الأحد 31 مايو 2020 م - ٨ شوال ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / الناقد والباحث إبراهيم طه لـ “أشرعة”: الشعر هو أصل الأدب العربي كله وهو أساسه الثقافي وإرثه الحضاري

الناقد والباحث إبراهيم طه لـ “أشرعة”: الشعر هو أصل الأدب العربي كله وهو أساسه الثقافي وإرثه الحضاري

يؤكد أن لا تراجع للشعر الفلسطيني بغياب درويش وجبرا وطوقان وسميح القاسم وغيرهم

أجرى اللقاء وحيد تاجا :
قال الباحث والناقد البروفيسور ابراهيم طه إن الشعر الفلسطيني لن يتراجع بغياب محمود درويش وجبرا إبراهيم جبرا وفدوى طوقان وسميح القاسم وغيرهم. وأكد رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا في لقاء شيق مع ” أشرعة” ان : فلسطينيي الـ 48 المنزرعين في أرضهم يحملون هويّتهم القومية العربية الفلسطينية واضحة في قلوبهم ورؤوسهم وضمائرهم صافية لا لبس فيها ولا تأتأة ولا طأطأة. وتساءل قائلا:” لماذا لا يُدعى مثقفو أراضي الـ 48 للمشاركة في جزء من الحراك الثقافي في العالم العربيّ؟!
البروفيسور إبراهيم طه من مواليد قرية كابول الفلسطينية في الجليل الغربي (1960). يعمل رئيس قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا. اشترك في العديد من المؤتمرات المحلية والعالمية. نشر عدة كتب، إلى جانب عشرات المقالات الأكاديمية والنقدية في المجالات الأدبية في النظرية والتطبيق في الدوريات العالمية الرائدة. ينشر أبحاثه المختلفة باللغات العربية والإنجليزية والعبرية.

*ـ بداية .. ماهي أولوية المثقف الفلسطيني الذي يعيش في أراضي ألـ 48..و ما هي أهم القضايا المطروحة للنقاش في الساحة الثقافية هناك ؟
لم تكن الثقافة الفلسطينية في يوم من الأيام نشاطًا تراجعيًا معزولا عن عمق القضية الفلسطينية. فالمسألة مسألة وجود. يحمل فلسطينيو الـ 48 المنزرعون في أرضهم هويّتهم القومية العربية الفلسطينية واضحة في قلوبهم ورؤوسهم وضمائرهم صافية لا لبس فيها ولا تأتأة ولا طأطأة. وهذا ما يضبط سلوكهم الثقافي والحضاري في المحصّلة النهائية. ومن جهة أخرى يمارسون واقعًا حياتيًا تفرضه آليّات الدولة الإسرائيلية. هكذا تصطرع في هويّتهم قومية فطرية موهوبة ومواطنة مكتسبة. أنت لا تتحدّث عن فلسطيني سويدي أو ألماني مثلا حيث يمكن لمركّب المواطنة ومركّب القومية في الهوية الجمعية أن يعيشا في تصالح تام. هذه الهوية المركّبة الصعبة التي يعيشها الفلسطيني في ” إسرائيل” تَسِمُهم بسماتٍ خاصة معقّدة تميّزهم عن غيرهم من كلّ الأقليات القومية في العالم. على ضوء هذا التوصيف العاجل لهوية الفلسطينيين في ” إسرائيل” ، ما اعتاد العالم العربي أن يسمّيهم عرب ال 48، لا بد إذًا من أن تكون الهوية في تحديدها وضبطها وإعادة تعريفها وتكريسها هو ما يشغل بال كلّ مثقّف فلسطيني في أراضي ال 48. والانشغال بالهوية هي قضية فوقيّة وتحتيّة في آن معًا. هي قضية قومية ومسألة مواطنة وهما لا يكونان على انفصال. فممارسات المواطنة في الدولة الإسرائيلية هي إفرازات تحتية لمسألة الهوية القومية. وهكذا بالتالي يظلّ المثقّف الفلسطيني في داخل الخط الأخضر، تسمية أخرى لفلسطينيي الـ 48، في مواجهة مستمرّة على جبهتين (الرواية والخطاب) مهمومًا حتى النخاع بصراعه اليومي مع الرواية الصهيونية التي تضبط الخطاب الإسرائيلي باستمرار.

* ـ وكيف يمكن وصف المشهد الثقافي الفلسطيني اليوم في (أراضي الـ 48) تحديدا ..؟
على العموم، يمكننا الحديث عن ثلاثة روافد متعالقة متوازية ومتقاطعة تصبّ كلها في المشروع الثقافي الفلسطيني العام. الثقافة الفلسطينية في أراضي ال 48، الثقافة الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 67، والثقافة الفلسطينية في المنافي والشتات (وهنا في هذا الرافد الثالث يمكن الحديث عن تيارين مختلفين: ما ينتجه الفلسطينيون من نشاط ثقافي في البلدان العربية وما ينتجونه في بلاد الغرب بلغات مختلفة). بطبيعة الحال، هناك فروق دقيقة بين هذه الروافد. ولعلّ أبرز ما يميّز الثقافة الفلسطينية في أراضي ال 48 هو مقاومتها على مسارين اثنين: السياسي والاجتماعي. أما السياسية فتظهر في هذا الصدام المستمرّ والعنيف مع الرواية الصهيونية والخطاب السياسي للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة المؤسّس أصلا على تلك الرواية على نحو ما أشرت. أما على المسار الاجتماعي فنسمع الكثير من الأصوات المتعالية بوتيرة سريعة وهي تمارس حالة من حالات الجلد الذاتي والنقد الشديد في كلّ ما يتّصل بمكانة المرأة ودورها والموقف من العادات والتقاليد والأصول وتمرّد الأبناء على الآباء، وما إلى ذلك من قضايا خاصة…

* ـ وماذا عن المشهد الشعري الفلسطيني، وما مدى انعكاس غياب الكبار على هذا المشهد عموما..؟
الشعر العربيّ هو أصل الأدب العربي كله. هو أساسه الثقافي وإرثه الحضاري. والفلسطينيون شعراء بالفطرة. المآسي المتعاقبة تصنع شعرًا جيّدًا. مفارقة كبرى! لن يتراجع الشعر الفلسطيني بغياب محمود درويش وجبرا إبراهيم جبرا وفدوى طوقان وسميح القاسم وغيرهم. لدينا قامات شعرية عالية على مستوى الوطن العربي كلّه. أذكّرك ببعض الأسماء للتمثيل لا للقصر وهي مسحوبة من الذاكرة بفوضوية وعفوية: عزّ الدين المناصرة، حسين مهنّا، مريد البرغوثي، المتوكّل طه، عبد الناصر صالح، مفلح طبعوني، مروان مخول، تميم البرغوثي… أعتقد أنّ غياب الكبار عن الساحة الشعرية الفلسطينية الفاعلة لم تجهض المشروع الشعري الفلسطيني بل على العكس تمامًا، أنا أرى “منافسة” حضارية شديدة بين الشعراء الفلسطينيين الشباب على الدخول إلى الصفّ الأول. وما كانت هذه “المنافسة” لتحتدم لولا أنّ حدود الساحة الشعرية قد اتسعت خصوصًا حين تنحّت بعض الأسماء عن مركز الشعر.

*ـ ما مدى صحة القول بأنّ صعود الرواية يأتي على حساب الشعر..لاسيما وان العديد من الشعراء اخذوا ينحون باتجاه كتابة الرواية..؟
أجيبك على هذا السؤال بمفاهيم التعالقات بين الصوت والصدى. لا يخلو هذا الافتراض من منطق. الرواية هي ديوان العرب الآن. وهذه كلها موجات أدبية وحساسيات تتعاقب في بعض الأحايين بصورة أفقية وقد تتبدّل بصورة ارتدادية أو تتجاور في أحايين أخرى. والشعر لن يتوقّف وإن كانت الرواية الآن أقرب من القصيدة إلى المركز. ابتعاد الرواية عن الهامش واقترابها إلى المركز مردود في تقديري إلى منظومة كاملة من الاعتبارات الأدبية وغير الأدبية.. الرواية في المحصّلة العامة تعبير عن المتأنّي والمتراكم. كان الشعر أنفذ وأقدر الأنواع الأدبية على الاستجابة الفورية للظروف التاريخية المتلاحقة التي يعيشها الفلسطينيون باستمرار. لكنّ المسافة الزمنيّة التي تفصلنا الآن عن نكبة 48 ونكسة 67 كافية لاختمار التجربة الفلسطينيّة واستيعابها بالهدوء المطلوب في الجانرات الأدبية المطوّلة. “بردت” النكبة والنكسة بمفاهيم زمنية امتدادية وضعف أثرها الانفعالي الآنيّ وعظمت الحاجة إلى قراءة واعية محسوبة للواقع. وحين يبتعد الأدباء عن “المناسبة” بمفهومها التاريخي الضيّق يصير اهتمامهم مصبوبًا، بالضرورة لا بالمشيئة، على ما نسمّيه الحالة العامّة، أو الأثر الضخم الذي تخلّفه المناسبة. والاحتفال بإفرازات المناسبة وليس بالمناسبة نفسها يحتاج مثلما أشرنا إلى جانرات متأنّية كالرواية. والرواية لا تتطوّر إلا لأنها تنصت للنتائج والمحصّلات العامة لا للأحداث الدرامية نفسها على نحو ما يفعل الشعر في العادة. إذا كان الصوت قد هدأ فالصدى ما زال يمتدّ بتموّجاته الأثيرية.

* ـ كيف تنظر من موقعك كناقد وأستاذ في جامعة حيفا إلى رؤية الآخر( اليهودي ) في الأدب الفلسطيني عموما، شعرا ونثرا ..؟
هذه مسألة مركبة. لا بدّ من التفريق بين السياقات حتى نتمكّن من الإجابة على هذا السؤال. هكذا مثلا يعرف فلسطينيو الـ 48، وعلى رأسهم الكتّاب والشعراء، كيف يفرّقون بين ثلاثة أنماط من “الآخر”: اليهودي والإسرائيلي والصهيوني. هناك يهودي غير إسرائيلي وهناك إسرائيلي غير صهيوني وهناك صهيوني غير يهودي وغير إسرائيلي. وهذا شرحه يطول. اليهودية ديانة سماوية مشروعة لا تعني الكاتب الفلسطيني ولا تتصدّر سلّم أولويّاته واهتماماته لا من قريب ولا من بعيد. فالقضيّة ليست دينيّة بالأساس مثلما يراها. أما الإسرائيلي فيظهر على العموم كضحية السياسات الإسرائيلية التوسّعية الكولونيالية. أما الصهيوني فهو تجسيد لآيديولوجيا استعمارية توسعية وهو لذلك يمثّل المؤسّسة الحاكمة وأذرعها الأمنية القمعية. هكذا يأتي التركيز في الثقافة الفلسطينية على نماذج من هذا الصهيوني.

* ـ بالتالي كيف تقيم الأدب الإسرائيلي الجديد، الذي يحاول إظهار الرغبة في التعايش مع العرب، وأين يمكن تصنيفه.. ؟
هناك أدب إسرائيلي إنساني حقيقي يعترف بالظلم اللاحق بالفلسطينيين ويطالب بإصرار بزوال الاحتلال، باعتبار الاحتلال أداة تشوّه التميّز البشري، تشوّه صورة المحتلّ (فاعل فعل الاحتلال) قبل أن تشوّه صورة المحتلّ (مفعول فعل الاحتلال). الاحتلال يسيء للمحتلّ (على الفاعلية والمفعولية) بنفس القدر بالضبط، هكذا ينظر عاموس عوز ودافيد غروسمان وأ. ب. يهوشواع من باب التمثيل إلى الأمور. وهؤلاء الثلاثة هم كبار الكتّاب الإسرائيليين. وعلى هذا الأساس يتحدّث هؤلاء، كلّ بأسلوبه الخاصّ، عن شكل من أشكال التعايش المؤسّس على تصالح تاريخيّ يضمن الحقوق السياسية والقومية والوطنية المشروعة للطرفين. لكن لا بدّ من التذكير بأنّ التوجّه العام في النظر إلى الفلسطيني بصفة خاصّة والعربيّ بصفة عامة هو من ثقب النظر إلى “الآخر” المختلف الخصم الأبدي والتاريخيّ ممّا يوجب شكلا من أشكال التعامل الحذر على نحو ما نجده في كثير من أدب الأطفال عندهم.

* ـ تتهم معظم القصائد الفلسطينية بأنها كانت تكتب في مرآة السياسة، ولهذا لم تستطع أن تقدم مقترحات جمالية تلامس التراجيديا الفلسطينية..ما رأيك .. ؟
لقد فهم الشعراء الفلسطينيون الشباب معنى الصرخة “الأيقونة” التي أطلقها درويش قبل عقود حين قال: “ارحمونا من هذا الحبّ القاسي أو القاتل”. فهموها واستوعبوها قبل أن يسمعها العالم العربي ونقّاده. الشعر لا يحتاج إلى شفقة ولا إلى تعاطف انفعالي من أحد حتى ينمو ويرتقي إلى مصاف الشعر الجيّد.
لا شكّ في أنّ الواقع المأزوم لم يعد قادرًا على تفعيل الجماليات العتيقة المستهلكة في ملاحقة المستجدّات السياسية اللاهثة المتعاقبة. جماليات المقاومة القديمة المنبعثة من أوتار صوتية معدنية قد استنفذت وأدّت دورها في فترة تاريخية قريبة من النكبة والنكسة بعدها. كان الشاعر الفلسطيني يوظّف صوته على ثلاثة مستويات: (1) رفع الصوت وما يعنيه من نبر خطابي حماسي صاخب، (2) عمق الصوت وما يعنيه من شمولية في التوجّع ورصد كلّ أشكاله وإفرازاته، (3) امتداد الصوت وما يعنيه من تأكيد امتدادي مستمرّ على مستوى الأفراد والمجموع. إنّ القصيدة الفلسطينية في العقدين الأخيرين ابتعدت عن مصدر الصوت واقتربت من الصدى بكلّ ما يعنيه من خفوت وامتداد. لكنّ هذا لا يعني أنّ الحالة الثقافيّة العامة قد انقطعت تمامًا عن الخطاب التقليدي المقاوم. لا. لكنّ الجمالية الجديدة صارت حييّة التفافيّة تجاوزيّة مجازيّة لا تخلو من تأتأة. أنت لا تجد، أو تكاد لا تجد، نبر التفجّع والدفق الشعوري المعدي والخطابية الكلاسيكية المعروفة في الشعر الفلسطيني الحديث. وكأنّ التحرّر القومي والوطني لا بدّ أن يرافقه تحرّر من بعض المألوفات والمسلّمات بما في ذلك الأدبيّة. “الهروب” من ملامسة المستجدّات السياسيّة بالأدوات الجمالية العتيقة ألجأ بعض الكتاب والشعراء إلى التاريخ. ما يعني أنّ للمستجدّات أثرًا ارتداديًا على الإبداع. التاريخ أدلّ من الحاضر على الراهن.

* ـ بالتالي ما الذي تبقى من الشعر المقاوم..وما هو مفهومنا للالتزام في ظل اتجاه الشاعر نحو الذات أكثر فأكثر.. ؟
لقد تحدّدت ملامح المركز والهامش في الخطاب الثقافي الفلسطيني العام، على النحو الذي تشير إليه في سؤالك، على امتداد أربعة عقود أو أكثر قليلا (1948 – 1990). كانت الأحداث السياسية والتاريخية في هذه العقود الأربعة تتلاحق باستمرار فأفرزت نمطين من الكتابة أو الإنتاج الثقافي عمومًا، سمّت الأول “الكتابة المقاوِمة الملتزمة” وجعلته جزءًا من المركز وسمّت الثاني “الكتابة الذاتية التراجعية” وجعلتها جزءًا من الهامش. وهذا التعريف قد ضبط الأنساق الإبداعية وتحكّم بالتالي بالأعراف القرائية. المتغيّرات التاريخية المفصليّة التي بدأت بالظهور في مطلع التسعينيات هي التي أثّرت في إعادة تعريف المركز والهامش في الثقافة الفلسطينية برؤية مختلفة. صحيح، يحاول الهامش إرهاق المركز واستنزاف طاقاته باستمرار. لكن لا بدّ من التذكير بأنّ الحديث هنا عن مركزة الهامش وليس عن تهميش المركز. وهناك فرق كبير بين التوجهين. وهكذا ننتقل من ذهنية الإحلال والإقصاء إلى ذهنية الاتساع والتجاور. هكذا نعني بمركزة الهامش توسيع مساحة المركز وسعة تخزينه وتعميق قدرته على احتواء أنماط الكتابة الذاتية أو الفئوية كالكتابة النسوية مثلا. كلّ ذلك يعني أنّ تغيير الفهم الجمالي للقضية الفلسطينية لا بدّ أن يأخذ في حساباته هذه الصياغات المجدّدة لعلاقات المركز بالهامش. فالقضية الفلسطينية ليست سياسية عامة فحسب بل هي مسألة تكوين ثقافي وأخلاقي وفلسفي فكري واجتماعي وبيئي ولغوي وجمالي وحضاري يقف الأفراد في مركزها. وما هي الأمّة إن لم تكن في المحصّلة النهائية مجموع أفرادها..

*ـ وكيف ترى تعامل الشاعر الفلسطيني مع ثنائية التراث والمعاصرة، والى أي مدى نجح في المزاوجة بينهما .. ؟
التراث بمادّته هو مفهوم زمني تراكمي والمعاصرة هي المحطّة الأخيرة في هذا الامتداد. كلّ التغيّرات الحضارية هي بصفة أو بأخرى تراكمات ينبني بعضها فوق بعضها. في حوار آخر مع الأستاذ والمثقّف الفلسطيني البارز أنطوان شلحت قلت الكلام نفسه. وأنا أعيده هنا بنصّه. لا شيء يمكنه أن يولد من لا شيء. حتى الحداثات المتعاقبة التي غرقنا في مقاربتها لا تقوم على محو أو شطب أو استبدال. بل هي صياغات جديدة وفعل تهذيب وتشذيب. إنّ عدد من أفادوا من استلهام التراث وجذوره في الأدب العربي الحديث لا يحصى في كلّ أشكال الأدب وأنماطه في الشعر والسرد والمسرح. في التناصّات الشعرية التي لا تنتهي، والباروديات الساخرة، في اللغة والأنماط الكتابية وخصوصًا في مجالي الشعر والسرد. وأكبر دليل على امتدادية التراث والجذور وحضورهما في الذاكرة الجمعيّة المعاصرة هو اللجوء إليهما للقيام بوظيفة المُعادل حين يجد الكاتب حاضره بمعطياته المألوفة عاجزًا عن التعبير الدقيق عن عمق الأزمة الراهنة. وهكذا قد ترى بيننا اليوم خالد بن الوليد والشنفرى والأنبياء كلهم والآلهة والذين سبقونا بإبداع وخلق.
ـ وهل هذه “المبالغة” في استلهام الشخصيات التراثية واستنطاقها حالة فلسطينية مقصورة عليهم محصورة في إنتاجهم دون غيرهم؟!
أنت تتحدّث عن مبالغة في استيحاء الشخصيّات التراثية في الشعر الفلسطيني المعاصر وأنا أسألك عن الواقع الفلسطيني منذ 1948، هل هو حالة هي عادية طبيعية أصلا؟! ألا ترى أنّ الواقع الفلسطيني يتحوّل باستمرار إلى حالة من حالات المبالغة التي لا يستسيغها العقل السويّ؟! وقد قلت إنّ الجماليّات المستهلَكة لم تعد قادرة على الارتقاء إلى مستوى الواقع المأزوم مثلما كانت في مرحلة سابقة. وهكذا كما ترى لا يبدأ توصيف الثقافة من داخل الثقافة نفسها بل من تعالقاتها المركّبة مع الواقع الخاصّ والعامّ.

*ـ وماذا عن شكل القصيدة، وهل صحيح أن المعركة حسمت جماليا لصالح قصيدة النثر..؟
لا. أنا مازلت أقرأ نماذج جدّية وجيدة من القصيدة العمودية. هل انتهى بريق القصيدة التي كتب بها محمد مهدي الجواهري بهذه السرعة؟! كتب سميح القاسم معلّقته المعروفة “بغداد” (2008) على بحر البسيط حسب عروض الخليل. ألا ترى في مجرّد الارتداد إلى شكل القصيدة العمودية الخليليّة في القرن الحادي والعشرين موقفًا من عصر العولمة والهيمنة والصوت المكتوم؟! والأمر لا يخلو من مفارقة غريبة كما ترى. أنا أنظر إلى الأمر من زاوية التجاور لا الهيمنة. الأنواع تتجاور، تتراكم لا تتعاقب ولا يهيمن فيها الشكل الواحد على كلّ الأشكال الأخرى إلى حدّ المحو والشطب. “المعارك” الأدبية، وأنا استخدم لغتك، لا تُحسم بهذه الحدّة والوضوح. قصيدة النثر بأنواعها وأشكالها وما سبقها من قصيدة التفعيلة هي أنماط فاعلة تتلاقح وتتناسل باستمرار.

* ـ الحديث هنا يجرنا إلى السؤال إن كان المثقف العربي استطاع أن يستوعب مفهوم الحداثة فعلاً وينتهي من إشكالاتها. ؟
الأدب هو فنّ المساومة على الحقيقة. أو قل هو فنّ المساومة على المعنى بأدوات متبدّلة مؤقّتة متحرّكة. والحداثات هي كالكثبان الرملية فعل تراكم لا تعاقب. والتراكم يعني المجاورة والتماسّ والتقاطع. أما التعاقب فيعني المحو والإلغاء والاستبدال. ما يعني أننا في كلّ انتقال من مرحلة إلى مرحلة حداثية جديدة لا نلغي سابقتها وإنما نؤسّس عليها. هكذا تنبني الحداثات بعضها فوق بعض. لا يمكن الحديث عن بداية جديدة من الصفر في كلّ مرّة ننتقل إلى شكل حداثي جديد. الحالة الصفرية هذه غير ممكنة لا على مستوى التنظير ولا على مستوى التطبيق. ولأنّ الشعر أكثر الأنماط الكتابية مراوغة وتملصًا ومساومة كان لا بدّ من أن يظلّ في حالة استنفار مستمرّ في بحثه عن التجريب.

* ـ من المعروف انك كتبت اكثر من دراسة حول الأدب النسائي .. ما مفهومك لهذا الأدب، وهل أنت مع هذه المقولة ؟
لقد كتبت عن هذه المسألة دراسات عديدة مطوّلة باللغتين العربية والإنجليزية. وما زلت أدرّس مساقًا جامعيًا لطلاب الدراسات العليا في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة حيفا. هناك أنماط كثيرة من هذا الأدب، منه ما كان نسائيًا بالأساس (أي جندريًا/جنسانيًا) ومنه ما كان نسويًا أي آيديولوجيًا. والنسوي الآيديولجي قد يكون سويًا معتدلا تصالحيًا وقد يكون راديكاليًا صداميًا عنيفًا. في الأدب الذي تسمّيه “نسائيًا” قد تكتب المرأة بصورة لا تختلف عن تلك التي يكتب بها الرجل. وفي النمط النسويّ تجد رجالًا كتبوا عن المرأة وهمومها ودافعوا عن رغباتها وأحلامها إلى أقصى حدود المسموح والممنوع والحلال والحرام. وعلى رأسهم يوسف إدريس، كاتب نسوي آيديولجي جريء ومنحاز بالكامل قلّما تجد أمثاله حتى عند النساء.

*ـ كنا لاحظنا توجه معظم الشعراء العرب إلى الشعر الصوفي، لاسيما بعد محاولة ادونيس إحياء التراث الصوفي واستخدام مفرداته في القصيدة، ..ولكن الملفت الآن هو توجه بعض الروائيين العرب لإحياء التراث الصوفي واستخدامه في السرد..؟
صحيح. هناك نماذج كثيرة في هذا الاتجاه. ولعلّ جمال الغيطاني من أبرزهم. هكذا تبدو الصوفية لي موقفًا رافضًا من المستهلَك والمأنوس والمتآكل. الصوفية تحرير من سطوة الراهن الأرضي السمج. في التوجّه الصوفي دعوة إلى تفعيل أو تجريب أعراف قرائية جديدة. في هذا التوجّه دعوة للتأمّل بعد أن كانت هذه الأعراف مؤسّسة على قراءة تتابعيّة. في تقديري تسعى الكتابة “المتصوّفة” من باب الالتفاف على الواقع إلى تكريس ثقافة المساءلات. والمساءلات الأدبية هي فعل تواصل لا فعل توصيل. والتواصل منظومة فكرية تنبني على شورى أو مشاركة، وفي المشاركة أخلاقيات ديموقراطية وممارسات تسامحية لا يجدها الكاتب إلا في فضاء النصّ. وهكذا بالتالي تساهم الصوفية في الأدب العربيّ الحديث في عملية التعويض، أعني تعويض الكاتب والقارئ عن تجارب القمع التي يعيشها في وطنه بواحة محدودة من الديموقراطية.

* ـ من الظواهر الملفتة في الأدب الحديث عدم وجود فواصل واضحة بين الأجناس الأدبية حيث أصبحت الرواية والقصة أقرب ما تكون إلى القصيدة ..؟
من أبرز مظاهر ما بعد الحداثة في الأدب العربي بصفة عامة هو ميوعة الحدود والضوابط النوعية الصارمة. الأدب العربي الحديث يتنقّل بصفة مستمرّة بين النوع الخالص (Pure Genre) والنوع المتداخل (Inter-genre) واللانوع (Anti-genre). وهذا الحراك النشط هو في المحصّلة الأخيرة تنقّل بين ثقافة التجنيس وثقافة التنصيص، حيث يكون النصّ الفردي (Text) أو العمل (Work) بديلا عن . وهذه مثلما نراها انتفاضة ضدّ ثقافة القولبة والتنميط. هذا الحراك النوعي تعبير عن رغبة الكتّاب في البحث المتواصل عن أدوات تعبيرية وجماليّات أدبية جديدة بدلا من تلك المستهلكة التي استنفذت نفسها وانتهت صلاحيتها. لا يمكن الحديث عن هموم تتراكم كلّ يوم بوتيرة لاهثة بنفس الأنماط التعبيرية المأنوسة والأعراف الكتابية المغلقة والمنجزة التي تآكلت بالتقادم. وإذا نظرنا إلى مسألة التداخلات الصوتية في الأدب العربي الحديث بصفة عامة من منظور التفاعلات النصّية، على نحو ما حدّدها باختين وكريستيفا وجنيت، لوجدنا أنّ تشابكات النصوص والروايات والأصوات والأصداء في كيان نصّي واحد تساهم في تفكيك خطاب الأحادية في النوع الأدبي وتقويض مفهوم “النقاء” (Purity) في النوع. مثلما ترى كلّ أشكال التناصّات المعروفة في الأدب العربي لم تعد جزءًا حصريًا من منظومة “الأدوات” بل صارت في ذاتها ثقافة غائيّة وفكرًا وموقفًا. وهذا شبيه إلى حدّ بعيد بكلّ أشكال الميتا كتابة (Meta-writing) الكتابة عن الكتابة. وحين يفعل الكاتب ذلك يتحصّن في فضاء نصّه ويجعله الوطن البديل.

* ـ يلفت البعض إلى تجاهل النقاد العرب للحركة الأدبية في الأرض المحتلة، واقتصارهم على الاهتمام بالأدب الفلسطيني في الشتات..ما مدى صحة هذا الان..؟
نعم، لأسفي الشديد! بعد نكسة 67 بدأت مظاهر التشظّي العام تترك آثارها بوضوح على كلّ مناحي الحياة في الأمة العربية من أقصاها إلى أقصاها. وبتشجيع الغرب الاستعماريّ بدأت تتحوّل بوتيرة عالية من مفهوم “الأمّة” الواحدة إلى مفهوم “الشعوب” المتعدّدة خصوصًا بعد زوال الحلم الناصري وتفتّته. وهنا بالضبط بدأت ثقافة “الترسيم” أو “رسم الحدود” الفاصلة تتغلغل في كلّ المجالات المعرفية ومناحي الحياة المختلفة حتى في الأدب العربي نفسه. وهكذا يمكننا الحديث الآن عن آداب عربية كثيرة وليس عن أدب عربي واحد. هناك العشرات من الدراسات الجامعية العليا من أطروحات ماجستير ودكتوراة قد كتبت في الغرب عن الأدب الفلسطيني بروافده الثلاثة وما زالت تكتب باستمرار. ليس لأنّ هذا الأدب هو في محصّلته العامة قول آيديولوجي مقاوم في المقام الأول بل لأنه أدب راقٍ يستحقّ الدراسة الجمالية مثلما يستحقّ الدراسة الآيديولوجيّة على حدّ سواء.

* ـ كيف ينظر كتاب الداخل ونقاده إلى ما يطرح حول مسالة التطبيع.. ؟
هل سمعت أحدًا من الفلسطينيين يدعو بالسرّ أو العلن للتطبيع مع المؤسّسة الثقافية الإسرائيلية الرسمية؟! هل مشاركتنا نحن الفلسطينيين المنزرعين في أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم قبل 1948 في الحراك الثقافي العربي هو تطبيع؟ قبل سنوات التقيت بالصديق الدكتور صبري حافظ في لندن وتحدّثنا في الأمر. ووعد حينها بالحديث إلى الدكتور جابر عصفور، وكان حينها الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في مصر، ويبدو أنّ الأمور لم تسر على النحو الذي أردته.. ألا يكفي ما تمارسه ” إسرائيل” وعلى رأسها الوزيرة الأميّة ميري ريجف (وزيرة العلوم والثقافة) من ملاحقات ومطاردات بوليسيّة إجراميّة؟! لماذا لا نُدعى للمشاركة في جزء من الحراك الثقافي في العالم العربيّ؟! نحن في حاجة ماسّة إلى تواصل حقيقي مع العالم العربيّ لتأكيد الصلّة وتكريس اللُحمة وربط الوريد بالوريد. وهل يستكثرون علينا هذا الحلم بحجّة التطبيع؟

*ـ على الصعيد الإبداعي، هل تعتبر وجودك في أراضي الـ48 ميزة.. أم أنه حرمك من ميزة ما؟
عزيزي الأستاذ وحيد، لقد أخطأت الصهيونية خطأ تاريخيًا فادحًا من جانبها حين “أبقت” جزءًا من الشعب الفلسطيني عام 1948 في أرضه ولم تقتلعه على نحو ما فعلت مع الغالبيّة العظمى من هذا الشعب. وهم اليوم نادمون على ذلك! هكذا تنظر المؤسّسة الصهيونية الحاكمة في إسرائيل إلى الأمور. لم أترك أرضي وهذه نعمة كبرى. لم أجرّب المنافي والشتات واللجوء بمفاهيمها الكلاسيكيّة ولم أمرّ بتجربة الدقّ على جدران الصهريج. أكنت ترى في ذلك نقمة أم نعمة؟! إسرائيل لن “تسارع” إلى ربطنا بالعالم العربي. الصهيونية تسعى جاهدة بطرق عديدة إلى قطع الطريق الموصل بيننا وبين دمشق وبغداد ومسقط.

إلى الأعلى