الإثنين 25 مايو 2020 م - ١ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في معرض “قرنفل” للفنان التشكيلي بهاء الدين محمد

قراءة في معرض “قرنفل” للفنان التشكيلي بهاء الدين محمد

اللوحة سفر حرّ بين الزهر والشعر

يحاول الفنان بهاء الدين محمد في كل مرة يحاورنا فيها بصريا من خلال تلك الإمكانات المتكاثرة والمتوالدة للخط واللون والملمس على سطح الفضاء التصوري ان يبلغ رسالة مختلفة، حيث يجد المجال والتعلة المناسبة في كل مرة للتحول والتحرك ضمن فضاء اللوحة بأسلوب لا نهائي من خلاله شفراته الجمالية البنائية التي تقوم على الفعل ومعاودته مع امكانية تغييره بحكم قوة ذلك التشفير الجمالي الشخصي.
في عالم بهاء الدين محمد التصويري تعودت العين على القيم الجمالية التي فرضتها فلسفته الخاصة ونظرته للعالم والموجودات من حوله ولقراءته وسعة معارفه حيث قامت اعماله معرضه الاخير “القرنفل” المتكون من 40 لوحة بقياسات مختلفة على تآلف جمالي بين شعر بودلير”أزهار الشر” وما يحمله بين ثناياه من صور ومعان تخيلية وسطورة الزهر”القرنفل” التي تسمى زهرة الإله حيث استعار جماليات تنوع دلالاتها الملموسة من خلال تنوع اشكالها والوانها من ناحية وأبعادها الرمزية من ناحية اخرى.
هذا المولود الجمالي الهجين جاء ليعبر عن اصالة وروحانية فكر الفنان المؤمن بالعمق وعالم الامنيات كما يبشر بحلول قيم جمالية جديدة تضع ممارسة الفنان ورؤاه موضع تساؤل فتفرض بالتالي الوقوف والتامل في معاني الاستعارات التي قام بها الفنان من الزهر والشعر وتفاعلاتهما مع تحولات الذات وتخيلاتها.
فتجديد الفعل الابداعي لدى الفنان يقوم اساسا على القراءات والغوص عميقا بين معاني الكلمات”شعر” والموجودات”زهر” واللذان يؤثران ايما تاثير على يد الفنان وفكره لتحقيق مفهوم الارتقاء في كل مرة من مرحلة الى اخرى ومن معركة جمالية نحو التي تليها حيث جاءات اعمال الفنان مقارنة باعماله السابقة اكثر كثافة من حيث الالوان ودرجاتها والخطوط واتجاهاتها وقوتها وانحناءاتها كما النقاط والحياكات والنصوص وتعرجاتها…امتلاء وفيض من فعل كما نسيج لوني وخطي ملمسي يظهر الكتلة في حركة متغيرة ولا مستقرة.
هذا الصراع المعلن والخفي بين ادوات واليات الفنان الجمالية هو صراع الداخل الذي يعتمل في اعماق الفنان بين المتعارف عليه والمتخيل، بين ما يعايشه كتحصيل حاصل وتطلعاته، وبالتالي تصبح اللوحة فضاء تجربيا ليختبر من خلالها الفنان معارفه وايمانه ويتسائل من خلالها حول تلك الثنائيات التي تحكم الكون من خير وشر وقبيح وجميل وفرح وحزن…فتتصاهر الألوان والأشكال داخل منظومته البنائية الخاصة وتترك المجال مفتوحا لتجلي الروحي والمادي ولغريزة الأمل لديه لتنشط من خلال الاستعارات والمجاز إلى غير ذلك من الأساليب التي يلتجأ إليها الفنان للبوح، حتى أصبح له سجلا كونيا حافلا بالأشكال والعلامات والملامس والحياكات والألوان الخاصة به والتي يطغى عليها في كل مرة البنفسجي بدرجاته المختلفة فهو حسب رأيه اللون الأكثر عمقا وروحانية وهو الذي يعبر عن أقصى درجات الحزن كما يمكن ان يبعث في روحك اقوى مشاعر الأمل والترقب.
كما أن تلك الكتابات التي جاءت في شكل خربشات او علامات باللغة الكردية هي كلمات استقاها الفنان من سجل بودلير في “أزهار الشر” كالسفر العميق/الظل الابيض/ النحت من المطر…الى غير ذلك من الكلمات ذات البعد الرمزي لتشحن الفضاء التصويري بجماليات رسمها ومعانيها وكانها كتابة فضائية تتماشى بشفافية مع حركة اللون والخطوط وتنصهر بهم لتصبح مفردة تشكيلية او علامة خطية تكمل التركيبة دون ان تكون مسقطة وفق علاقات يصوغها الفنان مع اللون والخط والملمس.
يجدد اذا الفنان بهاء الدين محمد من خلال الشعر والرسم والزهر علاقته بالعالم ويسبح في مجال جديد لتجلي المخاوف… ولتنقل المعتاد الى ما بعده… كما التحوّل من دلالات الشيء المعتادة”الزهر” الى دلالاته الأخرى الخفية كأن يتشكلّ الشر فيه من خلاله؟، كما من خلال الرسم يمكن مساءلة المرئي والقواعد الجاهزة والتصالح مع الدموع كأداة للأمل وكمبدأ للتيه، الأثر الفني بإختصار لدى الفنان هو تذكرة لذلك السفر البعيد اللامنتهي نحو المتناقض.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى