الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن.. الأخـوة الإيمانية (5)

شـذرات مـن هـدي القـرآن.. الأخـوة الإيمانية (5)

إقـبالك إلـى الله بالـتـضرع والـدعـاء، سـيبقى مسـتـمراً سـواء حـصـلـت الاسـتجابة أم لم تحـصـل

أمـر الله عـبـاده بالـدعـاء دون أن يحــدد لهـم المسائل التي ينـبغي أن يسألـوه إياهـا

الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسـلام عـلي سـيـد الـمـرسـلـين وخـاتـم الأنبياء والـمـرسـلـين وعـلى آلـه وصـحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد :
فـلا زال الحـديـث مـوصولاً عـن الأخـوة الإيمانية: وإن مـن أبـرز مـظـاهـر سـوء الأدب مـع الله في الحـالة الأولى، أنـك إن لم تجــد الاسـتجـابة التي تـنتـظـرها، تهـتاج في رأسـك الشـكـوك في رحـمة الله، التي وسـعـت كل شيء ووعـده الـذي لا يخـلـفه، لأن الله لا يخـلـف الـمـيعـاد، وتـثـور بـين جـوانحـك مشـاعـر الـتأفـف والـتـضـجـر مـن أنـك لـم تصـل إلى ما تـبتغـيه مـنه، وعـنــدئـذ تـمـل مـن الـدعـاء وتعـرض عـنه، والله لا يـمـل مـن الـدعـاء وتقـديـم طـلباتـكـم.
وإن مـن أبـرز مـظـاهـر حـسن الأدب مـع الله تعالى في الحالة الـثانية، أن إقـبالك إلـيه بالـتـضرع والخـشـوع والافـتـقـار والـدعـاء، سـيبقى مسـتـمراً سـواء حـصـلـت الاسـتجابة أم لم تحـصـل، لأن يـقـينـك بحـكـمة الله ورحـمته، مـع حسن ظـنـك به يـظـل راسـخـاً في كل مـن قـلـبـك ونفـسك، أيا كانت الأحـوال التي تـواجـهـك بـعـد الـدعـاء، ذلك لأنـك إنـمـا تـدعـوه إشـباعـاً واعـترافـاً لـمـشـاعـر عـبـوديـتـك لـه سبحانه وتعالى، واستجـابة لأمـره الصـادر مـنه إلـيـك، لا تقـصـد بـه أداء لتحـقـيـق رغـباتـك والـوصـول به إلى مـبتـغـيـاتـك.
ثـم إن الأدب الــذي يـلـفـت نـظـرنا إلى التحـلي به، في مـعـرض السـؤال أو الطـلب والـدعـاء، تـتفـاوت درجـاته إقـبالاً وإدبـاراً، وأدنـاهـا مـا قــد ذكـرته لك مـن اشـتغـال العـبـد بـمـا قـد طـلـبه الله مـنه، قـبـل أن يشـغـل نفـسه بعـرض مـتـطـلـباتـه ورغـباته عـلى الله، وطـلـبها مـنه، ثـم أن يجـعـل دعـاءه اسـتجابة لـرغـبات نفـسه وإلحاح في تحـقـيـق احـتياجـاته، غـير أن ثـمة درجـات أعـلى في سـلـم الـتأدب مـع الله، لا يـدركها أصحاب الـمـراتب العـالـيـة في الـقـرب مـن الله عـز وجـل، ألـفـت نـظـري ونـظـرك إلى بـعـض منها، لـعـل الـتـوفـيـق الإلـهـي ييسـر لـنـا السـبـيـل إلى التحـلي بها.
ومـن أهـم وأعـلى درجـات الأدب مـع الله في الـدعـاء، ألا تـطـلب مـنه إلا الـعـون والـتـوفـيـق لـلـقـيام بـما قـد طـلـبه هـو مـنا، وسـبيـل ذلك أن يـفـيض قـلبك ثـقة بحـكـمة الله ورحـمته بـك، ومـن ثـم تـرقى إلى درجـة التـسلـيم لحـكـمه، وعـنـدئـذ تغـنيـك الثـقة به عـن عـرض مسـألـتـك عـلـيه، ويغـنيـك الـتسلـيم لحـكـمه عـن الاهـتمام بـدنياك الـفانية ومعـايـشـك الـقـلـية.
ولـوعــدت إلى نـفـسك فـسـتجـد أن هـمـومـك قـد غــدت محـصـورة في انجـاز الأوامـر التي طـلبها الله مـنـك، وهي مـتفـاوتة بـين درجـات العـسـر واليـسـر والـرغـبة والـرهـبة، وأشـقـها تـلك الأوامـر الـمـتعـلـقـة بـتـزكـية الـنفـس وتطـهـيرهـا مـن أوضارها وأمـراضها الكـثـيرة .
فـلا يـكـون لـك عـنـدئـذ هـم أو غـرض تـرحـل بـه إلى الله إلا بالـتـضـرع والـدعـاء، أن يكـشـفـه عـنـك، إلا هـم الـتـوفـيق للقـيام بالأعـمال التي طـلبها مـنـك عـلى الـوجه الأتـم، وبالطـريقة التي يـقـبلها مـنـك، ذلك لأنه جـل جـلاله في الـوقـت الـذي تكـفـل لك فـيه بـشـؤون دنيـاك، طـالـبـك بشـؤون ديـنـك، وأسـلـمـك مـن ذلك إلى طـريـق وعـرة صـعـبة مـن مجـاهــدة نـفـسك، وإنـما الـذي يـزيـل صـعـوبة الطـريـق ويـسـهـلها لـك، هــو الـتـوفـيـق مـن الله تعالى،وسـبيـل الـتـوفـيـق الـتـضـرع والـدعـاء والافـتـقـار إلـيه.
ومـن أهـم وأعـلى درجـات الأدب في أمـر الـدعـاء، أن تنمحي ضـرورات الـعـبـد وما يسمى بحـالات الاضـطـرار، التي قـد يـمـر بها الإنسان في غـمار ثـقـتـه بالله تعالى ومـا يخـتاره لـه لـعـلـمـه وحـكـمته ورحـمته به، ذلك لأن العـبـد إذا اشـتـدت ثـقـته بحكـمة الله ورحمته به، يحيـل كل ما قـد ينتابه مـن حالات الاضطـرار إلى حكـمة الله ورحمته به، ويسـلـم أمـره إلى مـن هـو أشـد رحـمة به مـن نفـسه فـيمنعـه ذلك مـن أن يشكـو إلـيه ضـره، لأن الله سبحانه وتعالى أعـلـم بحـاجـات العـبـد وما يصـلحه في الـدنيا والآخـرة، فـلـذلك يـمتنع مـن أن يسأله ما يظـن أنه هـو خـير لـه، بـل إنـه لـيحـذر مـن أن يسأل الله شـيئا يظـن فـيه نجـاته وسـعادته خـوفاً مـن أن يـكـون ذلك الشيء ظـاهـره خـير وباطـنه وحقـيقـته مـبـعـث بـلاء له، فـيسكت ويسلـم أمـره لـمـن يعـلم أنه حـكـيم وأنه أرحـم به مـن نفـسه.
ومـا يلـزم لتحـقـيقها، ولـقـد كان خـليـل الـرحـمن سـيـدنا الـنبي إبـراهـيم عـلى نبينا ـ عـليه الصلاة والسلام ـ واحـداً ممـن تـبـوأ هـذه الـمـرتـبة في حـسن الأدب مـع الله، فـقـد روى البخاري في صحيحه أنه لـما وضـع سـيـدنا إبـراهـيـم في الـقـاذف (الـمـنجـنـيـق) لـيـلـقى في الـنـار انتقـاما ً لآلهتهم، وعـمـد إلـيـه جـنـود الـنـمـرود لـيـلـقـوه فـيها، لـم يــزد عـلى أن قال:(حسبي الله ونـعـم الـوكـيـل).
وإن بـوسـعـك أن تـلاحـظ أنه إنمـا قـالها، تأكـيـداً لـثـقـته بحكـمة الله تعالى ورحمته به، واسـتسـلاماً لـقـضائه الـذي لا يشـك في أنه هـو لا غـيره يحـقـق الخـير له، ولـم يـقـلها تـبرما لـمـا هـو فـيه، ولا يـعـتبر ذلك أسـلـوباً مـن أسـاليـب الـرجـاء والـدعـاء ولـعـلـك تـقـول: أفـلـيـس هـذا الـمـوقـف مـنافـياً لـما قـد أمـر الله به عـباده مـن أخـذ الأسـباب والـتـوجه إلـيه بالـمسألة والـدعـاء وفـصـل الخـطاب؟.
والجـواب أن الله أمـر عـبـاده بالـدعـاء، دون أن يحــدد أو يبين لهـم المسائل التي ينـبغي أن يسألـوه إياهـا ويـدعـوه بهـا، ألا تـرى أنه قال لهم:(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ..) (غـافـر ـ 60)، فـحـذف الـمـفـعـول الـثاني لـ (ادعـوني)، كي يتخـير الـعـبـد رغـائبه التي يحـب أن يسأل الله إياها، ويتـقـدم إلـيه بالـرجاء في إنجازها وتخـتـلـف رغـائب العـبـد وتـتـفـاوت لـديه أهـميـتها، وحـسب الظـروف التي تحـيـط بالعـبـد الـداعي، وتكـون كـذلك حسـب درجـة قـربه مـن الله وثـقـته به، وعـلى قـدر تـعـلـقـه بالــدنـيـا أو انصـرافـه عـنهـا.
والـمستـغـرق في رغـائبه وأهـوائه الـدنـيـوية، يجـعـل مـن رغـائبه تلك قائمة متـطـلباته ودعـائه، كـلـما أراد أن يتجـه إلى الله بالـدعـاء، ثـم إن تعـلقه بتلك الـرغـائب الـدنـيـوية يتـناقـص، كلـما ازداد تعـلـقـاً بالله سـبحانه وتعالى ومحـبته له إذ تـتـحـول رغـائبه إلى ما يـزيـده قـرباً مـن الله ورضا مـن الله عـنه، ويعـبر ذلك مـن أمـور الطاعة وأسباب السـعـادة الأخـروية، إلى أن يـرقـى إلى الـدرجـة التي يـتبـوأهـا أولـو الـعـزم مـن الـرسـل.
.. وللحـديث بقـية.

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى