الأحد 21 أبريل 2019 م - ١٥ شعبان ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / المحليات / تاريخيات : ماذا حدث في أواخر دولة اليعاربة ؟؟

تاريخيات : ماذا حدث في أواخر دولة اليعاربة ؟؟

د. محمد بن حمد الشعيلي باحث في التاريخ العماني m-alshuaili@hotmail.com
تعتبر دولة اليعاربة (1624 – 1743)من الدول التي خلدت ليس في التاريخ العماني فحسب، إنما في تاريخ الخليج وتاريخ العرب بصفة عامة، بحكم أنها الدولة التي نجحت في طرد البرتغاليين من عمان مروروا بسواحل الخليج والساحل الغربي للهند وصولا إلى شرق أفريقيا.
كما كان لهذه الدولة العديد من الانجازات في مختلف المجالات سواء العلمية والحضارية والاقتصادية والعسكرية وغيرها من المجالات التي حققت فيها دولة اليعاربة الشيء الكثير لها ولعمان.
ولكن للأسف فإن النهاية التي آلت إليها هذه الدولة لا تتناسب أبدا مع حجم المكانة التي حققتها أو مع الانجازات التي سطرتها طوال الـ 120 عاما من عمرها التي حكمت من خلالها عمان والعديد من المناطق الأخرى، وكأن لسان الحال يتماشى مع ما قاله الشاعر الأندلسي أبو البقاء الرندي في رثاء ألندلس:
لِـكُلِّ شَـيءٍ إِذا مـا تَمّ نُقصانُ
فَـلا يُـغَرَّ بِـطِيبِ الْعَيْشِ إِنسانُه
هيَ الأُمُـورُ كَما شاهَدْتَهَا دُوَلٌ
مَـنْ سَـرَّهُ زَمَـنٌ سَـاءَتْهُ أَزْمَانُ
وَهَـذِهِ الـدَّارُ لَا تُبْقِي عَلَى أَحَدٍ
وَلا يَـدُومُ عَـلَى حَالٍ لَهَا شَانُ
ويعتبر عصر الأئمة الخمسة الأوائل من هذه الدولة هي بمثابة عصرها الذهبي، بداية بالمؤسس ناصر بن مرشد مرورا بخلفه سلطان بن سيف الأول وابنيه بلعرب وسيف وانتهاء بسلطان بن سيف الثاني.
ولكن بعد وفاة الإمام سلطان بن سيف الثاني في ابريل من عام 1719م دخلت الدولة ودخلت معها عمان مرحلة خطيرة جدا، أشبه بالنفق المظلم الذي لم ترى النور في نهايته إلا بخسارة الدولة وانتقال الحكم إلى أسرة آلبوسعيد بزعامة الإمام أحمد بن سعيد.
وتتمثل بداية الشرارة التي أطاحت بحكم اليعاربة عندما أصرت الكثير من القبائل على مبايعة ابنه سيف من بعده، والذي كان صغيرا لم يبلغ الحلم، حيث كانت بعض المصادر تقدر عمره بأنه لم يكن يتجاوز الثانية عشر، وهو بالطبع سن صغيرة لا يقوى معها مقابل التحديات التي كانت تواجه عمان في تلك الفترة.فرفض ذلك العلماء والوجهاء وأهل الحل والعقد ورؤا بأن ذلك لا يتماشى مع العقيدة الأباضية، وفضلوا أن تؤول الإمامة إلى مهنا بن سلطان بن ماجد اليعربي، لاقتناعهم بأنه يمتلك الكثير من الإمكانيات التي يمكنه من خلالها مواصلة تألق الدولة من بعد الإمام سلطان بن سيف الثاني.
وأمام هذه المعضلة وهذا الانقسام تدخل القاضي عدي بن سليمان الذهلي قاضي الرستاق والمقدم فيهم، وأدخل سيف الصغيرحصن الرستاق وخطب بين أنصاره “هذا سيف بن سلطان أمامكم (بفتح الميم)، في الوقت الذي كان يفترض (حسب تصور أنصار سيف) أن ينطق الهمزة تحت الألف لتصبح إمامكم”فساد الاعتقاد بأن سيف قد بويع بشكل رسمي فارتفعت أصواتهم بالترحيب وأطلقوا المدافع فرحا بهذه المناسبة وانتشر الخبر في عمان بتنصيب الإمام الجديد. بينما أدخل المهنا بن سلطان حصن الرستاق ليتم مبايعته بالإمامة في مايو من عام 1719م.
وترتب على ذلك وجود إمامين في الوقت نفسه، وهما سيف والمهنا، وبالرغم من أن الإمام المهنا قام بالكثير من الجهود في سبيل الإصلاح وتقوية الاقتصاد العماني وكان يمتلك الكثير من الامكانيات في شخصيته التي تجعله يستحق الحكم وسيرته الحسنة، إلا أن ذلك كله لم يشفع له، ولم تستمر إمامته أكثر من سنة واحدة عندما خرج عليه يعرب بن بلعرب بن سلطان، وبعد سلسلة من المناوشات العسكرية تمت محاصرته في قلعة الرستاق، وطلب منه الاستسلام مقابل أن يأمن على حياته وحياة من معه، فصدق ذلك مقدما النوايا الحسنة، ولكن من أن نزل من القلعة حتى قبض عليه وتصفيته هو من معه في مشهد غير أخلاقي أبدا ولا يرتبط بالانسانية، فكيف يؤمن الأسير على حياته ومن ثم يتم إعدامه بكل برودة دم ؟!
ومن ثم بدأ مسلسل الوصاية على سيف الصغير، وهو المسلسل الذي سيظهر حجم الانقسام في صفوف اليعاربة والعمانيين والطمع في الحكم، فقد أعلن يعرب بن بلعرب كوصيا على سيف وقائما بأمره، واعترف به بذلك، ولكن الأمور تطورت إلى ماهو أبعد من ذلك عندما تمت مبايعته إماما من قبل عدي الذهلي في مايو من عام 1722م، ولم يتقبل أهالي الرستاق ذلك، لأن الاتفاق كان ينص على أن يكون يعرب وصيا على سيف لا أكثر، فخرج منها إلى نزوى بهدف أن يتخذها مقرا لحكمه وعاصمة له.
وأمام هذه التطورات ظهرت شخصية يعربية أخرى وهي شخصية بلعرب بن ناصر خال سيف الصغير، الذي طلب منه أن يعيد الأمور إلى نصابها وبأن ينتصر لسيف، ووعد بتقديم العون والمساندة له بهدف تحقيق ذلك. وبدأ بلعرب نشاطه بعقد تحالف مع بني هناءة للوقوف معه ونصرته فيما كان يسعى إليه مقابل أن يرفع عنهم ماحجر من أموالهم وقوتهم منذ عهد الإمام ناصر بن مرشد.
وبدأت المناوشات العسكرية بين الطرفين، وتمكن بلعرب وأنصاره من السيطرة على مسقط ونخل وسمائل وإزكي وإلحاق الهزائم بيعرب وحلفاءه، مما أدى في النهاية إلى إعادة سيف للإمامة من جديد، وتعيين بلعرب بن ناصر وصيا عليه، بعد أن وافق يعرب عن التخلي عن الإمامة مقابل الأمان وعدم التعرض له، فأجيب طلبه ليخرج من نزوى ويستقر به الحال في حصن جبرين الذي بناه والده الإمام بلعرب بن سلطان رحمه الله.
وبعد ذلك دخلت عمان مرحلة من الهدوء، ولكنه هدوء لن يستمر طويلا ولن يدوم أكثر من شهرين، عندما اضطربت الأمور من جديد وحدث خلاف بين الوصي بلعرب بن ناصر وبين محمد بن ناصر الغافري زعيم بني غافر، ولا يعرف الأسباب الحقيقية وراء هذا الخلاف، وفسره البعض بأن محمد بن ناصر لم يجد الاستقبال الذي يليق به والحفاوة التي كان ينتظرها أثناء دومه للرستاق للتهنئة بمناسبة إعادة سيف للإمامة ووصاية بلعرب عليه، وتخوفه من انحياز بلعرب إلى بني هناءة على حساب بني غافر، فخرج من الرستاق غاضبا، ولكن هذا الغضب لم يكن كافيا بالنسبة له، فأعلن الحرب على بلعرب بن ناصر، وبالتالي بدلا من أن يكون الاحتفال بإعادة سيف للإمامة بداية جديدة تشهد معها عمان الاستقرار والهدوء، إذ بها تكون انطلاقة أخرى للانقسام والاضطرابات العسكرية والتحزبات القبلية وغيرها من الأمور التي سيكون لها تداعيات خطيرة على مستقبل البلاد والعباد.
وبدأ محمد بن ناصر الغافري في ترجمة نواياه ونجح في تكوين تحالف ضد بلعرب بن ناصر ضم العديد من القبائل بقيادة يعرب بن بلعرب الوصي والإمام السابق، وبدأت المناوشات العسكرية بين الطرفين أخطرخا ماحدث بينهما في إزكي وفي فرق، لتأخذ الأمور منحى متصاعد، ويتجه محمد الغافري إلى الرستاق ويفرض عليها حصارا استمر خمسة وأربعين يوما، لينجح بعدها في السيطرة عليها بعد استسلام بلعرب بن ناصر وأسره وسجنه.
وكان من أهم التطورات في هذا الموضوع هو وفاة يعرب بن بلعرب في مارس عام 1723م، بعد أن اشتد عليه المرض، وهو الأمر الذي ترتب عليه أن تؤول الأمور بشكل مطلق إلى محمد بن ناصر الغافري ويصبح الشخصية الرئيسية في مجريات الأحداث التي كانت تعصف بعمان آنذاك.
كانت الخطوة التالية هي إعلان محمد بن ناصر وصيا على سيف الصغير، ليكون بذلك الوصي الثالث بعد يعرب بن بلعرب، وبلعرب بن ناصر، وهنا يطرح سؤال مهم وهو لماذا فضل أن يكون محمد بن ناصر وصيا على سيف وليس إماما بشكل مطلق؟
يعود ذلك إلى رغبة محمد الغافري إلى أن يظل سيف بن سلطان في الواجهة على أن يتستر وراء ذلك لممارسة سلطته في البلاد، وإحكام قبضته بالتدريج، دون أن يتعرض لاتهامات بمطامعه في الحكم والانفراد به، وأصدر أوامره إلى الولاة والحكام وخيرهم بين إعلان الولاء له أو تسليم مفاتيح مدنهم إلى الولاة الجدد الذين سقوم بتعيينهم، كما قام بتعزيز قواته وإضافة العناصر النزارية لها علاوة على التحالف مع الشيخ رحمه بن مطر بن كائد الهولي بهدف مده بالرجال وبالسلاح، وكان محمد بن ناصر يهدف من وراء ذلك كله إلى تعزيز موقفه أمام خصومه ، لأنه كان يدرك بأن سكوتهم لن يستمر طويلا.
وهذا ما تحقق بالفعل، عندما أعلن الشيخ خلف بن مبارك الهنائي زعيم بني هناءة والمعروف بالقصير إعلام الحرب ومعارضة طموحات محمد بن ناصر، حتى يحول دون سيطرة الغافرية على شؤون الإمامة، وشكل تكتلا قويا من القبائل اليمنية والنزارية، فاستولى على بركاء ومسقط، وتصاعدت الحرب بين الطرفين وتمكن محمد بن ناصر من تحقيق الكثير من الانتصارات والمكاسب العسكرية في بركاء وينقل والسليف والمضيبي وبلاد سيت والحزم ومنح ونخل وبركاء، ولكن ذلك لم يثن من عزيمة خلف بن مبارك الذي واصل عملياته العسكرية فتمكن من الاستيلاء على الرستاق ونخل، وعزم على المسير إلى الحزم، غير أن محمد بن ناصر تمكن من إحباط ذلك .
يتبع،،،

هوامش :

للمزيد حول هذا الموضوع، يمكن الاطلاع على الكتب والدراسات التالية:
1- كشف الغمة الجامع لأخبار الأمة، لسرحان بن سعيد الأزكوي.
2- دراسات في التاريخ العماني، لسعيد بن محمد الهاشمي.
3- الإمامة والصراع على السلطة في عمان أواخر دولة اليعاربة، لسيف بن عدي المسكري.
4- الحرب الأهلية العمانية 1718-1753م، لمحمد حسن العيدروس.

إلى الأعلى