السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الضعفاء والفقراء و”الصغار”.. ولعب الكبار

الضعفاء والفقراء و”الصغار”.. ولعب الكبار

علي عقلة عرسان

إن حرب الكبار لها طعم آخر، وحرب الكبار هي من أجل مصالح الكبار، ومن أجل هيمنتهم. وممارستهم للقتل والنهب وفرض أنفسهم على الآخرين. لكن على الفقراء والضعفاء و”الصغار”، أن يدفعوا الثمن الفادح، في السلم والحرب، وما بينهما. إنهم في السلم يدفعون أموالهم وثرواتهم وخيراتهم وحرياتهم وما يملكون، وفي الحرب يدفعون إضافة إلى ما سبق حياتهم وأرواحهم وما بينهما، ويعيشون القلق والخوف والإرهاب وانتظار الرعب، ويفقدون أوطانهم أو يكادون.

يبدو أن تنازع العملاقين “الولايات المتحدة الأميركية، وروسيا الاتحادية”، على إقتسام عالم اليوم، يستعيد ما كان من صراع الأميركيين والسوفييت، أو حلفي وارسو والأطلسي، في القرن العشرين.. وأنه دخل، أو يكاد يدخل، مرحلة جديدة من مراحل المواجهة المموَّهة بينهما. وبينما بدأ متوسطو القوة نسبيًّا، يجرون حساباتهم الضيقة جدًا، ويقومون بخطوات تحفظ لهم مصالحهم، أخذ الضعفاء يتراكضون، منذ أكفهرَّت سماء مطالع القرن الجديد، كي لا يذهبوا “فرق عمله” بين المعسكرين، هذا إذا جاز أن نتحدث بعد اليوم عن معسكرين تحديدًا، بكل ما كان لمعسكري القرن العشرين، من “ايديولوجيًّا” عقائديًّا، ومن اختلافات، وتمايز في السلوك، والمصالح، والأهداف العامة، وفي أساليب التطبيق، والوصول إلى الأهداف. وقد هيأ العملاقان “للضعفاء”، في هذا القرن، شأنهم في ذلك في القرن الماضي.. وشأن الأقوياء على مر التاريخ: شعارات ولافتات وقضايا ملائمة تحشدهم وتشغلهم، ويمارسون باسمها ومن أجلها، نشاطًا فعالًا ضد كذا من الأعداء، يصل إلى حد استنزاف الذات والقدرات والثروات.. ويصب ذلك كله، في نهاية المطاف، في مجرى الصراع العام بين الكبار، ولصالح طرف منهما.
والعالم، مذ وجد العالم، معتاد على لعبة: ابتلاع القوي للضعيف، الغني للفقير، الكبير للصغير، الخبيث للطيب، والشرير للخيِّر، والعدواني للمسالم. ورغم الدموع التي ذُرفت مدرارًا، من أفراد وجماعات وشعوب، والدماء التي أُريقت، والآلام التي قرَّحت القلوب وأدمت الأنفس، وزرعت الرعب في مفارق الأجيال، جيلًا بعد جيل، وأثمرت ثورات وإرهابًا وفظائع، وشقاء وكوارث، وشرائع وحقوقًا للإنسان، ومبادئ ومنظمات، وأعرافًا وقوانين ومواثيق دولية.. رغم ذلك كله فإن شريعة الغاب ما زالت تسود المجتمع البشري، وتهدد القيم والإنسانية، وكل ما هو إنساني. لقد تميز القرن العشرون بتفوق وحشي وتقني وعدواني، ظهر في الاستعمار، وفي الحروب ضد الاستعمار، وتجلى وحشية وبؤسًا في الحربين العالميتين المكلفتين، الأولى والثانية، وفي حروب المعسكرين الإمبريالي والشيوعي، بالوكالة أو بالأصالة.. وأبدع أقوياؤه في تنفيذ هذه الشريعة، شريعة الغاب، بدوافع استعمارية، وأيديولوجية، وبغوغائية أشد، التهمت في بعض الأوقات عقولًا ومفكرين ومبدعين وثقافات، وروجت، سياسيًّا وثقافيًّا وإعلاميًّا على الخصوص، من أجل تبرير الفظائع وتسويغ الصراعات الدامية والحروب البائسة.. إلا أن القرن الواحد والعشرين، على ما يبدو، يرهص بما هو أكثر جنونًا ووحشية، وأشد فتكًا بالبشرية والقيم الإنسانية.. وما تم في ما مضى من عقديه الأولين، يشير إلى ذلك الذي نخشاه، ويلوِّح بما هو أمر وأدهى.
إن لعبة الكبار تُلعب بدهاء شيطاني، وبخبث، وذكاء منحرف كليًّا نحو الهمجية والكراهية والشر والوحشية.. ويجد الضعفاء، و”الصغار”؟! أنفسهم مسوقين لتحريك اللعبة، ولأخذ دور البيادق على رقعة الشطرنج الخاصة بها، رغم أنهم، دولًا وشعوبًا وأفرادًا وجماعات، يعرفون في قرارة أنفسهم، أو أنه على الأقل يخامرهم شك وتداعبهم هواجس، في أن اللعبة التي يُقحَمون فيها، بوهم أنهم لاعبوها المختارون، ما هم إلا المسخّرون فيها والخاسرون، مهما كانت مجرياتها ونتائجها النهائية. لكن هل لهم أن يخرجوا بعيدًا من دائرة اللعب، وأطرها المرسومة لهم، ومن الملاعب المحددة، وهي في الأغلب الأعم، بلدانهم، وكل ما يمتد حتى لَيَطول أحشاءهم؟! يبدو أن هذا غير ممكن، لأن قانون الكبار يقوم على أسس مريعة، تعتمد الإباحة والاستباحة، وكل ما لدى البشر من قدرة على القتل والإجرام والكذب والفتك، وعلى الإغواء والإغراء المؤديين إلى السقوط والإسقاط.. وتكاد تتضمن مقولة واحدة صحيحة: “إذا لعبت خسرت وسُحقت، وإذا لم تلعب خسرت وسُحقت، وعليك أن تتوهم أنك تختار، وأن تقرر بحرية”؟! وفي الاختيار الأول، يجد اللاعب نفسه في الدوامة، وقد يموت رعبًا قبل الموت، وفي كل لحظة من حياة، ولكنه يلعب.. أما في الثاني فالأمر أشد مرارة وغباوة وعبثية وبلادة ورعبًا.
ولكن المسلّي، المكتَنِز بالغش، في لعبة الكبار وعبثهم بالضعفاء والفقراء و”الصغار”، أنها تقدم تشويقًا مبهرًا ومستمرًّا للعبة وللانخراط فيها، وتجديدًا يوميًّا في الشعارات والدوافع، ليشكل ذلك حفزًا ” نضاليًّا؟!” للاستمرار تحت راية، ويقدّم مثيرات للبطولات والشجاعة والتضحيات، الأمر الذي يفضي إلى أن يبقى المذبَح “المقدس” للكبار الأقوياء الأغنياء.. شَخَّابًا بالدم البشري، شرهًا له، مشعًا بتجدده ومتباهيًّا بكمِّ انهماره من أوردة وشرايين ملايين البشر في أنحاء المعمورة.. حيث توقد على جوانب ذلك المذبَح، شعلات اللهب المقدس، لإحياء ذكرى الشهداء..؟!” ولا يَنسى الأقوياء الكبار الأغنياء مطلقًا، أن يقدموا كل ذلك الموت والشقاء، للداخلين فيه، مغلَّفًا بالمُقدَّس “الديني أو القومي أو الوطني”، وأن يشعَّ بآمال التحرر والحرية والعدل، وأن يستمر بتوق، بل بتوقع يربو فيه القين على الشك، ويتضاءل فيه الوهم أمام العزم.. أن يستمر بالتطلع إلى تحقيق الآمال العراض، والنجاحات الكبرى، والنهضة الشاملة، والسعادة الكاملة.. ويتوقف تحقيق كل ذلك، على الانتصار، أو بالأحرى على التقدم خطوات وخطوات، على طريق تحقيق ذلك الانتصار، في حرب تفتح أبواب حروب، و”انتصارات” لا تكتمل إلا بانتصارات مدرجة على جدول أعمال الطموح الذي يرتاد فضاءه أقوياء وأغنياء ومغامرون ومقامرون.. ويخوضون الصعاب إليه، بسواعد الفقراء والضعفاء والصغار، وعبر دمائهم، وبإزهاق أرواحهم، وبالقضاء على كل ما هم، وما يكونون، وما يتطلعون إليه، في كينونة مندفعة بصورة ما، على دروب يرسمها الكبار ” للصغار”؟! ويتجدد لهاث أجيال من البشر، المسوقين في تلك الدروب، بعصا القوة أو بسحرها، يحدوهم الوهم، وينزفون الدم، وهم يركضون وراء السراب، لبلوغ “جزرة الأمل” التي يعدهم بها الكبار، ويقدمونها لهم مزيَّنة بكل ما يصنع الانبهار. ويفضي إلى ركض الفقراء، والضعفاء، و”الصغار”، ويموتون جوعًا ورعبًا، وهم يتوهمون أنهم سينجحون في دفاعهم عن أنفسهم، وإيمانهم، وقيمهم، وحريتهم، وكرامتهم.. عن أجيالهم، وهوياتهم، وخصوصياتهم.. عن قومياتهم، وأوطانهم، ومجتمعاتهم.. عن مصالحهم، ولقمة عيشهم، وعن حقهم في الحياة.. فلا يلقون إلا البؤس والشقاء، والموت بعد الموت.. وفخًّا ينتظرهم بعد فخٍّ، مما ينصبه لهم الأقوياء، الكبار، الأغنياء، الأشرار.
وفي اللحظات القليلة التي يشعر فيها الضعفاء، بأن رياح الوعي تجتاحهم، بدعوة من داعٍ أو دُعاة للوعي والتبصُّر وإدراك المكائد والمهالك والمؤمرات، التي تحيق بهم وتستهدفهم.. دعوة إلى الوقوف عند بعض الوقائع والحقائق، لمراجعة الذات، بُغية التوصل إلى موقف منقذٍ يتخذونه، عن تعقل وتيقُّنٍ وإدراك واقتناع، وبإيمان تام، حيث تنتشر بينهم وتروج دعوة للتكاتف والتكافل، ولاتخاذ موقف منقذ، ومناصرة من يتخذه ويدعو إليه، ليكونوا قوة لها وزنها، تحميهم في عالم الأقوياء.. في تلك اللحظات تهب عليهم رياح السَّموم من جميع الجهات، تنفثهم سمومها، وتنفثها فيهم.. في تلك اللحظة، نرى موقفهم يهزُل، ويتراخى، ويتبدَّد، ونرى جمعهم ينفضُّ.. إنهم يخافون أو يخوَّفون، ويتساقطون قبل أن يتاح لهم مجرد رفع الصوت عاليًا، احتجاجًا، ويتحوَّلوا من بعد ذلك إلى عَصْفٍ مأكول. ويُخذَلُ ذلك الذي دعا إلى الوعي، والتبصّر، ورفع الصوت، بعد مراجعة واعية للذات.. يُخذَل ويُفرَد إفراد البعير المُعبَّدِ، لأنه قرر أن يلعب “لعبة الوعي، لعبة البصيرة والتبصّر، لعبة الاستقلال، أو الحرية والتحرر من قيود الأقوياء.. يُخذَل ويُفرد ويبقى وحيدًا، ويسقط في مصيدة “الكبار”، حيث تُشهَر عليه السكاكين، في النور والعتمة.. لأنه مطلوب من الكبار، حيًّا أو ميتًا؟! إنه يحاول أن يخترق جدار الصمت، وأن يرى إلى ما وراء جدران الملعب الضخم الذي بحجم الأرض، ذاك الذي تدور فيه اللعبة.. وفي اللحظات التي يصبح فيها متهاويًا، بائسًا، يائسًا.. يرى أياديَ، ظاهرها فيه “الرحيمة”، تمتد إليه “لتنصره، وتنتشله من المحنة؟!”، وما هي إلا أيادٍ من أيادي أولئك الكبار القابضين عليه، المتنافسين على اصطياده واستثماره إن أمكن.. وكلها يد كبيرٍ تسابق يدَ كبير آخر، لاصطياد الفريسة، وهي في ذروة ضعفها، لتضع ذلك الصارخ المسكين في قفص كبير، يخاله فضاء رحبًا، فضاء للحرية، يختاره؟!.. إنها يد تمتد إليه وهو منهك، ومنتهك، ومسحوق تحت الأقدام، والسكين على عنقه، في المِحَزِّ تمامًا.. وهي في موقع المنقذ، إذ تمتد إليه لتخيٍّره بين أن يكون داعية عميلًا لها، يستخدم وعيه وصوته وقدراته في الفتك بالناس الذين يثقون به، مستخدمًا كل قدراته على الفتك، وعندما يرضى يخظى برضا الكبير الذي اصطاده، ويعيش في ظلال الأمن والنعيم.. وإلا فالخيار الآخر أمامه، وهو خيار معروف له تمامًا..
إننا اليوم، على الرغم من المصافحات والابتسامات والمجاملات، وما في جعبة الساسة من نفاق مُعَتَّق.. على مشارف حدوث تصادم حاد، أو تمثيل لتصادم حاد، بين العملاقين.. تدفع ثمنه الشعوب، إن هو حدث، لا سمح الله، شقاء وموتًا.. أو تدفع الثمن نزفًا وركضًا وارتماء على هذه العتبات أو تلك، إن هو لم يحدث، خوفًا على مصيرها حين يحدث، وإشهارًا لانتماء “حربي”، تحت راية كبيرة، إذا ما حدثت الطامة؟!
لقد بدأنا الدوران في الحلبة، والارتماء في المجال المغناطيسي لـ”قطب” ما. وفي الوقت الذي تكاد فيه الدوامة تأخذنا وتبتلعنا.. نأمل، أو ربما ما زلنا نأمل، لو كان هناك تحرك جمعي مفيد، يجعل من الضعفاء قوة، تميز وجودها ومصالحها، وتميز تحركات قابلة للتمييز في لعبة الكبار والأقوياء والأغنياء.. ونحن ما زلنا نملك أن نميز مشاهد، أو أجزاء من مشاهد، تلك اللعبة الكارثية، ونستطيع أن نتأمل، ونفكر، ونستبطن ذواتنا، ونستقرئ الواقع في ضوء ما مرَّ بنا من وقائع، تشيِّب الأطفال.. لنستخلص نتائج، ونتخذ مواقف.. لكن، للأسف، يبدو أن هذا كان ممكنًا، أو كان الوصول إليه مفيدًا في وقت سابق، أي قبل السقوط الحر، والتفتيت المبرمج الذي طال ويطول أمتينا العربية والإسلامية على الخصوص، ويفتك بكل دولة من دولنا على نحو ما، ويشقي شعوبنا، وأكاد أقول إنه يفتك بكل جماعة ومنطقة، وبكل قوة حية في كل نفس منتمية حية.
اليوم هناك تحركات سياسية مستمرة، لم تحدث، بهذه السرعة والكثافة والرشاقة، حين كان الموت ـ وهو ما زال ـ يحصد الضعفاء والفقراء، سواء في حرب الحروب، على العرب والمسلمين، وبالعرب والمسلمين في أرضهم، ولا في حين كان الاحتلال الصهيوني يمارس ويستعد لممارسة المزيد من الفتك والقهر والإبادة لشعب فلسطين، بعد حروب مستمرة عليهم وعلى أمتهم.. ولا في المجالات الإنسانية، التي هي من نتائج تلك الحروب، ومما هو من أبشع ما مر في بعض الحروب، أو في غير ذلك من مآسٍ وحالات.
إن حرب الكبار لها طعم آخر، وحرب الكبار هي من أجل مصالح الكبار، ومن أجل هيمنتهم. وممارستهم للقتل والنهب وفرض أنفسهم على الآخرين. لكن على الفقراء والضعفاء و”الصغار”، أن يدفعوا الثمن الفادح، في السلم والحرب، وما بينهما. إنهم في السلم يدفعون أموالهم وثرواتهم وخيراتهم وحرياتهم وما يملكون، وفي الحرب يدفعون إضافة إلى ما سبق حياتهم وأرواحهم وما بينهما، ويعيشون القلق والخوف والإرهاب وانتظار الرعب، ويفقدون أوطانهم أو يكادون.
إن معالم غابة القرن العشرين الموحشة، بحروبها الوحشية، تتغير في القرن الواحد والعشرين، لكن ربما للأسوأ، والغابة ستبقى غابة، موحشة، ووحشية، ومرعبة، ودامية، ومظلمة.. وعلى “الضعفاء”، وعلى الفقراء، وعلى ” الصغار”، أن يتدبروا أمورهم بسرعة، قبل أن يتم ابتلاعهم مجددًا، هم وأبناءهم وثرواتهم وأوطانهم، من الكبار. إن عليهم أن يستعملوا عقولهم، ويستقرئوا تجاربهم، وأن يثقوا بأنفسهم، وبقدراتهم، وأن عليهم أن يؤمنوا بقيمة، وبجدوى، ما حصلت عليه الإنسانية، نتيجة التجربة وتراكم الخبرة، وهو “إن في اتحاد الضعفاء، والفقراء، و”الصغار؟!”، قوة يمكن أن تردع الأقوياء، وتحرر الفقراء والضعفاء وتحميهم، وحتى أن تحجمهم وتفجرهم إن هم لم يرتدعوا”.

إلى الأعلى