الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تنسي وليامز.. وإرهاصات في المجتمع الأميركي “2 ـ 2″

تنسي وليامز.. وإرهاصات في المجتمع الأميركي “2 ـ 2″

علي عقلة عرسان

يلجأ وليامز في أكثر مسرحياته إلى المشاهد المتتابعة، وفي بعض الأحيان يتبع الشكل الكلاسيكي، من حيث حصر الحوادث في مكان واحد، وفي فترة زمنية قصيرة جدًّا، كما حدث في مسرحية “هواية الحيوانات الزجاجية” و”قطة على سطح من الصفيح الساخن” مثلًا. وقد أُخذ على وليامز غموض شخوصه في كثير من الأحيان.

.. وعالم وليامز كما أسلفت، حافل بالشذوذ، فلا تقرأ مسرحية له إلا وتحس فيها بذلك، كما أن النزعات الحيوانية العدوانية أحيانًا موجودة. وربما كان مردّ ذلك إلى نظرة وليامز التي يضعها على لسان بلانش في مسرحية “عربة اسمها الرغبة” إذ تقول: “يا إلهي ما زال المدى بعيدًا علينا حتى نخلق على صورة مثالية. ولكن يا شقيقتي ستيلا لقد حقق البشر بعض النجاح منذ بدء الخليقة حتى الآن. لقد عرف الإنسان الفن مثل الشعر والموسيقا، كما أن أضواء جديدة قد نفذت إلى العالم منذ ذلك الحين، لقد بدأ إحساس بعض الناس يرق، وشعورهم يرهف وهذا ما يجب علينا أن ننميه، وأن نتمسك به وأن نتخذ منه علمًا نسير خلفه في هذه الطريق الطويلة المظلمة التي نسلكها إلى غاية من الغايات. لا تتخلفي عن الركب وتعيشي مع الوحوش”.
وإذا استعرضنا مشاهد الشذوذ والحديث عن الجنس في مسرحياته، فإننا لا نجد أي مسرحية له تخلو من ذلك. بلانش بطلة مسرحية عربة اسمها الرغبة، فتاة من أسرة نبيلة، دفعتها قسوة الحياة وأنوثتُها العارمة ـ بعد أن انتحر زوجها الأول، بسبب شذوذه الجنسي واكتشافها ذلك الشذوذ ـ إلى الانحلال، فكانت سلعة تباع وتشترى. وبلغ بها الانحلال حدًّا جعلها تمارس الحب مع زوج أختها. وكانت نتيجة سلوكها ذاك، أن وُضِعت في مصح عقلي في نهاية الأمر. قد يفسر سلوكها ذاك على أنه تكفير عن الذنب الذي كانت تحس به، لأنها تعتقد أن كلمات الاشمئزاز التي همستها في أذن زوجها، جعلته ينتحر، ولذلك أرخصت جسدها. ولكن النتيجة هي انحلال يشمئز منه الذوق، وهو مما تعبق به المسرحية. وهذا أمر لا يقبله خلُق قويم.
وستيلا، أخت بلانش، كانت تعشق القسوة الحيوانية في زوجها ستانلي، فهي مازوشية إلى حد ما، كانت تنسى إهاناته وضرباته الموجعة وتحقيره لها.. تنسى كل ذلك في الفراش، بل وتكاد تطلب استمراره. وسرافينا بطلة مسرحية وشم الوردة، تقنعت بالطهر والعفة والمحافظة على ذكرى الزوج الراحل، إلى أن اكتشفت أن زوجها كان يخونها في حياته، فحطمت الزجاجة التي كانت تحوي رماده العزيز، وخضعت لدفق الجنس المتوثب في جسدها، وسلمت نفسها لمهاجر صقلي من أبناء جلدتها، وسمحت لا بنتها روز أن تذهب إلى حبيبها، بعد أن كانت تمانع في ذلك. فهل كانت تنتظر فعلًا ذلك الاكتشاف لتفعل ما فعلت، أم أن شيئًا كان يختمر في داخلها، إلى أن حانت لحظة ظهوره؟..
وحالة الشذوذ الجنسي واضحة عند برك في مسرحية “قطة على سطح من الصفيح الساخن”، برك الذي كان يبدد حياته هكذا، كما لو كانت شيئًا كريهًا، التقطه من عرض الطريق بعد موت سكيبر، الذي كان يمارس معه الشذوذ، ولا يعني هذا أن مسرحية “قطة على سطح من الصفيح الساخن”، تقوم على الجنس فقط، إذ إن غايتها هي توضيح الرياء والكذب اللذين يعيش عليهما الناس، وإظهار زيف العواطف والتزلف، حتى عاطفة البنوة أظهرها وليامز في هذه المسرحية، على أنها ترصد للتجارة وكسب عطف الأب، ليكتب وصيته لأبنائه. إلا أن الجنس، والشاذ منه بصفة خاصة، شيء ثابت فيها وفي مسرحيات وليامز كلها. فإن لم يتصدر الحوادث ويمركزها حوله، فإنه يصبح الظهارة الخلفية للمسرحية.
ويبقى الحال كما هو في مسرحية “فجأة في الصيف الماضي”، إذ إن شخصية سباستيان هي الشخصية الشاذة جنسيًّا. إلا أن هذه العلاقة، وتلك الحوادث في مسرحية “فجأة في الصيف الماضي”، أدت إلى نتائج أعمق من مجرد إظهار الشذوذ الجنسي، إذ أظهرت النوازع العدوانية الدفينة لدى البشر، وأظهرت الحيوان الكامن في الإنسان على صورة مرعبة لا تصدق، وحققت رأي الفيلسوف الإنجليزي هوبز الذي يقول: “الإنسان للإنسان ذئب ضارٍ”، كما أكدت اتجاه وليامز، المؤمن برأي هوبز، سواء قرأه أم اكتشفه بصورة ما، فالتقى معه فيه، وفي الجانب المتشائم من نظرية فرويد، وليامز الذي يرى “أن الإنسان لا يختلف عن أي حيوان آخر، إلا بكون جهازه أكثر تعقيدًا”.
لقد وصل وليامز إلى تعبير رهيب عن النزعات الوحشية لدى الإنسان، حينما جعل الصبية والفتيان يأكلون سباستيان، يمزقون لحمه ويلوكونه بين أسنانهم، ووصل بذلك إلى تعبير قوي حاد، عن حالة التمزق والشعور بالإثم التي بلغها سباستيان من جهة، وعانى منهما الضمير الجمعي للفتيان الذين لهم علاقة شاذة به، من جهة أخرى.. حتى قدم سباستيان نفسه لهم، فمزقوا هم موضوع الإثم، ولا كوا لحمه. في ذلك المشهد تعبير مركب له معان عدة، منها التعبير عن مقدار الشَّبَق والشذوذ والرغبة الذي أدى إلى حدود التهام الجثة.
والجنس يصبح أيضًا ظهارة خلفية، ونهاية مطاف لشخصية الكسندرا ديلامو، في مسرحية “طائر الشباب الجميل”، وإن كانت المسرحية تهدف إلى إظهار قيمة الوقت في الحياة الإنسانية. وما هدف مسرحية “صيف ودخان” إلا إبراز القوة التي يتمتع بها الدافع الجنسي، ودوره الذي لا يمكن إنكاره في الحياة، فهو الذي يوجه الإنسان. وإنكاره أو محاولات تمويهه وإضعافه، بدافع من الحياء أو التدين المصطنع، لا تجدي نفعًا، بل تؤدي إلى مضاعفات خطيرة، أقلها ضياع الشباب، وجثوم اليأس والكآبة على روح الإنسان، ومن ثم ينتهي القمع بالدافع الداخلي إلى أن ينفجر بعنف، ويعبر عن نفسه وعن حاجته إلى الارتواء، بأي شكل من الأشكال، كما حدث مع ألما، ابنة القسيس، التي حاولت أن تطمس ما بها من أنوثة ورغبة، بدافع من التدين والتطهر والحياء.
ووليامز يهدف في مسرحية “صيف ودخان” إلى القول بأن الإنسان جسم وروح وعقل وغريزة، وأية محاولة لتغليب أحد هذه المقومات على الآخر، تكون نتيجتها وبالًا على الإنسان.
وتنجو مسرحية “هواية الحيوانات الزجاجية” من سيطرة الجنس وطغيانه إلى حد ما، إذ تعالج مشكلة أسرة يعيش أفرادها على الوهم، ويحلمون بعزٍّ ماضٍ من أيام غناهم السالف. تلك الأحلام التي لا تفيد في مجتمع مرَّ بمحنة اقتصادية، وأصبح النجاح فيه متوقفًا على العمل، لا على شرف المحتد والماضي السعيد والجاه الغابر.
هذه المسرحية احتاجت من وليامز إلى تضحية ودفع ضريبة النجاح الذي لا قته ـ إذ إنه بها وبمسرحية “عربة اسمها الرغبة” استطاع أن يثبت وجوده كاتبًا مسرحيًّا ـ فقد استبطن وليامز ذاته، وكتب قصة حياته مع أسرته، وحلل الدوافع والأسباب التي أدت بكل فرد من أفراد أسرته إلى مصيره.
والمسرحية تصور مقدار تأثير سوء التربية على النشء، كما تصور فداحة العيش على أحلام تافهة في حياة تتطلب العمل والتضحية من أجل النجاح، كما تظهر الدور الذي تلعبه الأم في حياة أبنائها، ومقدار الأزمة التي تعانيها فتاة لا تجد زوجًا في مجتمع مادي، هو غابة كبيرة، وأثر الأوهام والأحلام في إشاعة السلبيات.
أما مسرحية وليامز “ليلة السحلية” فتعتبر رائعة فنية، إلا أنها لا تخلو من سيطرة الجنس عليها هي الأخرى. فهناك “ماكسين فولك” بأنوثتها العارمة وجسمها العاري إلا من بعض الملابس الضرورية، ورغباتها المفضوحة، ومحاولاتها المستمرة للتقرب من شانون، والاحتفاظ به رجلًا بجانبها. كما أن هناك بالمقابل هانا الشاعرية المتسامية، وشانون الضائع الممزق، ونونو الشيخ الذي يحاول أن ينهي قصيدة بدأها ولم ينجح في إتمامها. وظهر هنا، ربما للمرة الثانية لدى وليامز، تمزق وازدواج وصراع نفسي، يدور في نفس الشخص، حين تتنازعه رغبتان: إحداهما سامية والأخرى منحطة. ظهر ذلك أول ما ظهر لدى وليامز في مسرحية صيف ودخان لدى شخصية ألما، إذ عانت من صراعها بين تيارين يشدانها: تيار الجنس واتباع حبها، وتيار القداسة والتطهر والروحانية. ويظهر ذلك مجردًا في مسرحية “ليلة السحلية”، في شخصية شانون القديس المطرود من الكنيسة، الذي يعيش صراعًا بين الانجذاب إلى ماكسين فولك “الشهوة المجسَّدة” وهانا التي تمثل الروحانيات والسمو. وما هانا وشانون في مسرحية “ليلة السحلية” سوى ألما والدكتور جون، وقد أصبحا أكثر نضجًا.
ويتطرق وليامز في مسرحياته إلى بعض المقارنات بين جيلين من الناس، جيل قديم عاش أيام العز قبل أزمة 1929، وجيل جديد يعرف أن الحياة تحتاج إلى عمل وكفاح، جيل يحلم وجيل يعمل، جيل من أمثال أماندا ولورا وتون.. وجيل آخر منطلق، يشق طريقه في الحياة من أمثال جيم وجون. ونستطيع أن نرى روز، أخت وليامز الحالمة التي تغذت بالوهم حتى دخلت مصح الأمراض العقلية، في شخوص كثيرة من مسرجه، كما نجد شخصيته أيضًا في كثيرين ممن أنتجهم من شخصيات مسرحية.
أما أسلوب وليامز الفني، فنستطيع أن نلقي عليه بعض الضوء، إذا عرفنا أن وليامز يتناول المشكلات الفردية ويعالجها بطريقة طبيعية، أي وفق المذهب الطبيعي أو أقرب إليه، ولكن بأسلوب شاعري ومؤثر في تعبيره. وبذلك يخلق له طريقة خاصة، فلا هو طبيعي في طريقة معالجته لموضوعاته، ولا هو تعبيري.
يلجأ وليامز في أكثر مسرحياته إلى المشاهد المتتابعة، وفي بعض الأحيان يتبع الشكل الكلاسيكي، من حيث حصر الحوادث في مكان واحد، وفي فترة زمنية قصيرة جدًّا، كما حدث في مسرحية “هواية الحيوانات الزجاجية” و”قطة على سطح من الصفيح الساخن” مثلًا. وقد أُخذ على وليامز غموض شخوصه في كثير من الأحيان. ويقول هو موضحًا وجهة نظره في فنه، وذلك في مسرحية “قطة على سطح من الصفيح الساخن”: “إن الهدف الذي أرجو أن أحققه من هذه المسرحية، ليس هو حل المشكلة النفسانية التي يعانيها رجل بعينه، وإنما أحاول أن أضع يدي على نوع التجربة التي تمر بها جماعة من الناس، تلك التصرفات التي يتداخل بعضها في بعض، ويأتيها بشر أحياء في جو عاصف، تسببه أزمة مشتركة. ولا بد من ترك بعض الغموض في رسم شخصيات المسرحية ـ حتى لو كان الإنسان يرسم شخصية نفسه ـ كما هي الحال في شخصيات الحياة، إذ يكتنفها الغموض على الدوام. غير أن هذا لا يعفي الكاتب المسرحي من واجبه في أن يلاحظ ويتعمق بوضوح، قدر الإمكان، بل ينبغي أن يتحاشى الوصول إلى النتائج والتحديات السهلة، التي تجعل المسرحية مجرد مسرحية لا شرطًا لحقيقة التجارب الإنسانية”. هذه هي وجهة نظر وليامز في فنه.
ولا يفوتنا أن نشير هنا، إلى كثرة استعماله للرموز في مسرحياته، وكثيرًا ما يكون استعمال الرموز لغرض جنسي، بقصد الإيحاء أو الإغراء، كما أنه يكثر من استعمال المؤثرات الموسيقية والصوتية، ويجعل من كل ذلك لحنًا أو إيقاعًا يرافق المسرحية، وذاك من حصائص الأسلوب التعبيري في المسرح، فتأتي مسرحياته كما لو كانت قصيدة ملحنة، قصيدة يرافقها إيقاع من لون خاص.
وبعد.. هل وجدنا صورة من المجتمع الأميركي في هذا المسرح؟‍ هل برزت خلفيات سياسية؟‍! هل هناك فكر عميق أو دعاوى تصرخ؟! إن مسرح وليامز يعرض نماذج تمارس الشذوذ، وتنسحق تحت وطأة الآلة المادية الضخمة. وإذا كان وليامز واحدًا من تلك النماذج، فلأنه لم يرتفع بأهلية نضالية لمواجهة الحدث والنتيجة، المجتمع والدولة، المادة والروح. لقد طمع في حياة عالية المستوى من الناحية المالية، وطمح إلى أن يكون شيئًا تؤهله له قدراته ككاتب، ولكنه انسحق تحت هذه الأحلام الفردية، ولم يستطع أن يحمل قضية كبيرة، وإن كان قد ألمح في مسرحه إلى مشكلة اجتماعية كبرى، تفترس كثيرين في المجتمع الأميركي، وهي الانحلال. وما ذاك إلا نتيجة من نتائج سيطرة المادة، والاتجار بالإنسان، وغياب مقومات الحضارة العريقة، التي تصون قيم المجتمع والأفراد.
ووليامز واحد من كبار كتّاب المسرح الأميركي المعاصرين، ويعتبر هو، ويوجين أونيل،”مع الفارق بينهما”، وآرثر ميللر، وثورنتون وايلدر، ووليم سارويان.. من أعمق كتّاب أميركا المسرحيين وأبرزهم. ويمكن أن يمدنا وليامز بإنتاج مسرحي فيه تجديد في الشكل والفنية، وأن يلتحم بواقع الناس عامة، ويعالج المشكلات من جذورها، ويتعمق بشمولية وعالمية وحس إنساني عام في المضمون، حتى لا تبقى المعالجات على المستوى الفردي المحلي.. وربما وجدنا شيئًا من ذلك في مسرحيات لم نقاربها، وفي أعمال أدبية أخرى له.

إلى الأعلى