربة كيماوية إلى (الخان) لئلا ينفضح الادعاء الذي استند إليه ترامب في ضربته الصاروخية السابقة.
وهكذا لا يخرج الزعم الأميركي الجديد عن كونه غطاء لفشل ترامب الواضح في إيجاد معادل قوة أميركية يمكن التعويل عليها مقابل الإنجازات التي حققها الجيش السوري في اكتساح الكثير من المواقع الإرهابية والوصول للحدود مع العراق.
وليس بعيدا عن هذه الأجواء، الانفصال الواضح بين الموقفين الأميركي والأوروبي إزاء سوريا رغم محاولات ترميم تحاول الإيهام بوحدة الموقفين, إذ يستوقفنا هنا موقف الرئيس الفرنسي ماكرون عندما قال في تطور لافت إن فرنسا لا تشترط رحيل الأسد في أية تسوية للأزمة السورية, وكذلك ما قالته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بتصريح هو بمثابة توبيخ لترامب عندما قالت (إن سوريا تقع على التخوم الأوروبية وليست قريبة من الولايات المتحدة الأميركية), والأكثر من ذلك أن واشنطن تشعر أنها فقدت فرصة تصنيع الأحداث في المنافسة التي وضعت نفسها سابقا فيها مقابل المواقف الروسية الميدانية في أكثر من مجال واحد، ولهذا هي تحاول الدخول على الحدث السوري من أية ثغرة رغم عدم وجود ما يبرر هذا التدخل مع ملاحظة حجم الارتياب والتناقض مع طروحات الرئيس التركي أردوغان الذي لم يجن من موقفه هو الآخر في الشأن السوري إلا خسارة مركبة داخليا، وفي العلاقة مع جيرانه، واحتمال انجرار أنقرة إلى صدام واسع مع أكراد المنطقة، ولنا أيضا أن نشير إلى تبعات الأزمة الحادة بين الدوحة وعدد من العواصم العربية.
إن ترامب يحاول مسك ورقة تكون جزءا من ملف اجتماع الأستانة القادم الرامي إلى تعزيز نفوذ خفض التوتر مع أن المشاركين الآخرين يمسكون بأيديهم أكثر من ورقة واحدة.
إن حال طاقم ترامب الآن يشابه إلى حد بعيد من يريد أن يخوض في بحر هائج وهو لا يملك عدة السباحة، ولعل ما قاله وزير الدفاع الأميركي جميس ماتيس يعكس ذلك بصراحة، إذ أشار إلى أن الإدارة الأميركية لا تريد التورط العسكري المباشر في المشهد السوري، الوضع الذي يعكس قلة الخيوط التي تملكها واشنطن للتأثير في الأحداث هناك، وليس زهدًا تحركه عفة عدم التدخل.
أعتقد جازما أن خسارة الأميركيين في الشأن السوري ليست موضع شك، ولكن أهون الخسائر لها أن تمرر قبولها للتسوية السلمية بالنسخة التي يرتضيها الشعب السوري, أما إذا أراد طاقم ترامب استخدام العصا مجددًا فإن خسارته ستكون أكبر، بل ربما تفقد واشنطن أصابع من قدمها المتواجدة في منطقة الشرق الأوسط.
لقد قلت في مقالة سابقة عن الرئيس ترامب أثناء حملته الانتخابية إنه صانع أقفال، وزعمه الجديد عن الكيماوي قفل مضاف سيغلق أبوابًا أميركية جديدة.

إلى الأعلى