الجمعة 25 سبتمبر 2020 م - ٧ صفر ١٤٤٢ هـ
الرئيسية / أشرعة / أسس التصميم المعماري كعملية واعية

أسس التصميم المعماري كعملية واعية

التصميم للمعماري هو حجر الأساس في مهنته، ويتعدى مجرد تجميع الأحيزة الفراغية معا أو تشكيل عناصر المبنى فقط بل هو آلية ومنهجية ونشاط ذهني. وبقدر ما يمارسه المعماري بقدر ما يتحسن أداؤه، كما أن أية مواهب فنية مصاحبة ترفد بشكل كبير هذه العملية الذهنية التي تتطلب مهارات على العديد من المستويات، إذ فالرسم اليدوي هو الوسيلة للتعبير. هل يمكن للشاعر نظم قصيدته إن لم يحسن قواعد اللغة وأبجدياتها؟ ولذلك فلا بد للمعماري المصمم الناجح من حس فني مرهف وعين حساسة تدرك النسب الجمالية في الطبيعة والأشياء. كبار المعماريين كانت لهم ميول فنية مختلفة؛ كبار المعماريين كان بعضهم يقرض الشعر أو له اهتمامات بالموسيقى، وتجد بعضا آخر منهم يهوى الرسم عموما أو لهم ميول وهوايات مصاحبة كلها تصب في خانة الإبداع عموما. فالمصمم هو مبتكر ومبدع باطلاق الكلمة ولا يمكن ان يكون المصمم المعماري مبدعا إن اقتصرت ميوله في التصميم على ما يتعلمه على مقاعد الدراسة وضمن “قواعد الكتب”. فالتصميم ليس مقتصرا على “وصفات جاهزة” يتجرعها الطالب المعماري ويحفظها ويقدم فيها امتحانات لنيل درجة. التصميم هو عملية إبداعية يتدرب عليها الطالب وتتطور بتطور مداركه وخبراته، وإذن بهذا المنظور هي عملية إبداعية غير محدودة، ننمو وتكبر وتتدحرج ككرة الثلج ولا حدود أو محددات لمفرزاتها إلا ما تحدده قدرات المصمم الذهنية.
المواهب المصاحبة التي ينميها الطالب المصمم هي مهمة بأهمية أسس التصميم التي يتدرب عليها. الكثير من المعماريين المبدعين تكون تذكرة دخولهم مجال التصميم هي تلك المواهب والميول المصاحبة والتي لاحقا تؤثر في تطوير قدراتهم وتفرض تميزهم في مجالاتهم. هناك معماريون أظهروا ميولا عامة للرسم أو التصميم عموما كتصميم السيارات، أو قطع الأثاث أو النحت أو تطبيقات متعددة من الفن التجريدي. وهناك من المعماريين من يحسن الخط العربي. فالخط العربي به نسب جمالية متعلقة بعرض البوص الذي تكتب به وتحسب نسبة الحرف بدلالة النقط. انسيابية الحرف العربي رائعة الجمال. من اللافت أن المعمارية الراحلة زها حديد أشارت إلى تأثرها بالخط العربي في الأشكال الانسيابية التي وسمت أبرز معالم مشاريعها العالمية وبخاصة مشاريعها المتأخرة في العالم العربي.

والتصميم الذي نشير إليه هو “التصميم الواعي”. فبرغم أن عملية التصميم ذاتها تدور في العقل “اللاواعي” أو في اللاشعور، أو العقل الباطن، إذ أنها عملية بدهية مكتسبة لا تخضع بمجملها لوصفات جاهزة (رغم منطقية عملية التصميم التي تبدو أحيانا كعملية رياضية)، إلا أن هذه العملية يرفدها العقل الباطن للمصمم – تماما كقيادة السيارة. فالمتدرب على قيادة السيارة يبدأ بمعرفة مجموعات أساسية من المعرفة النظرية والمهارات العملية، لكنه سرعان ما تتحول هذه العملية الى العقل الباطن لاحقا. فمن غير الشائع ان تجد سائقا يقود سيارته ثم يقابله دوار فيفتح كتاب تعليم القيادة النظري ويبدأ بقراءة ما يتوجب عليه عمله لدى عبوره الدوار بسيارته. وكذلك التصميم “الواعي”، فهو عملية ذهنية محسوبة ومقدرة ومحكوم نواتجها بقدرات ومؤهلات وعلوم تدور جميعها في آلية في العقل الباطن للمصمم، هو عملية “واعية” مدركة لهذه المتغيرات والمؤثرات لكنها تدور في العقل “اللاواعي” أو العقل الباطن.

وهناك بون شاسع بين ناقد الفن وبين المصمم الفني، الأول إن لم يمارس تكون كلماته جوفاء لا تعني شيئا البتة؛ مجرد فلسفة سفسطائية. من السهل نقد عمل ما، لكن من الصعب أن تتقن العمل كما تريد. ولكي تكون ناقدا جيدا عليك أولا أن تمارس في المجال الذي تنقد فيه. وبقدر ما يكرس المعماري حياته للعمارة بقدر ما تصبح نظرته للحياة انتقائية نمطية ومنهجية. فطبيعة عمل المعماري تتطلب التفكير المستمر في البدائل المختلفة واتخاذ القرارات والإنتقاء بينها على نحو يومي بحيث تتكرس كنمط حياة. ومما يزيد من هذا التأثير الدراسة الأكاديمية العليا وبعض المدخلات الثقافية التي تصوغ عقلية المعماري بحيث تصبح نمط حياة تجعله يكاد يخضع أمورا كثيرا في حياته لمنهجية معينة.

من المفيد التعرف على الآلية التي بها يتم إفراز النواتج المعمارية بشكل خاص والتي تدخل ضمن دائرة أوسع وأعم من التصميم والإبداع الفني. وهو عماد تطور الحياة البشرية والقفزات النوعية في تذليل موارد البيئة لخدمة الإنسان وبما يناسب احتياجاته عبر التاريخ. وعملية التصميم هي من العمليات المحورية التي بني عليها أساس الكون والتي تشكل بؤرة الحياة وحركيتها من ناحية، كما أنها تشكل موضع الإبداع والإتقان الذي تقوم على أساسه جماليات الحياة من ناحية ثانية. ويبدو أنه من غير المناسب تماماً الفصل بين بدء عملية التصميم تاريخياً وبين الحياة اليومية ذاتها، فالتاريخ يروي أن التصميم والابتكار كان الدافع له الحاجة البشرية الملحة والمستمرة لمجابهة المستجدات وإيجاد حلول إبداعية للمشاكل. والتصميم هو عملية ذهنية تتجمع فيها مجموعة من القدرات العقلية والمهارات اليدوية أحياناً، إضافة إلى الخبرات المكتسبة على مستوى الفرد، أو التقاليد أو الأعراف أو المخزون المتوارث شعورياً أو لا شعوريا على مستوى الأفراد. ولذلك فيبدو أنه من المناسب القول إن عملية التصميم بدأت منذ فجر التاريخ ومع تواجد الحياة ذاتها، فحاجات المأوى والملبس والصيد والحركة والتنقل وغيرها قد أفرزت مجموعات من الأدوات والنواتج التي عكست العقلية والظروف والمرحلة التاريخية التي برزت بها. وبذا فقد غدت هذه الأدوات والمبتكرات ذات دلالة على الحقب التاريخية وذات قيمة أثرية لدى علماء الآثار وإحدى وسائل التعريف بهذه الفترة أو تلك.

ويذهب البعض مثل (Henry Glassie) الذي درس البيوت التقليدية بولاية فرجينيا بأن هذه النواتج والإفرازات التصميمية تقود لمعرفة العقلية والقرارات التي اتخذت من قبل أسلافنا، وتعكس نمطية في التفكير يمكن استنباطها من النواتج الحسية التي بين أيدينا، أي بكلمات أخرى إن تحليل النتيجة والرجوع بالعكس ذو دلالة في معرفة الآلية التي تمت بها إفراز أي منتج، بل والتعرف على عقلية وطريقة تفكير من أفرزها بالماضي.

وموضوع التصميم المعماري بشكل خاص متعدد الجوانب، ليس فقط لإلمامه بجوانب متخصصة في صميم العمارة بشقيها العلمي والفني، ولكن لتعلق عملية التصميم ذاتها بنواح عقلية ذهنية تدخل ضمن إطار أوسع متعلق بعملية إبداعية وتكوينية تشكيلية تنشأ بالدراسة والمران، وتتبلور مع الزمن والخبرة لتشكل صبغة لهذا المعماري أو المصمم أو ذاك. ومن هنا فيمكن القول إن عملية التصميم هي ميكانيكية مرحلية في بداية الأمر إذ يمر المصمم بمراحل وخطوات منطقية ابتداء، بيد أنها تتقولب ضمن صبغة تخص المعماري في مرحلة لاحقة، بحيث تغدو نمطاً وطابعاً معمارياً أكثر من مجرد آلية أو منهجية تفكير منطقية، فما هي الآلية التي تمر بها مرحلة التصميم؟

من المعلوم أن عملية التصميم تبدأ بمراحل من التجربة والخطأ وتلمس بداية الطريق مما يعني طرح جميع البدائل الممكنة ومن ثم اختيار الأنسب بمعايير المنطق أو معطيات البرنامج أو متطلبات المالك. ومن المهم التركيز على هذه النقطة للمعماريين الشبان في بداية طريقهم، إذ ومن خبرة عملية يمكن الإشارة للمحاولات المتكررة للتفكير بمختلف البدائل والتي قد تبدو للوهلة الأولى أن بعضها خارج دائرة التفكير. وهي الطريقة التي توصل للحل، وذلك بطرح كافة الممكنات واللاممكنات على الطاولة ومن ثم المقاربة للحل بطريقة الاستبعاد. وطريقة التجربة والخطأ وطرح البدائل والاستبعاد هي عملية رياضية محضة، وتتبع قوانين منطقية، ولذلك فمن الخطأ التوصل إلى قناعات مسبقة قبل الدخول في التفاصيل والقدرات المحتملة للبدائل.ولعل من المناسب الإشارة إلى أن آلية التصميم تظل ثابتة نسبياً بصرف النظر عن طول الخبرة في مجال التصميم، إذ تبقى آلية طرح البدائل التشكيلية والمفهومية (Conceptual) خاضعة للتفكير العميق ولعملية التحليل والاستنباط. إنما الذي يمكن اكتسابه، سواء عن طريق الخبرة أو التعليم، هو المعرفة بالقدرات المحتملة وخصائص المفردات أو العناصر الموضوعة على الطاولة موضوع النقاش. فعلى سبيل المثال، يبدأ المعماري المصمم عادة في تلمس الطريق للأشكال التي سيستعملها في عكس مفهوم المبنى أفقياً (للمخطط الأفقي) ورأسياً (للواجهات والمقاطع المعمارية). وهذه المفردات هي أشكال هندسية محضة لها قوانين رياضية وهندسية ينبغي مراعاتها، فاستعمال الدائرة يتطلب احترام المركز والخطوط الشعاعية التي تنطلق منها، والمستطيل هو ذو أفضلية على المربع بوجود ضلعه الطويل والذي ينبغي مراعاته كمحور أكثر تكاملية وذي قيمة اعتبارية خاصة وهكذا. ومن هنا نرى أن التطور بخبرة المصمم (وهذه النقطة مهمة للغاية) ليس في اختزال خطوات آلية التصميم وهو المزلق الذي قد يقع به بعض المعماريين إنما يتم التطور الذاتي لمعرفة المصمم في إدراك القدرات التي تمكنه المفردات والعناصر المستعملة في التصميم من توفير حلول أفضل إن أحسن استعمالها.

وبعيداً عن الدخول في تفاصيل تحليل العناصر الثابتة والمتغيرة، يمكن القول إن التصميم ينبغي أن يكون انعكاساً مباشراً لهذه العوامل الثابتة كخصائص الموقع وطبوغرافيته وعوامل الطقس وحركة الشمس النهارية وموقعها من المبنى، إضافة لحركة الرياح وطبيعة المؤثرات المجاورة وإطلالة الموقع كالمناظر المحبذة أو التي ينبغي تجاهلها، وكذلك الشوارع المحيطة والتي تؤدي من وإلى الموقع وغيرها. أما العناصر المتغيرة فتشمل الفكرة المعمارية والبرنامج الوظيفي، بالإضافة إلى محلية أو اقليمية التعامل مع العمل المعماري وغيرها. وبقدر ما تزيد المؤثرات المحيطة بقدر ما تزداد الفرصة لإعطاء حل أكثر إثارة ونجاحاً رغم زيادة التحدي الذي يقابل المعماري المصمم.

وعدا عن هذه المؤثرات، وضمن مرحلية التصميم في نقطة ما، يقابل المعماري منهجيتين في التعامل مع العمل المعماري، والذي شأنه كشأن أي عمل إبداعي لا بد له من لحظة مولد (لا زمنية) بمعنى أنها من الإبداعية والخلاقية بمكان أنها تنتج التصميم لاحقاً. وهاتان المنهجيتان هما أبرز ما ينقسم إليه معماريو العالم العربي: الأولى تمثل الانتقال من الجزء إلى الكل، أو يمكن تسميتها (bottom-up) وتعني ببساطة الإعتماد على مجموعة من المفردات الجاهزة لتشكيل التصميم الكلي. أما الثانية فهي رسم الصورة الكلية للمشروع ومن ثم الإنتقال إلى التفاصيل الجزئية التي تراعي المخطط الهيكلي الكلي الذي تم رسمه أو هي (top-down). وكلا المنهجيتين تحتاجان طول الخبرة والتعامل مع المفردات وأجزاء العمل الواحد ببراعة، ولكن من المهم الإشارة الى أن الأولى قد يميزها فكرة “التجميعية” – مما يعد أحد سلبياتها، بينما قد يغلب على الثانية إقحام الشكل على حساب الوظيفة، وهما موضوعان مهمان برسم التأمل والبحث.

د. وليد احمد السيد
مستشار تطوير التراث العمراني
sayyedw14@gmail.com

إلى الأعلى