الثلاثاء 26 مايو 2020 م - ٢ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / رحلتي الى بلاد الإغريق (1)

رحلتي الى بلاد الإغريق (1)

كنت أحملق بنظري بعيدا في تلكم الموجات الباردة والهادئة جدا والتي كانت تجري برتابة مملة على سطح بحر ايجه Aegean ، الذي يحيط بهذه الجزيرة Euboea او ايفيا اليونانية محاولا فهم السر الخفي وراء جريان ماء الخليج نحو الجنوب في ست ساعات، ثم يعود ليجري بشكل معاكس نحو الشمال في ست ساعات أخرى، وهو على هذه الحال منذ الأزل، وأمامي طاولة الطعام مستطيلة وفوقها طبق سباجيتي الشهي والسباجيتي على كل حال ليس من الأكلات من اليونانية الخاصة، لكن ليس لدي أدنى شك بأن الطهاة الذين أعدوه هم بكل تأكيد يونانيون وليس لدي شك أيضا أن النادل اليوناني الذي احضر الطعام إلى الطاولة بأدب جم هو طالب جامعي من أسرة نبيلة وكريمة، أدبه ولياقته في الحديث وثقافته تشي بنبله، والطلبة هنا على كل حال يعملون في المطاعم وقت الإجازات، والأمر الآخر الذي أنا متأكد منه أيضا هو أن من أعد هذا الطبق اللذيذ هي فتاة يونانية جميلة جمعت شعرها الطويل الأسود فوق رأسها بخيط مطاطي كانت تضعه حول معصمها الأبيض، ولا بد أنها أسدلت على جسدها غطاء يحميه ويحمي قميصها من تطاير فتات الطبيخ من المقلاة الساخنة، ثم شدته على خصرها، نعم أنا متأكد من ذلك لأن هذا السابجتي اللذيذ لا يمكن أن يعطي كل هذا السحر من اللذة إلا إن كان معدا كما أسلفت .. فجأة وأنا في خضم تخيلاتي تسألني شابة يونانية شقراء كانت تجلس قبالتي مباشرة على نفس الطاولة: جمال !

هلا
ماذا تفعل ؟
ماذا أفعل! .. أممم لا شيء.. ، أفكر ..
تفكر! وفيماذا تفكر ؟
لا أفكر في شيء .. فقط أستمتع بأحاديثكم وبالمنظر الخلاب .. إنه منظر خلاب أليس كذلك ؟ أعني البحر والجسر الصغير الذي انفرج قبل قليل عن قناة بحرية صغيرة عبرت خلاله سفينة كبيرة؟ وهناك تلك القلعة المضاءة بالأنوار البيضاء أعلى المدينة ، ألا يدعو هذا المنظر الى التأمل ؟
بلى ، هو كذلك .. أتدري أن هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أشاهد فيها انفراج القناة بالرغم من أني ولدت ونشأت في هذه المدينة ؟ أنه من النادر جدا ان يتم استخدامها ؟
أوه حقا ..
تصور .. !!.

مرت لحظات صمت كافية لإظهار تصوري واندهاشي ، ثم عادت تسألني:

جمال هل من الممكن أن أسألك سؤالا ؟
طبعا ممكن ، من قال ما ممكن ؟ اسألي هيلين تفضلي ..
ما هي أسباب زيارتك لليونان ؟ أعني لماذا اخترت اليونان بالذات لتزورها ؟
اممم .. في الحقيقة لا أدري.. ربما لآني أحب اليونان والتاريخ اليوناني.. ربما لأنها قريبة من سويسرا.. ربما أنا جئت فقط مع حمد.

بدا على وجهها الاستغراب وعدم الاقتناع .. ، لذا حاولت مجددا أن أحصل على فرصة لأضيف مزيدا من الإيضاح:

هل من الممكن أن تعطيني لحظات لأفكر قليلا ثم أجيبك ؟

قاطعنا شاب يوناني بلحية خفيفة تغطي ذقنه ونظارة طبية صغيرة فوق أنفه كان يجلس بجوارها وملتصقا بها، قال متعجبا وهو يقلب يده ويهز رأسه : ولماذا تحتاج إلى وقت طويل جدا لتعرف فقط سبب مجيئك الى اليونان ؟ أيعقل أنك لا تعرف لماذا أنت هنا ؟

ضحك الجميع وضحكت معهم أيضا ثم قلت :
بالطبع أعلم ولكني عموما لا أحب التسرع في الإجابة لاسيما أنني اتخذت قرار السفر قبل أكثر من شهر منذ الآن، دعوني أعود بذاكرتي قليلا إلى الوراء إلى تلك الساعة المتأخرة من الليل في شهر رمضان عندما كنت مع صديقي حمد هذا الذي يجلس بجواري أحدثه عن أصدقاء لي في ألمانيا وسويسرا وفرنسا كنت قد قضيت معهم أوقاتا ممتعة في مدينة بورمونث، في بريطانيا قبل سنة، فإذا به يسألني اذا ما كنت أرغب في إعادة الكرة بمرافقته إلى اليونان لحضور حفل زواج صديقة له كانت قد درست معه في نفس الجامعة بألمانيا ، وبدون أي تردد وافقت ؟ ثم صارت الترتيبات بسرعة وهدوء لأجدني هنا أمامكم، لكن لماذا وافقت دون اي تردد او تفكير لا أدري! ، لم يكن باستطاعتي وقتها أن أتصور حجم المتعة أو التعقيدات التي ممكن أن تحصل لي هنا أو حتى أنني أيضا لم أتصور روعة بعض الناس الذين قابلتهم ، أو ربما ، نعم ربما فما زلت حتى الآن لا أدري، ربما أتيت الى اليونان لأنني سئمت الوحدة وقلق البحث عن الذات والوجود فأردت أقضي وقتا أطول مع هذا الصديق الجديد حمد الذي حتما سوف يودعني بعد بضعة أشهر ويعود إلى ميونيخ لإكمال دراسته وتدريسه ..

ثم ما هي إلا أيام مضت سريعا كلمح البصر بعد تلك الليلة حتى أجدني أتحدث مع صديق لنا آخر اسمه خالد، كان ذلك قبل ليلة واحدة من موعد سفرنا وكان يخبرني عن التجهيزات التي ينبغي أن نأخذها معنا في هذه الرحلة المجهولة ويقول: هدايا ثمينة اذهب إلى سوق مطرح لأنه قريب من العامرات واشتريها من هناك يجب الا تتجاوز قيمتها ٣٠ ريالا للعروس ، وانا سأشتري العسل ملكي ، ولازم تشتري حقائب للظهر من أجل التخييم هكذا قال لي حمد ..
ثم اتفقنا ان نستثني أدوات التخييم حيث يمكننا ابتياعها من العاصمة أثينا لمن يشاء ، وفي اليوم التالي عند السابعة الحادية عشرة صباحا كانت الطائرة القطرية تطير بنا من مطار مسقط الى أثينا مرورا بالدوحة ..

لم تستغرق رحلتنا سوى سبع ساعات فقط من التحليق في السماء ، وكم كنت متفاجئا حين كنت أراقب اليونان من نافدة الطائرة كم فيها من شبه كبير بالسواحل العمانية، صدقوني فأنا لا أبالغ كثيرا حين أقول ذلك، سلسلة من الجبال تحيط بها البحار والخلجان، لكنها كانت أكثر اخضرارا وأقل حدة أي أن جبالها ليست صخورا حادة وجلاميد غاضبة، وإنما جبال مستوية الجوانب سهلة الأطراف منخفضة الأجنحة لأمواج البحر الهادئة وكأنها تدعوها للصعود عليها بكل لباقة ولطف ، نعم هي ليست كتلك الجبال في مسقط التي تبدو وكأنها سقطت غاضبة من الجحيم فوق هذا المحيط المتغطرس ثم رفعت أثوابها عنه تقززا منه فما زال يزفر بأمواجه العاتية ليفتك بسيقانها غضبا وانتقاما وما زالت هي تنظر إليه من طرف علي باحتقار وما زال الناس هناك رغم كل شيء يجدون في هذا الصراع الطعام والجمال والحياة..

هبطت الطائرة في مطار العاصمة أثينا الدولي، ومشينا عبر أنبوب يصل باب الطائرة بباب قاعة القادمين حيث تتوزع منافذ وممرات لفحص التأشيرات والجوازات، وكنا في الحقيقة خائفين جدا من ألا تقبل تأشيراتنا والسبب في ذلك أن بعض الأصدقاء الذين اعتادوا السفر كثيرا أخبرنا أنه يجب أن نأخذ تأشيرة الشنجل، وهي التأشيرة التي تسمح لنا بدخول وزيارة دول الاتحاد الأوربي ، يجب ان نأخذها من نفس سفارة الدولة التي سوف نزورها أولا أي أنه يتحتم علينا اخذ التأشيرة من السفارة اليونانية ان كنا نرغب في السفر الى اليونان ، وقد سمعنا في نفس الفترة قصة ذلك الشاب العماني الذي أعيد من مطار إحدى الدول الأوربية وتم التحقيق معه هناك لولا تدخل السفير العماني والسبب أنه لم يحصل على تأشيرة الشنجل من نفس سفارة الدولة التي كان قاصدا زيارتها أولا، وهناك سبب شخصي آخر كان يدعوني للخشية هو أن الصورة التي وضعتها في التأشيرة هي صورتي باللبس الرسمي أي بالعمامة العمانية وأنا الآن حاسر الرأس حليق اللحية وألبس القميص والبنطلون ومظهري يبدو مختلفا جدا، حتى صديقي حمد قال لي معاتبا وراثيا لحالي أنه سوف يتم تأخيري في المطار في أحسن الأحوال بسبب هذا التصرف الغبي! ، لهذا كنت خائفا جدا أن أعود إلى حر العامرات وشقاء الدوامات ومرتعبا جدا من أن يتم توقيفي والتحقيق معي وربما تفتيشي وخلع ملابسي ، ولم لا! ، ألم يحصل أن تم تفتيشي مرة بسبب الدواء الخاص الذي أحضرته للشيخ عبدالله من القاهرة ولم أكن أحتفظ بالفاتورة في جيبي كما نصحني وقتها ، رحم الله الشيخ عبد الله ، فقد رحل الا أن هذه الهواجس لا تفتأ تراودني كلما مررت على نقاط التفتيش في المطارات البعيدة ، وها انا الان أنتظر أن يؤذن لي لأقف عند إحدى تلك النوافذ الزجاجية التي يقبع داخلها شرطي أبيض أو شرطية شقراء في غاية الحسن ،وقفت قليلا في صف المسافرين غير مواطني اليورو وأذن لي بالتقدم الى النافذة فتقدمت، حياني الشرطي داخلها بابتسامة ( هاي ) أجبته ( هاي ) وأعطيته الجواز، قلب أوراقه بين أصابعه بمهارة وسرعة كحال من اعتاد حرفة ما ثم وضع صفحات منه على جهاز الماسح الضوئي ثم ختمه وأعاده إلي .. ياه أبهذه السرعة تم الأمر، انفرجت سرائري وشكرته وغادرت ، وشعرت بعدها بأنني الان فعلا عبرت عتبة الجحيم ودخلت اليونان وذلكما صديقاي خالد وحمد ينتظراني على حافة السفح لنجتاز جسور الماضي والروتين لتأخذنا إلى أعماق المجهول حيث سنختبر الغربة والبعد واختلاف الآراء وتنافس الأكفاء كما سنذوق لذة التصالح وحلو اللقاء وسنفهم معنى الخسارة وألم الاحتقار ووجع الإذلال وروعة الكرم ..

جمال النوفلي

إلى الأعلى