الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / النفس الإيمانية وفرحة العيد (2 ـ 2)

النفس الإيمانية وفرحة العيد (2 ـ 2)

العيد في الإسلام سكينة ووقار وتعظيم للواحد القهار وكله ميدان استباق إلى الخيرات

.. وثانياً ـ الاغتسال والتطيب والتزين: من إظهار الفرح والسرور في العيد الحرص على الاغتسال والتطيب والتزين ولبس الجديد, عن نافع أنّ عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهم ـ كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى. أخرجه مالك في الموطأ:
وقد نقل اتِّفاق الفقهاء على استحباب الاغتسال للعيدين غيرُ واحدٍ من أهل العلم
قال ابن عبد البر: واتفق الفقهاء على أنّه حسنٌ لمن فعله.
وثالثاً ـ لكل عيد سنة: فيستحب الأكل قبل الخروج إلى الفطر، وأن تكون على تمرات، كما هو هديُ النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته من بعده , فعن أنس ـ رضي الله عنه:(أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات، ويأكلهن وترًا) ـ أخرجه البخاري، وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما: إن استطعتم أن لا يغدو أحدكم يوم الفطر حتى يطعم فليفعل كما يستحب الخروج لصلاة العيد من طريق والرجوع من طريق أخرى: فعن جابر ـ رضي الله عنه ـ قال:(كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا كان يوم عيد خالف الطريق) ـ أخرجه البخاري، كما يستحب إظهار التكبير, عن الوليد بن مسلم قال : سألت الأوزاعي ومالك بن أنس عن إظهار التكبير في العيدين ، قالا : نعم كان عبد الله بن عمر يظهره في يوم الفطر حتى يخرج الإمام وصح عن أبي عبد الرحمن السلمي قال:(كانوا في الفطر أشد منهم في الأضحى) قال وكيع يعني التكبير.
ورابعاً ـ التهنئة بالعيد: فعن جبير بن نفير قال: كان أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا التقوا يوم العيد، يقول بعضهم لبعض: تقبل الله منا ومنك، قال الإمام أحمد: إسناده جيد، فالتهنئة بالعيد مما يزرع الود في قلوب الناس, لذا استحب الذهاب لصلاة العيد من طريق والرجوع من طريق حتى يستطيع المسلم تهنئة أكبر عدد من المسلمين.
وخامساً ـ زيارة الأهل والأقارب وصلة الرحم: هذا مستحب مندوب إليه في كل وقت لكنه يتأكد في هذه الأيام، خاصة الوالدين لأن فيه إدخال أعظم السرور عليهما وهو من تمام الإحسان إليهما الذي أمر الله به في كتابه, قال تعالى:(وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ)، وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ:(مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) ـ البُخَارِي ومسلم، ومن الصلة الرحمة باليتيم والعطف عليه, قال تعالى:(فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، وعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وسلم):(أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ كَهَاتَيْنِ فِى الْجَنَّةِ, وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى, وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَلِيلاً) ـ البخاري، ودخل أحد الصحابة مسجداً فاستوقف نظره طفل لم يتجاوز الحادية عشرة من عمره قائم يصلي بخشوع فلما فرغ من صلاته سأله الصحابي: ابن مَنْ أنت؟ قال الصبي: إني يتيم، فقال الصحابي: أَترضى .أن تكون لي ولداً؟ فقال الصبي: هل تطعمني إذا جعت؟ قال الصحابي: نعم قال: هل تسقيني إذا عطشت؟ قال الصحابي: نعم قال: هل تكسوني إذا عريت؟ قال الصحابي: نعم قال: وهل تحييني إذا مت؟ فدهش الصحابي. وقال: هذا ما ليس إليه سبيل. فقال الصبي: فاتركني إذاً للذي خلقني ثم رزقني ثم يميتني ثم يحييني. فانصرف الصحابي وهو يقول: لعمري مَنْ توكل. على الله كفاه.
وسادساً ـ التوسعة على العيال في الأكل والشرب والبشر فيهما: لا حرج في التوسعة في الأكل والشرب والنفقة في هذه الأيام من غير سرف، لقوله (صلى الله عليه وسلم) في عيد الأضحى عند مسلم وغيره: (أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عزوجل). دخل رجل على الإمام علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ في يوم عيد الفطر فوجده يأكل طعاما خشنا فقال له: يا أمير المؤمنين تأكل طعاماً خشنا في يوم العيد فقال له الإمام علي كرم الله وجهه: اعلم يا أخي أن العيد لمن قبل الله صومه وغفر ذنبه ثم قال له: اليوم لنا عيد وغدا لنا عيد وكل يوم لا نعص الله فيه فهو عندنا عيد
كما يباح اللهو المباح: لحديث أنس عند أبي داود، والنسائي بسند صحيح، قال: لما قدم النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة وجدهم يحتفلون بعيدين، فقال ـ عليه الصلاة والسلام:(كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله خيراً منها: يوم الفطر ويوم الأضحى)، وأخرج الشيخان وأحمد عن عائشة قالت:(إن الحبشة كانوا يلعبون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي منكبيه فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت).
وسابعاً ـ البعد عن اللهو المحرم والمنكرات والبدع: فالعيد في الإسلام سكينةٌ ووقارٌ، وتعظيمٌ للواحد القهار، وبعدٌ عن أسباب الهلكة ودخول النار، والعيد مع ذلك كله ميدان استباق إلى الخيرات، ومجال منافسة في المكرمات, فليس العيد لمن لبس الجديد، إنما العيد لمن طاعته تزيد ليس العيد لمن تجمّل باللباس والمركوب، إنما العيد لمن غفرت له الذنوب ليس العيد لمن حاز الدرهم والدينار إنما العيد لمن أطاع العزيز الغفار، وورد أن الملائكة تنزل في صبيحة يوم عيد الفطر تقف في أبواب الطرق وتنادي يا أمة محمد: اغدوا إلى رب كريم يمن بالخير ثم يعطي عليه الجزيل .. لقد أمرتم بصيام النهار فصمتم وأمرتم بقيام الليل فقمتم وأطعتم ربكم فارجعوا مغفوراً لكم .. ويسمى هذا اليوم في السماء بيوم الجائزة .. العيد في الإسلام سكينةٌ ووقارٌ، وتعظيمٌ للواحد القهار، وبعدٌ عن أسباب الهلكة ودخول النار، قال الإمام انس بن مالك ـ رحمه الله: للمؤمن خمسة أعياد: كل يوم يمر على المؤمن ولا يكتب عليه ذنب فهو يوم عيد, اليوم الذي يخرج فيه من الدنيا بالإيمان فهو يوم عيد, واليوم الذي يجاوز فيه الصراط ويأمن أهوال يوم القيامة فهو يوم عيد, واليوم الذي يدخل فيه الجنة فهو يوم عيد, واليوم الذي ينظر فيه إلى ربه فهو يوم عيد.

إعداد ـ محمد عبد الظاهر عبيدو
إمام وخطيب جامع محمد الأمين

إلى الأعلى