الإثنين 30 مارس 2020 م - ٥ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / قراءة في تجربة الفنان التشكيلي التونسي نجيب بالخوجة

قراءة في تجربة الفنان التشكيلي التونسي نجيب بالخوجة

الأثر الفني موقف ثقافي ووجود حيّ للمكتسب
كان لقائي الأول والمباشر بأحد أعمال الفنان التشكيلي التونسي نجيب بالخوجة سنة 2013 لدى الفنان فريد بالكاهية بمنزله الكائن بمدينة مراكش، وقفت حينها أمامه وأنا اتجول بين اعمال الفنان المعلقة على كامل جدران بيته والتي كان من ضمنها اعمال للعديد من أصدقائه الفنانين وكان من بينهم القريشي أيضا. تحدثنا مطولا عن تجربته ولم يخف بالكاهية إعجابه الشديد ببلخوجة وبقيمة اعماله وأفكاره في تاريخ الممارسة الفنية سواء في تونس او في العالم العربي والغربي، والمكانة التي يجب ان تحظى بها هذه التجربة المعاصرة قبل الأوان على عدة مستويات.
وكان لقائي الثاني بمجموعة كبيرة من اعماله والذي اعتبره لقاء حقيقيا خلال معرضه الاخير الذي نظمه رواق الفنون بالبلفدير بال 2017 والذي ضم مجموعة هامة من اعمال الفنان، هذا اللقاء الذي اعتبره متأخرا جدا كباحثة في ميدان الفنون ولا أعرف على عاتق من تقع مسؤولية هذا التأخير، ربما لعدة اعتبارات كنت قد تحدثت عنها مع بالكاهية سابقا وربما لهذا يجب ان نغير من استراتيجيات تعليم وتدريس الفنون لدينا.
المهم عانقت هذه التجربة عن قرب والتي كان على محامل وبتقنيات مختلفة وقبل دخولي لهذا المعرض كانت في ذهني مجموعة من الآراء التي كنت قد قرأتها او سمعتها حول هذه التجربة من هنا وهناك لكن لن اخفي الامر عنكم انمحت جميعها لحظة وقوفي امام اول عمل وأيقنت تدريجيا خلال تجولي بين الاعمال سبب هذا التنوع والاختلاف في الآراء حولها وبأن العلاقة ما بين الترميز والجمالية تنبني على نوع من التواطؤ المسبق.
فذلك التقاسم الذي يعيشه بالخوجة ما بين التخييل والابداع الذاتي والمخيلة البصرية المشتركة له دلالات كثيرة حيث يستثير من خلال المعطيات المرئية المشتركة والخاضعة لفلسفته الخاصة الذكاء التأويلي للمتلقي، من خلال ادراكه جيدا لما يحيط به اولا من تشابه على مستوى اساليب الممارسة الفنية وقتها، وماهو بصدد التأسيس له والهدف الذي يرمي الى بلوغه من خلال ما يحيط به من موجودات ومدركات بصرية وخاصة جسد المدينة بماهو ذاته من ضمنها يعيش فيها حاضره ويستعد لبناء مستقبله الفني من خلالها. تلك المدركات الطبيعية هي سبيل الفنان لإدراك علاقته بالكون كوجود وادراكه لهذا الكون وخروج ما في نفسه من القوة الى الفعل بفعل ذلك الادراك. والمقصود بالمدركات الطبيعية هنا ليست مكونات الطبيعة من اشجار وتراب وحيوانات بل هو الطبيعة التي قصدها ارسطو هي العقل الفعّال الذي قصده الفرابي وابن سينا، الطبيعة الخلاقة لا الطبيعة المخلوقة، الطبيعة الصانعة لا الطبيعة المصنوعة أي أن “منزلة الفن من المصنوعات الفنية كمنزلة الطبيعة من المصنوعات الطبيعة”…”فالخط صناعة، والرسم صناعة والزخرفة صناعة وكذلك النثر والشعر والموسيقى” كما العمارة فتعاطي الفنان مع المدينة والخط ليس بهدف تلك المحاكاة البسيطة لما يظهر من هذه المصنوعات الطبيعة وتقليدها ونقلها الى سطح اللوحة بهدف التجريد لمجرد التجريد او لتعطي ارتساما شبيها بذلك المظهر الطبيعي المفرغ وانما هي نتاج لعملية نظر وتأمل معقدة لتبسيط واختزال الهيكل والجوهر ومن خلاله ادراك لخصوصيات الموضوعات وتلك العلاقة الناتجة عن تفاعلهما وامتزاجهما من ناحية البناء، حيث تلك الجدلية بين الفراغ المملؤ والمملؤ الفارغ، وتلك المسطحات العميقة والمتجاورة رسما والمتباينة لونا هي اليات الفنان لادراك جوهر الموضوع ومعالجته من خلال قوة تركيباته التي تستمد عمقها من بساطتها هذه البساطة الحكيمة التي تنم عم فكر الفنان الذي يرسم بدراية ووعي كبيرين، تلك التي لا تستدعي الاشتغال على تدرجات اللون والمنظور للايهام بالعمق بقدر ما يكمن عمقها من خلال قوة التخطيطات التي تلج جوهر الموضوع المعالج وتقوم بتنقية الجزء الاكثر اثارة وقوة لتلك الهندسة والتمتع بفضائل جماليتها من خلال مجموعة بسيطة من الخطوط العمودية والافقية والمنحنية والمنكسرة…القادرة على اسفزاز القارئ وضمان توهانه ما بين الشكل/اللاشكل، الشكل/اللون..الملء والفراغ…هذه المتاهة الجمالية المحكمة البناء هي جوهر الممارسة الفنية لدى بالخوجة الذي نأى بنفسه عن ما كان سائدا وإختار ان يفكر في مكتسباته وكيفية بلورتها كمجال للتفرد والتعاطي معها برؤية جوهرية فجاء رسمه بمثابة الموقف الوجودي والنقدي العميق على حد رأي الناصر بالشيخ الذي يقول في هذا الصدد”في هذه النقطة بالذات تتمحور حسب رأي القيمة الحقيقية لتجربة بالخوجة وتكتسب أهمية يمكن وصفها بالتاريخية. ففي مجتمع تبنى فنانوه ممارسة الرسم على أسس “التلقائية” و”الموهبة” و”الصدق” وتجنبوا التنظير الموازي لهذه الممارسة باعتبارها جدالا ومضيعة للوقت اختار نجيب بالخوجة منذ أوائل الستينات أن يجعل من ممارسته للرسم موقفا ثقافيا بالمعنى الواسع للكلمة، أي موقف وجودي يتصل بالهوية الفردية والجماعية الفاعلة في التاريخ وتختلف عن الهوية المنتهية المشدودة بالماضي- وموقف سياسي بالأساس حيث يكون العمل الابداعي تعميقا للوعي بالحاضر واستشرافا ضمني للمستقبل”
ومن هذا المنطلق فإن الفنان نجيب بالخوجة كان يعرف جيدا مبتغاه وهدفه من البحث حيث لم يكن مهووسا كغيره بطرق الرسم التي كانت شائعة حين ابداع منجزه الفني بل كان همه هو تحقيق ذاته في الفعل، والفعل الفني لا يظهر لديه من خلال المصنوع كمظهر بل ككيفية صنع، فهو يقتفي آثار المدينة فيختزل ويبسط ويكتشف من خلال ذلك ووفقا له حيث يقول سنة 1970 “وبفعل هذه التنقية او هذه التعرية التي تؤدي بي الى انتزاع كل الزوائد والحفاظ على الهيكل تمكنت من ايجاد مقاطع حروف بل ومقاطع كلمات أيضا”. فتلك العلاقة بين المدينة والخط الكوفي لم تكن اعتباطية بل مكتشفة وغير مخطط لها هي سحر التبسيط والاختزال الذي يبني من خلاله الفنان عوالمه ولذته الكونية على أنقاض ما كان سائدا، خطّان أو ثلاثة قادرة على تكوين متاهة تصل بالشكل الى الجوهر، جوهر الفكر الانساني المتصل بفعل التأسيس والوجود البعيد.
والمتأمل في اعمال بالخوجة يجد شبكات مفردية عديدة ومتنوعة تتناسل من نفس الشكل البسيط الذي توصل اليه الفنان بعد عمليات بحث وحذف دقيقة، شبكات هي مجموع توافقات يولدها الفنان وتختزل عميقا جسد موضوعاته الى مكوناتها الاكثر احتمالا للتأويل، فعبر الاستدلالات الموحية الى جسد المدينة ومنها الى تعرجات وثقل الخط الكوفي يخلق الفنان عالما ملونا ربما بسيطا للناظرين للوهلة الاولى ولكنه متاهة جمالية وفكرية بالغة العمق للمتفحصين والمبصرين الى جوهر الشيء والعلاقات الكامنة ورائهه. حيث وظف الفنان اللون لخدمة هذا الغرض الفكري والجمالي بعناية ودقة بالغتين ليثير حساسية المتلقي لمشهده الفني من خلال التنويع في الالوان ودرجاتها وتبايناتها بماهو قضية محورية لديه حيث لم يفصل بين اللون والشكل فاللون هو الشكل كما الشكل و اللون، حاول من خلاله تحرير النظر من المادة باكسائها لونا فاللوحة لديه ليست جامدة لذلك لا توجد اشكال والوان يمكن الفصل بينها بل توجد قوّة حيّة تغذيها افضلية اللون والذي يعد لدى الفنان ظاهرة روحية فهو ليس جزءا من الفضاء التصويري بل تكمن حقيقته في كونه والعبارة لكاندنسكي “وجودا ذاتيا” وبالتالي فاللون هو الاثر الفني لدى بالخوجة بتضاداته وتدرجاته وقيمه فهو يحيل الى حضور أصلي وليس الي شيء خارجي. حيث يملأ الفضاء التصويري روحيا ويتحر من خلاله الفنان من سلطة المحسوس لينبع الاثر الفني من ذاته كمصدر للأشياء في فنه. بمعنى يرتبط لدى بالخوجة فعل الوجود بفعل التلوين حيث يمنح اللون لمتاهته وجودا خاصا لا يمكن سوى لهذا الفنان تصميمه والتحكم في أليات ابداعه. لبلوغ تلك الفضاءات التصويرية التي تظهر جماليات اخرى جديدة للمواضيع وتذيبها داخل الوجود الناقد والمفكر وكأني به ينتج وجها تصويريا صوفيا من خلاله، حيث يمثل طاقة وذبذبة لها من الكثافة والصلابة ما يجعلها قادرة على ترجمة الوجود الجمالي للشيء المتداول والمكتسب اي الوجود المثير واللامشخص لجسد المدينة.
من جسد المدينة الى جسد اللوحة الجمالي على نحو بلاغي مجازي يدل الجزء من خلاله على الكل، يمنح المتلقي امكانية الاستغناء عن الموضوعات في كليتها لصالح المتعة الجمالية البلاغية بمكوناتها الجوهرية الدالة. لعبة جمالية وفق مبدأ مزدوج الاختزال/الكشف، التقليل للتعرية فيأتي العمل الفني بمقتضى هذا بمثابة موقف بصري جمالي مدجج بالعلامات والرموز تنمحي معه الحدود نحو تفاعل كبير بين العين الباحثة والفضاء المشكل، موقف ثقافي واع يبحث عن قيم جمالية جديدة وسط السائد انطلاقا من المكتسب الثقافي والحضاري لتحريره من المادي ولإحالتنا من خلاله الى الداخل الى الجماليات الباطنية الحية والتي تبدو ميتة وصامتة لنكتشف وجودا حيّا في صلبها. وجودا عميقا ومختلفا وجوهريا لجسد المدينة إكتشفه بالخوجة ليبشر من خلاله بقيم جديدة حيث يقول كاندنسكي في نفس الاطار في كتابه الروحي في الفن “الفنان يتسامى بالطبيعة الميتة ويماثل بينها وبين المواضيع الحيّة فهو يعامل هذه المواضيع معاملة الانسان لانه يتمتع بهبة رؤية الحياة الداخلية حيثما نظر”.
في نهاية هذا النص لا يفوتني أن أشير الى ضرورة ادراج هذه التجارب الفنية ضمن مناهجنا التربوية وفرضها كمواضيع بحث لطلبة الفنون لمزيد التعرف عليها ولقائها مبكرا لأن في لقائها متأخرين يكمن خلل كبير وعميق وجب معالجته.

دلال صماري
باحثة وتشكيلية تونسية

إلى الأعلى