الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قمة كراكاس

قمة كراكاس

كاظم الموسوي

”قبل 59 عاما عُقد في مدينة باندونغ الإندونيسية (18- 24 نيسان/ ابريل 1955) مؤتمر الدول الآسيوية والإفريقية، بحضور 29 وفدا رسميا، بهدف اعلان الحركة كقوة ثالثة تحترم الاستقلال التام وعدم الارتهان لمنظومتي المعسكرين الدوليين آنذاك، الغربي الرأسمالي، والشرقي الاشتراكي.”
ـــــــــــــــــ
تعقد حركة عدم الانحياز مؤتمر قمتها القادم في العام 2015 في العاصمة الفنزويلية كراكاس، حسب اتفاق وإعلان نص عليه البيان الختامي لمؤتمر قمتها الأخير في طهران عام 2012، وبحضور اعضائها 120 دولة وعدد من المنظمات الدولية والإقليمية. وفي اجتماع وزراء خارجية الحركة هذا العام في الجزائر (27- 30/5/2014) اكد الحاضرون الموعد والاتفاق على استمرار الحوار في القضايا التي بحثت وثبتت في اغلب بيانات الختام لمؤتمري القمة ولوزراء الخارجية والممثلين الرسميين للدول الأعضاء. تميز المؤتمر الاخير لوزراء خارجية الحركة باللقاء المشترك مع مجموعة الـ 77 التي اصدرت سوية بيانها المشترك وأطلق عليه اسم “اعلان الجزائر”، الذي تعهدت فيه الحركتان بمواصلة النضال من أجل نظام اقتصادي دولي منصف وعادل، ومن اجل تغييرات ديمقراطية في المنظمات الدولية، كالأمم المتحدة ومؤسساتها الأخرى، وإقرار السلام والأمن الدوليين، وحل القضايا الساخنة والنزاعات الملتهبة بالطرق السلمية ونبذ العنف، وعن طريق الحوار الانساني وتبادل المعارف والثقافات بمستويات حضارية وخطط استراتيجية مشتركة. تضمن اعلان الجزائر خمسة موضوعات اساسية، دعا فيها إلى إصلاح منظمة الأمم المتحدة، ومحاربة الإرهاب والعنف الوحشي، وإنعاش مفاوضات حل القضية الفلسطينية، ونزع السلاح والتسلح، وتقنية الإعلام والاتصال والإعلان الخاص بالذاكرة المؤسساتية لدول حركة عدم الانحياز.
في كلمته الافتتاحية التي قرأها نيابة عنه رئيس الوزراء الجزائري عبد المالك سلال، دعا الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة دول حركة عدم الانحياز إلى أن “توحد جهودها” لمحاربة “الارهاب المتواطئ مع الاجرام العابر للأوطان”. مؤكدا ان “الارهاب المتواطئ مع الإجرام العابر للأوطان وتهريب المخدرات اصبح اليوم آفة بالغة الخطورة بالنسبة للمجموعة الدولية من حيث انه يرمي إلى النيل من النسيج السياسي والاقتصادي والاجتماعي لدولنا ويسعى تدريجيا إلى توسيع مساحات الفوضى وعدم الاستقرار كما هو الحال في منطقة الساحل”. وتابع “بات من الأهمية القصوى بمكان ان تواصل حركتنا التزامها الجماعي والمتضامن وان توحد دولها الاعضاء جهودها بغية قطع شأفة هذه الآفة العابرة للأوطان”. وافتتح سلال نيابة عن بوتفليقة الدورة الـ 17 لوزراء خارجية دول حركة عدم الانحياز، تحضيرا لقمة كراكاس في 2015. وأضاف بوتفليقة الذي لا يشارك في مثل هذه الاجتماعات منذ اصابته بجلطة دماغية قبل اكثر من سنة: ان “ما يبعث على الارتياح هو كون المجموعة الدولية أصبحت تعي مدى خطورة هذا التهديد وقررت التصدي له بطريقة منسقة وتوافقية على مستوى الأمم المتحدة وعلى المستوى الجهوي على حد سواء”. وبتركيز الرئيس الجزائري على قضايا الإرهاب الدولي وخطرها على جميع الدول وضعت هذه القضايا على جدول اعمال المؤتمر، وسبق ان عالجتها المؤتمرات المتتالية. وشددت على ضرورة التعامل معها بما ينهي اخطارها ويوحد جهود اعضاء الحركة من اجل الأمن والسلم والتنمية وحقوق الانسان.
قبل 59 عاما عُقد في مدينة باندونغ الإندونيسية (18- 24 نيسان/ ابريل 1955) مؤتمر الدول الآسيوية والإفريقية، بحضور 29 وفدا رسميا، بهدف اعلان الحركة كقوة ثالثة تحترم الاستقلال التام وعدم الارتهان لمنظومتي المعسكرين الدوليين آنذاك، الغربي الرأسمالي، والشرقي الاشتراكي. وانطلقت علامات عدم الانحياز، أو الحياد الإيجابي، والدعوة إلى طريق ثالثة تحترم الشعوب وإرادتها في اختيار أنظمتها والحفاظ علي ثروات بلدانها ورفض العنصرية والتمييز والاضطهاد. وبعدها عقد المؤتمر الاول في بلغراد اليوغسلافية عام 1961 فأعلن رسميا عن تأسيس حركة عدم الانحياز التي سيحتفل بذكرى تأسيسها الستين في كراكاس. اسهمت الحركة في تطوير حركة التحرر الوطني من الاستعمار الأوروبي والأميركي خصوصا، سواء في آسيا أو أفريقيا ولحقتها في اميركا اللاتينية. وتتميز القمة القادمة بمكانها وزمانها ايضا. اذ تلتحم شعوب القارات الثلاث المناضلة من أجل التغيير في النظام الدولي والسياسات العالمية.
اكدت قمة حركة عدم الانحياز التي عقدت في طهران عام 2012 على المبادئ الأساسية للعلاقات الدولية وركزت على الامتناع عن التهديد واللجوء إلى القوة والعمل على تسوية النزاعات الدولية بالطرق السلمية وتنفيذ الاتفاقيات الدولية التي اقرتها الامم المتحدة واعتبرت ملزمة لجميع الأعضاء بما فيها احترام دور محكمة العدل الدولية وقراراتها في حل النزاعات والالتزام بأحكامها وطلب الاستشارة منها. وهو ما اكدته في الجزائر هذا العام 2014 تحضيرا للمؤتمر القادم. كما ركزت على “أن التدابير العقابية القسرية المتخذة من جانب أحادي والتطبيق من خارج حدود الدولة لتشريعات داخلية ضد دول أخرى تحمل انعكاسات وخيمة على ترويج حكم القانون”. والاعتبار من اجراءات سابقة الحقت اضرارا كبيرة على شعوب الدول التي تمت فيها تحت اسماء حماية حقوق الانسان أو غيرها، وارتكبت بعض قوات الأمم المتحدة اعمالا تعد مخالفة للقانون الدولي الانساني اضافة إلى ارتكابات اخرى مارستها الدول الاستعمارية الغربية تحت الاسباب نفسها ضد حقوق الانسان ومصالح تلك الشعوب، ولا سيما في حالات ما سمته بالتدخل الانساني العسكري، وما لحق به من تداخلات وأفعال مخالفة للقانون الدولي وميثاق الامم المتحدة. وعكست هذه العمليات اهدافا اخرى غير ما حملته من مسميات براقة وتركت انطباعات سلبية عن دور الامم المتحدة وميثاقها وأساليب التعامل به في حالات متعددة. كما انها اعطت فرصا للدول الاستعمارية (لا سيما بعض اعضاء مجلس الأمن الدولي) لاستغلالها وارتكاب جرائم حرب وغزو واحتلال وضد الانسانية وإبادات جماعية وغيرها، الامر الذي تسعى حركة عدم الانحياز الان ان تحد منها وتضعها امام العالم وتكشفها من خلال التأكيد على اشاعة حكم القانون واحترام قرارات المحاكم الدولية ودور الامم المتحدة الاخلاقي والقانوني العام. وكذلك الانتباه الى ادوار جديدة تتمثل في الاسهام الواسع لمؤسسات اعلامية وعسكرية في التضليل والخداع وخطط العدوان، والتحريض على الفتنة والحرب الاهلية والصراعات المذهبية والأزمات السياسية وغيرها.
يؤمل ان يقوم مؤتمر القمة القادم بخطوات حاسمة وبما يتناسب مع التطورات والمتغيرات الدولية ويعطي للحركة دورا بارزا ومؤثرا في السياسات الدولية والنظم العالمية.

إلى الأعلى