الثلاثاء 26 مارس 2019 م - ١٩ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / متتالية سردية لشجرة اللبان

متتالية سردية لشجرة اللبان

-1-
أصحو من النوم كالغريب، وحيدٌ أنا مثل هذا الصباح الضاحك، الذي يأتي ليرحل، ويرحل ليتجدد، يغدق علي بزيارات يومية كصديق خيالي، ولكنك أنت حقيقة وجودي. فابتسم بخفة، وأحمد ربي، حين أتذكر أنك في حياتي اليوم أيضا، وأرسل لك في هاتفك الخلوي: صباح الخير، أحبك.
مني لك أول اهتمام، وأول كلمة ذات معنى، حين تفيق عيناك. فأنا كل يوم أول كائن حي يتنفسك صباحا.كأنك معجزة حياتي، وطاقة اندفاع في جسدي، وكأني أحيا بسحر من حبك. الأقدار خبايا، ولا أدري إن كنت مخبئا في إحداها! ولا أدري إن كنت لي؟ فالعالم ربي صانع الأقدار.كل يوم أمرر أمنية في دعاء، وأشعل دعاء في جمرِ صبرٍ متوقد، أتلو حبك على رائحة لبان، حيث تتنزل الملائكة على إثر طيبها، أنتَ تطوف كرائحة في عبق السماء، إذ ترتفع متعاليا، متجليا عقب كل صلاة.
ذات قدر جميل، وفي حفلة من تلاحم أرواح، التقينا كالحلم وبعض الأحلام تتحقق بغرابة. أنت كل زوايا الحياة وأركان العمر، ولكن حقا لا أدري إن كانت أقدارنا ترقى للقاء مصيري مقدس في يوم زفاف خالد! أتساءل، واحتار بلا جواب، إلى حين. وإن كان الرّحيل لابد منه يوما ما، فقط هذه الأيام سأتوهمك كأجمل ما يكون الوهم. كأن في عينيك بداية ونهاية لي. لحظات يومي كلها بك ولك، وهذا مسائي، في ظلام لا يأتي إلا حين تسدل جفنيك، فأنام وأنا أحضن في حلمي عينيك، وأرسل في هاتفك الخلوي: حبيبي، تصبح على خير.. أحبك.

-2-
ألغي الزفاف قبل ساعتين، كان الجميع جاهزا للابتهاج. الزينة كانت تضيء المكان، قاعة الأعراس مليئة بالحضور، كل شيء يبدو خياليا لاستقبال العروس، حتى العروس فاطمة كانت ترتدي أجمل ثوب زفاف، كان مخملا أسود مطرزا بورود كريستالية حمراء وخضراء وشفافة، كانت تزين أعلى الكتف الأيمن، على الرأس لبست غطاء شبك أخضر اللون، يشف عن تسريحة مرصعة بتاج فضي، جدة فاطمة جاوزت المائة والعشرين سنة، أطلقت خبرا، ساد المكان حزن عميق، وصمت مطبق، قالت لهم: هذا نذير شؤم، هذا نذير شؤم. وعندما سألوها: لماذا يا جدة؟ قالت لهم:كل من يتزوج في ظروف كهذه يموت في ليلة زفافه. وحدث هذا عندما كنت في التاسعة من عمري مع سعيد ومريم، ومع سلامة وبخيت لما كنت في الثانية عشرة. سألوها: ماذا نفعل إذن؟
كان العريس يبلع ريقه، في ذعر، وهو ينتظر الإجابة. كان قد حجز للسفر بعد الزواج مباشرة. سيأخذ فاطمة التي يحبها منذ الطفولة، إلى المكان الذي تحلم بزيارته، سيصطحبها إلى جزر المالديف كما خطط مسبقا. أجابتهم: أوقفوا الزفاف حالا، العروس والعريس لم يُخلقا لبعض. تردد الوالد، لكنه كان واثقا من سلامة عقل والدته ومن حكمتها، فوقوع المجمر الذّي يتمّ به تبخير العروس باللبان لطرد العين والأرواح الشريرة ليلة الزفاف، وقع على الأرض منكسرا، ومقلوبا رأسا على عقب.

-3-
نظرت الأم إلى أمير، ولدها ذي الخمس سنوات، تحثه على الكلام، كان يتلعثم كثيرا، هذه المرة فاق تلعثمه ما سبق، أمير لديه صعوبة في النطق، فهو ينطق الراء لاما، وينطق السين ثاءً، مع ذلك يبدو محببا بكل تلك البراءة التي ترافق سجيته الطبيعية، كان يفتح فمه بصعوبة ورعشة ثم يغلقه، ويحاول الكلام، ويرغب أن يقول شيئا ما، جزعت الأم وهي تراه يتأتئ، عندما كان في الثانية لم يكن ينطق شيئا، لم يتفوه بكلمة واحدة، حتى كلمة ماما لم تسمعها منه أبدا، اعتقدت أنه ربما يكون أبكم، إلى أن عالجته تلك الدكتورة الشعبية شفيعة من عوقد، كانوا يقولون إنها تمتلك قدرات شفائية ومهارات نورانية، كانت تمارس علاجا غريبا، فتكسر بيضا مثلا، أو تذبح دجاجة، أو تكوي1 في أنحاء مختلفة من الجسد مثل مؤخرة الرأس، كما فعلت بأمير. لم تؤمن بكل هذا، لكنها عندما جربت كل شيء ولم يجد نفعا، انكسرت عزيمتها، وخارت إرادتها. ذهبت إلى شفيعة، بدأ بعدها يتكلم كلمات متقطعة، وينطق ماما أخيرا، وعندها ذبحت خروفا، ووزعته على الجيران كصدقة، فرحة به، اليوم اعتقدت الأم أن ابنها رجع إلى سابق عهده. فخافت كثيرا. فجأة بدأ يشير بيده إلى فمه، ويحاول أن يدخل أصبعه إلى الداخل، ليلمس أسنانه العلوية. الأم عاونته بدورها، أدخلت يدها إلى داخل فمه، ثمة شيء ما كان ملتصقا بين الأسنان، وبعض الأسنان كانت ملتصقة ببعضها أيضا، وجدت شيئا لزجا مختلطا باللعاب. وبينما كانت تحاول إزالة الشيء اللزج المتفتت بين الأسنان، تذكرت أنها نسيت، علبة اللبان الذي اشترته من سوق الحافة، في الصالة على الأرض.

-4-
أم خلفان قالت لأبي خلفان: جيبللي لبان غاوي2، حال غازات البطن. يتذكر خميس وهو في طريقه إلى الحافة، ليشتري أنقى لبان من السوق. زوينة تشتكي من البطن، والعظام، وألم في الكلى، حتى الزكام والسعال، ومن كل شيء. خلفان يقول في نفسه: الحرمة كبرت وعجزت ومريضة، كل شي فيها خربان. ويضحك في داخله مستهزئا بها. بعدها يدخل خلفان لمحل أبي سعيد، بعد أن يسأل عن أفضل محل يبيع اللبان المطلوب، رأى محلا كبيرا مليئا بالكثير من أنواع البخور والعود والعطور واللبان. كان كل شيء مرتبا. عند المدخل هناك مجمر3. يعبق المكان بروائح احتراق خليط من اللبان والدخون. يتنسم خلفان الرائحة قائلا في نفسه: يا لله يا لله، ذي الريحة الغاوية ترد الفؤاد، نعم.
سأل الفتى الذي بالمحل: من هين ذي الريحة الغاوية، موه هذا بو حاطنها؟ فرد عليه الفتى: هذا الدخون مخلوط مع اللبان، بخمس عشرة ريالا. يالوالد. خميس تذكر المشلي4 الفردي، يود شراءه وهو راجع إلى قريات، قرر أن يمتنع عن بعثرة النقود في غير محلها. توجه للفتى وقال له: جيب شوية أجرب من أحسن نوع؟ أشار إليه، في مقدمة المحل، ثمة أكياس مملوءة بلبان يبدو ناصع البياض، مكتوب الحوجري على ورقة ملصقة بيضاء، خميس تذكر زوينة وهي تقول له: جيبلي الحوجري، يقولوا عنه يداوي الأمراض كلها بو فيني. خميس فكر أن يتأكد من نقاء اللبان، وهل هو أصلي بالفعل كما قيل! تناول قطعة صغير بين يديه، حاول أن يكسرها باستعمال سنيه الأماميتين، عندما أزال اللبان من فمه، وجد السنة العلوية مكسورة، وملتصقة بالقطعة الصغيرة من اللبان التي كان يقيس صلابتها.

-5-
هذا الرجل الشيخ المعالج يسكن بعيدا جدا، عاليا فوق سفح جبل، ثمة بيت مزر لا يليق بالسكن، يقولون عنه إنه قارئ قرآن، ومنهم من يقول إنه مشعوذ، والبعض يقول عنه ساحر، يطلب الكثير من اللبان والبخور والمسك والعطور، مع ذلك يوحي شكله بالقذارة، ورائحته بالنتانة، دشداشته التي يلبسها تبدو صفراء، تحولت من البياض إلى هذا اللون المنفر المصفر، وشعره يبدو مغبرا ومعفنا.
الوالدة فتحية جارة منير ترجته أن يوصل الطلبية إلى الشيخ المعالج، قال إنه سيعالج ابنها المريض، كان مصابا بالكساح عندما كان صغيرا، ثم تحول مقعدا لا يتحرك، عظامه لا تقوى على حمله. الشيخ وعدها بأن يعالجه لو أحضرت له أطنانا ثمانية من اللبان.ها هي الشاحنة مليئة بما يطلبه، باعت فتحية آخر خلخال تمتلكه، من أجل دفع مال اللبان الذي ستقدمه للشيخ، منير تعاطف مع فتحية وابنها، وانصاع لطلبها بأن يوصل الشحنة، فقاد الشاحنة، وهو يمشي بين الطرقات المعرجة، والسكك الضيقة، كان الطريق جديدا عليه، تأخر كثيرا، كان المكان بعيدا، يمر على وديان، المطر تساقط بغزارة ذاك اليوم. كان الشتاء قد بدأ.
الشيخ يتصل بفتحية، يقول لها: احتاج اللبان حالا، طقوس العلاج يجب أن تتم تحت المطر. ثم يتوعدها، ويهددها، فتحية تتصل بمنير ليسرع، منير يقود السيارة بأقصى سرعة، المطر كان شديدا، الطرقات أصبحت حلبة تزحلق، الشاحنة انقلبت في الطريق. منير لم يسلم الطلبية إلى الشيخ في الوقت المحدود، لكنه أسلم روحه إلى السماء. في تلك البقعة ما زالت تفوح رائحة اللبان كلما مر بها عابر.

-6-
اليوم تتويج الأميرة الصغيرة ملكة على البلاد، هي جديرة دون بقية أخواتها الخمسة الأكبر منها سنا، ولم يكن الاختيار عليها قائما على اعتبار أسطولها البحري الضخم الذي يجوب البحار، ولا لجمالها الشديد المبهر، ولا لشعرها الذي لم تضطر لقصه؛ لتحد من القمل الذي يصيب الجميع في بلدها. بل بسبب تنبئها الأخير بقدوم الفيضان الكبير الذي كاد أن يودي بحياة الجميع، ويتسبب في جرف الأراضي وضياع المحاصيل والزروع، فوجود نهر كبير في البلد بضفتيه، كفيل بإعالة الشعب وحمايته. الأميرة منذ الصغر مولعة بالعلوم، أتقنت الفلك، وأصبحت عرافة خبيرة، تتكهن بما لا يتكهن به كبار الكهنة، وتسبق الجميع في ابتداع الحلول للأزمات التي تمر بها البلاد. كل ذلك جعلها الأجدر بخلافة والدها الملك.
كانت الطقوس على أهبة الاستعداد، فقد تم ذبح القرابين، وجلب الفرق الموسيقية الراقصة للاستعراض. وبينما البلاد في خضم الاحتفال بتتويج الأميرة، وردهم خبر الأسطول البحري الذي ظل طريقه، وأُشيع بأنه غرق، وهو قادم من بلد بونت، كان في مهمة جلب اللبان من أجل طقوس التتويج، تلك الطقوس التي تتطلب الكثير من روائح الطيب واللبان الذي يجذب الأرواح الخيرة التي تظلل الملكة بالحماية والقوة والقدسية، حيث يقولون أن خبر التتويج يجب أن ينشر في الأرجاء محمولا في أدخنة عبقة لتنتشر طيبة الملكة الجديدة وسيطرتها، ولكن الأميرة لم تتنبأ بأزمة كهذه، فرحتها أنستها الدسائس التي قد يكيدها لها أخواتها.
بريئة هي كالأطفال، الابتسامة لا تكاد تفارق شفتيها، ودودة، طيبة، ولكنها لا تثق بأحد، تجهل مدى جمالها الحقيقي، فعيناها أجمل ما فيها، عسليتان، واسعتان، يكاد أن يغرق كل من يراهما. ولكن تخفيهما وراء أكبر نظارة طبية حاجبة، يمكن أن تجدها في السوق، لها إطار أسود قاتم أضاف إلى سنها خمس سنوات فائضة، صغيرة السن، ولكنها تعاني من ضعف نظر وراثي، هي من أهالي الجبل، ولكنها انتقلت إلى العاصمة مسقط من أجل الدراسة، كانت متخوفة في بداية الأمر، لكنها سعيدة الآن، تعودت على الحياة هنا. نادرا ما تصدر صوتا، تبدو غير مرئية أحيانا، لا يمكن ملاحظة وجودها بين ثلاث طالبات، صامتة في أغلب الأوقات. في الغرفة زميلتها المقربة من نفس المنطقة، تتحدث بلا توقف، وتثرثر بحماس دائما، مؤخراً بدأت تستعمل عدسات لاصقة ملونة تبدو مختلفة وجميلة جدا. نصحتها باستبدال عدسات طبية بدل نظارة الجدات تلك. تبتسم وترد قائلة: لا أعرف كيف استخدمها! ولكن في قرارة نفسها كانت تتمنى (النيولوك).
ومع الإلحاح المستمر، والرغبة الخجلة بداخلها، اشترت عدسات لاصقة، وجربتها، ياه، اكتشفت فعلا إن لها عينين كبقية الناس، تبدو الآن أجمل! ذهبت إلى الكلية بعينين وملامح مختلفة، الكل يراقبها وكأنها طالبة جديدة. دخلت القاعة، إلى الطاولة التي في الزاوية، حيث يمكنها أن تتوارى خلف صف طويل من الطلبة والطالبات، تكتفي بالاستماع، وتسجيل الملاحظات مثل كل يوم. ولكن ما بال الجميع يبتسم كثيرا اليوم؟ أهو اليوم العالمي للابتسامة؟ أم ماذا؟ اليوم تبدو النظرات لها مطولة!
بدأ الدرس، وتكلم الأستاذ مشيرا لها: هدى ما رأيك في حل هذه المعادلة؟ فتحت عينيها باستغراب، وأطبقت فمها بلا حراك، منذ متى يعلم المدرس اسمها؟ وهذه أول مرة يتكرم ويدعوها للمشاركة! ردت بثقة، وكانت ترى كل الحروف والأرقام الصغيرة في السبورة. نالت إعجاب الجميع، فجأة ظهرت من حيث لا تدري جدتها، وفي يدها مبخرة يتصاعد منه اللبان المحترق، تقول: بسم الله عليك، ربي يحفظك من العين. كما كانت تفعل عندما كانت صغيرة، وقبل أن تلبس النظارات.

إشراق عبدالله النهدية

إلى الأعلى