السبت 16 ديسمبر 2017 م - ٢٧ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / من قصص القرآن الكريم : سورة الكهف (2)

من قصص القرآن الكريم : سورة الكهف (2)

بشارة للمؤمنين المصدقين بما كذب به الآخرون بدار خلدٍ لا يموتون فيها أبداً

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الكهف من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
سميت ‏سورة ‏الكهف ‏لما ‏فيها ‏من ‏المعجزة ‏الربانية ‏في ‏تلك ‏القصة ‏العجيبة ‏الغريبة ‏قصة ‏أصحاب ‏الكهف‎، وهي مكية، من المئين نزلت بعد سورة “الغاشية”، تبدأ باسلوب الثناء، بدأت بالحمد لله، تحدثت السورة عن قصة ذي القرنين وسيدنا موسى والرجل الصالح .. وهي إحدى سور خمس بُدِئت بـ) الحمد لله( وهذه السور هي:(الفاتحة، الأنعام، الكهف، سبأ، فاطر) وكلها تبتدئ بتمجيد الله ـ جل ّوعلا ـ وتقديسه والاعتراف له بالعظمة والكبرياء والجلال والكمال.
قال تعالى:(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا، قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً).
قوله تعالى:(وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً، مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً) أي: دار الخلد لا يموتون فيها، الذين صدقوك بما جئت به مما كذبك به غيرهم، وعملوا بما أمرتهم به من الأعمال، (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً) (الكهف ـ 4) يعني: قريشاً في قولهم:(إنا نعبد الملائكة وهي بنات الله)، (مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ) (الكهف ـ 5) الذين أعظموا فراقهم وعيب دينهم، (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ) (الكهف ـ 5) أي: لقولهم إن الملائكة بنات الله، (إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً، فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً) (الكهف 5 ـ 6) لحزنه عليهم حين فاته ما كان يرجوه منهم، أي: لا تفعل، فال ابن هشام:(بَاخِعٌ نَفْسَكَ) مهلك نفسك فيما حدثني أبو عبيدة، قال ذو الرمة:
ألا أي هذا الباخع الوجد نفسه
بشيء نحته عن يديه المقادر
وجمعها باخعون وبخعه، وهذا البيت في قصيدة له، وقول العرب: قد بخعت له نصحي ونفسي، أي: جهدت له.
قوله تعالى:(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) (الكهف ـ 7)، قال ابن إسحاق: أي أيهم اتبع لأمري وأعمل بطاعتي، (وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً) (الكهف ـ 8) أي: الأرض، وإن ما عليها لفانٍ وزائل، وإن المرجع إلي فأجزي كلا بعمله فلا تأس ولا يحزنك ما ترى وتسمع فيها، قال ابن هشام: الصعيد وجه الأرض، وجمعه صعد، قال ذو الرمة يصف ظبياً صغيراً:
كأنه بالضحى ترمي الصعيد به
دبابة في عظام الرأس خرطوم
وهذا البيت في قصيدة له، والصعيد أيضاً: الطريق، وقد جاء في الحديث:(إياكم والقعود على الصعدات) يريد الطرق. والجرز: الأرض التي لا تنبت شيئاً، وجمعها أجراز. ويقال : سنة جرز وسنون أجراز، وهي التي لا يكون فيها مطر، وتكون فيها جدوبة ويبس وشدة. قال ذو الرمة يصف إبلاً:
طوى النحز والأجراز ما في بطونها
فما بقيت إلا الضلوع الجراشع
قال ابن إسحاق: ثم استقبل قصة الخبر فيما سألوه عنه من شأن الفتية فقال:(أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً) (الكهف ـ 9) أي: قد كان من آياتي فيه وضعت على العباد من حجتي ما هو أعجب من ذلك. قال ابن هشام: والرقيم الكتاب الذي رقم بخبرهم، وجمعه رقم. قال العجاج:(ومستقر المصحف المرقم)، وهذا البيت في أرجوزة له. قال ابن إسحاق، ثم قال:(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً. فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً، ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً) (الكهف ـ 12)، ثم قال:(نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ( )الكهف ـ 13) أي: بصدق الخبر )إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً. وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً) (الكهف ـ 14) أي: لم يشركوا بي كما أشركتم بي ما ليس لكم به علم. قال ابن هشام : والشطط الغلو ومجاوزة الحق. قال أعشى بن قيس بن ثعلبة:
أتنتهون ولا ينهى ذوي شطط
كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل
وهذا البيت في قصيدة له، قال ابن إسحاق:(هَؤُلاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ) (الكهف ـ 15)، قال ابن إسحاق: أي بحجة بالغة، (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً، وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً، وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ) (الكهف: 17)، قال ابن هشام: تزاور تميل وهو من الزور، وقال أبو الزحف الكليبي يصف بلدا:
جدب المندي عن هوانا أزور
ينضي المطايا خمسه العشنزر
وهذان البيتان في أرجوزة له، و(تقرضهم ذات الشمال) تجاوزهم وتتركهم عن شمالها. قال ذو الرمة:
إلى ظعن يقرضن أقواز مشرف
شمالاً وعن أيمانهن الفوارس
وهذا البيت في قصيدة له، والفجوة: السعة، وجمعها الفجاء، قال الشاعر:
ألبست قومك مخزاة ومنقصة
حتى أبيحوا وحلوا فجوة الدار
.. والله أعلم.
.. يتبع بمشيئة الله.

اعداد ـ أم يوسف

إلى الأعلى