الإثنين 21 أكتوبر 2019 م - ٢٢ صفر ١٤٤١ هـ
عيود مسقط

عيود مسقط

kنمير بن سالم آل سعيد

تابعت نشر صورة لعيود مسقط قبل ايام في احدى الصحف المحليه، يعود تاريخ الصوره لعام 1975 تناقلتها وسائل التواصل الاجتماعي خلال فترة عيد الفطر المبارك.
نظرت الى الصوره بتمعن، ابحث عني بين اولئك الاطفال الذين اتوا الى العيود فرحين، اعرف بأني كنت هناك بينهم فرحا سعيدا وكأن الدنيا لا تسعني من الفرحه، وفي يدي قبضه من الريالات، فلوس العيديه التي نلتها من الاهل والاقارب، عددتها عشرات المرات قبل ان اتوجه فخورا بما لدي الى العيود.
اعرف بأني كنت هناك في العيود، اتنقل في المكان، انظر الى الالعاب نظرة القادر على شرائها، فالحصيله وافره من العيديه لدي، والاختيار لي وحدي فيما اشتريه من جنة الالعاب هذه التي لا نشهدها الا مرتين في العام، عيد الفطر وعيد الاضحى المباركان.
كنت انظر الى الصوره المنشوره بشغف ومحبة، ابحث عني بين هؤلاء الاطفال، فربما الكاميرا التقطت الصوره وانا فيها في ذلك العمر المبكر، لتسجل لحظه ذوت وانتهت في غياهب النسيان، لتحيا من جديد في ذاكراتي.
ابحث في الصوره عني بشوق وكاني ابحث عن شخص عزيز فقدته، لم اره منذ عمر طويل، طواه الزمان بذكراه، ابحث عن ذاك الطفل الذي تركته هناك بفرحته الغامره وكبرت عنه.
اتفحص الصوره ولكنها لا تظهر كثيرا ملامح الموجودين بوضوح، وانما لا بد انني موجود هناك، فلم اكن اغادر انعقاد العيود على مدى ايامه الثلاث.
ركزت نظري على الصوره اكثر، واذا بالصوره تنبض بالحياه وتسحبني الى عمقها منتقلا الى العيود في ذلك الزمن لعام 1975، وكأن الصوره حين احست بشغفي ارادت ان اقترب من المشهد حيا لأرى ما عجزت هي ان تريني اياه، وها انا الان هناك.
تجولت في العيود باحثا عني، توقفت على مقربه من طفل صغير يشبهني يسأل عن قيمة اللعبه التي اراد شراءها، يخرج من جيبه النقود ويعطيها للبائع، يستلم اللعبه ويمضي فرحا.
إنه فعلا انا … اناديه باسمي، يلتفت ولا يرى احدا، اناديه مرة اخرى، ينظر في الاتجاهات ولا يرى احدا، على الرغم من انني كنت هناك امامه. لن يعرفني حتى لو بمقدوره رؤيتي، فكيف يعرفني وهو لم ير نفسه كبيرا في هذا العمر، فالاشكال تتغير والملامح تختلف بعامل الزمن مغيرا كل شيء. اردت ان اناديه لأقول له: ايها الصغير انا انت الكبير الذي ستكون.
ولكن لم اكرر نداءه، قررت ان اتركه لحاله قبل ان يعتقد بأني شبح من المستقبل يطارده اذا تحدثت معه اكثر، ولا داعي لأخبره بأي شيء وعن اي شيء حصل له في المستقبل، ولأدعه يستمتع بطفولته وفرحته ليكبر بهدوء وتروٍ وليشق طريقه بنفسه ليلاقي ما لاقيته من ظروف واحداث الى ان يصل الى عمري هذا سالما، وانا ايضا لو كنت مكانه لا اريد احدا ان يخبرني عما سيحصل في سنواتي القادمه خيرا كان او شرا والعياذ بالله.
وقفت انا الكبير الآتي من عام 2017 ، انظر الي وانا في ذلك العمر اليافع لا شاغل لي الا اختيار الالعاب، تغمرني فرحة الاطفال، الى ان ابتعدت شيئا فشيئا مختفيا وسط الزحام حاملا مشترياتي وبقيت انا الكبير في المكان.
وتتجمد الصوره النابضه بالحياه، ويثبت المشهد على صورة العيود في يدي مرة اخرى بعد ان عدت الى حاضري، كنت متاكدا باني كنت هناك وها انا حظيت برؤيتي حقيقة.
عيود مسقط كان مكاننا المفضل في ايام العيد، نشتري ما نريد ثم نغادر الى البيت محملين بالمقتنيات الرائعه، لنأتي في اليوم التالي من جديد بما تبقى من نقود لاختيار الاشياء التي لم يسعفنا الوقت لشرائها وللمشاركة في الالعاب المعروضه كلعبة السورتي والركوة والكيرم.
العيد كان فرحة الصغار واجزم بأنه لا يزال! وكان كل شيء يفرحنا ويسعدنا. زيارات الاهل والاقارب واستلام العيديه منهم، الملابس والاحذيه الجديده التي نرتديها في العيد، الاطعمه الفاخره كالعرسيه والهريس والقبولي والشواء .. الحلويات الخاصه بالعيد والتي تعدها الامهات كالقشاط واللدو واللقيمات والزلابيه وغيرها.
كنا ننتظر العيد ونستعد له، وتبقى فرحتنا الاكبر هي العيود عالمنا الخاص ، وننسى انفسنا في ذلك العالم ، ولا ننتبه الا على نداء الباعة في اليوم الاخير من العيود وهم ينادون بأعلى صوتهم، باقيتُه، باقيتُه.

إلى الأعلى