السبت 23 مارس 2019 م - ١٦ رجب ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الصحف الورقية في عثرة ومأزق والجميع يتفرج

الصحف الورقية في عثرة ومأزق والجميع يتفرج

فوزي رمضان
صحفي مصري

”دائما كانت الصحافة الظهير والسند والمناضل مع حكومات الدول لبسط خططها والترويج لمشاريعها التنموية، في الوقت نفسة كانت المرآة للمجتمع عبر إيصال طموحات الشعوب وآرائهم وطرح مشاكلهم للسلطات العليا أملا في حلها، وكم نجحت كثيرا في ذلك، والآن بعد أن هزمها الزمن وجارت عليها الحداثة، زاغ عنها الجميع،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في تاريخ عالم الصناعة لم تتأزم وتصعب صناعة منتج، مثلما حدث لصناعة الصحافة، تلك المهنة أو الحرفة التي ذاق أصحابها الأمرين، فإن تغلبوا على بدائية آلات الطباعة بضخ الأموال الطائلة للتطوير والتحديث ومصارعة الوقت ومكابدة المشاق للوصول إلى القارئ، فإنهم في ذات الوقت لم يأمنوا جانب رقابة الحكومات والمساءلة والعقاب، إنها مهنة صناعة المصاعب والمشاكل والهموم، وإن نجحت ونجت تصنع المجد وهي تنزف الدماء.
دائما كانت الصحافة الظهير والسند والمناضل مع حكومات الدول لبسط خططها والترويج لمشاريعها التنموية، في الوقت نفسة كانت المرآة للمجتمع عبر إيصال طموحات الشعوب وأرائهم وطرح مشاكلهم للسلطات العليا أملا في حلها، وكم نجحت كثيرا في ذلك، والآن بعد أن هزمها الزمن وجارت عليها الحداثة، زاغ عنها الجميع، حتى حكومات الدول باتت تدير لها ظهرها وتتكاسل في نجدتها، فكيف تواجه الصحافة الورقية؟ محنتها وكيف تخرج من عثرتها؟، وأين تذهب تلك الاستثمارات الهائلة التي ضخت في مطابع عملاقة ومعدات وأجهزة حديثة ومبانٍ شاهقة؟، بل أين تذهب بالآلاف من العمال في كافة أقسامها؟ والجميع على حافة الهاوية والتشرد. كيف تصارع الصحافة الورقية همومها؟، وكيف تخرج من منحدر السقوط القادم لا محالة؟ بعد الأزمات الاقتصادية والنزاعات السياسية التي تعصف بمعظم الدول فتقلصت مبيعاتها إلى أقل من النصف، وتبخر الدعم الأساسي من الإعلانات إلى معدلات مخزية فأين المفر؟، فمن اشتراكات هزيلة وتوزيع متدن وإعلان شحيح، ترهقها أيضا مصاريف باهظة ومسئوليات جسام.
وليعلم الجميع أنه لم ولن تموت مهنة الصحافة ولكن ….. يمكن أن نطلق على تلك المرحلة بالإصلاح أو مرحلة الانتقال أو عملية التكييف أو التحديث، وكما يعلم الجميع أن معظم الصحافة الورقية، صحافة مسؤولة تخضع للمساءلة والعقاب، تحاول قدر المستطاع تحري الصدق والأمانة، حيث يخضع رئيس تحرير المطبوعة وبحكم القانون والمسئولية المهنية للمحاكمة عن أي حرف ينتهك حدود سياسات الدولة، عكس الفضاء الالكتروني فمن الغش والسرقة والتدليس والكذب والفبركة إلى انتهاك الأعراض وازدراء الأديان وتعميق العنصرية والكراهية وإلى جلب الفتن والمفاسد.
حري بالدول أن تأخذ بيد الصحافة الورقية واعتبارها واجهتها ومعلما من معالمها، حيث إن الصحافة الورقية الملموسة والعينية في شكلها التقليدي جزء لا يتجزأ من شخصية الدولة وعنوان لحضارتها ورقيها، فلا بد من الجذور في أرض الواقع كشكل مادي ملموس له شخصية اعتبارية ورئيس تحرير مسئول مباشرة أمام السلطات المحلية عن كافة أشكال النشر والمسألة، ولا مانع بعد ذلك أن تطلق نفس الصحيفة منصتها الإعلامية في فضاء عالم الانترنت الرحب لمواكبة التطور الرقمي المذهل..
والخطأ كل الخطأ أن تترك الدول صحفها تتقلص يوما بعد الآخر، ويشرد آلاف العمال وتغلق مئات الوظائف ، فلا بد من هذا من رد الجميل لملاك الصحف واستثماراتهم تضيع أمام أعينهم وكفاح عمرهم وتعبهم ينهار أمام أعين الحكومات ولا تنقذهم وتأخذ جانب المتفرج، وإذا لم تفعل ذلك عليها من باب (مليش دعوة) أن تغلق معها معاهد وكليات الصحافة والإعلام ومراكز تدريب الصحفيين وتأهيلهم، وتترك الساحة للهواة وصحفيي الشوارع ومدعي العلم والمعرفة يعبثون ويلهون على مواقع التواصل الاجتماعي. فلم تكن حاجتنا للصحافة الورقية أقل من الاهتمام الأميركي بتلك الأزمة والتي تصعدت إلى مجلسي الشيوخ والنواب الأميركيين، وتم تخصيص جلسات استماع ومناقشات مستمرة طغت على استجوابات الصحة والضرائب فالأمر جد خطير، ولا بد من الوصول للحلول المناسبة فلا تقل خدمات الصحافة للدولة عن خدمات التعليم والصحة، وكما ترعى وتحمي تلك المنظومتين، يجب عليها أن تساعد وتساند الصحافة الورقية ولا تتركها للانهيار والمصير الأسود. إن العالم يشهد وبشكل مستمر خروج كبريات الصحف العالمية العملاقة من المنافسة، لتنزوي في شكل موقع الكتروني على النت، كما حدث لصحيفة الاندبندنت البريطانية العملاقة، بعد ثلاثين عاما من الإصدار المستمر، كونها لم تصمد أمام التطور التكنولوجي وارتفاع أسعار الورق والمطابع وتناقص أعداد التوزيع، مما اضطرها إلى إغلاق أبوابها وتسريح صحفييها، وفي مسار سباق انتحار الصحف الورقية، تنتظر صحيفة الواشنطن بوست ومجلة النيوزويك ومعها العديد من أسماء الصحف العملاقة والشهيرة في كل العالم المستقبل المظلم .. مما حدا بتلك الصحف إلى الدعوة لوضع خطة مارشال لإنقاذ الصحافة الورقية، بل وإرسال الدعوات إلى صناع وعمالقة الانترنت، للمساهمة في دعمهم، كون محركات البحث هي المستفيد الأكبر من وضع الصحف على منصات الانترنت.
إذًا لا بد من إيجاد الحلول وهو ليس بالأمر الصعب ولا بالأمر الهين أيضا، ولكن من الظلم وكل الظلم أن تترك الصحف الورقية تواجة المصير الأغبر …. تواجه الدمار والانهيار…. تواجه المجهول وحدها …….. والجميع يتفرج.

فوزي رمضان
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى