الإثنين 30 مارس 2020 م - ٥ شعبان ١٤٤١ هـ
الرئيسية / أشرعة / الاستثمار الاقتصادي للمبدعين في المجال الثقافي ( 2 – 2 )

الاستثمار الاقتصادي للمبدعين في المجال الثقافي ( 2 – 2 )

يشمل “الاستثمار الثقافي البلدي” النفقات التشغيلية والمنحية والرأسمالية المتعلقة بالفنون المسرحية والفنون البصرية والإعلامية والحرف والتصميم والمتاحف والتراث والمهرجانات والمناسبات الخاصة والأنشطة المتعددة التخصصات والصناعات الإبداعية والثقافية والمرافق الثقافية المملوكة للمدينة، والمناطق الثقافية، والفن العام، والمشتريات الفنية الأخرى. ويمثل صافي الاستثمار ما ينفق على البرامج والخدمات الثقافية من قاعدة الضرائب البلدية (14).
وهذه تجربة فريدة ورائدة تستحق المتابعة والتطبيق في نجاحها ليس فيما قدمت لاختلاف الثقافات، ولكن في طريقة الاستثمار والتنظيم له.
ولذا، فمجرد التفكير في إقحام المستثمرين في المجال الثقافي في هذا المؤتمر يُعد مبادرة حسنة ورائده في هذا البلد، ويبدو أن الفجر يبشر بخير، حيث بدأ القطاع الخاص يملك ثقافة صناعة الثقافة، بل وثقافة الاستثمار في الثقافة بتغير النظرة إلى الثقافة بوصفها قطاعا غير منتج.
إلا أنه يوجد تحذير مهم هنا، وهو إذا أردنا دعوة رجال الأعمال للمساهمة في الاستثمار الثقافي فيجب ألا نطبق عليهم ذات النظام الضريبي الذي يُطبق على باقي الصناعات. فنحن نحتاج لتشجيع رأس المال وتوفير فرص استثمار مناسبة له عن بقية المجالات، وإلا لن يجازف بالدخول فيها. كأن يكون هناك إعفاء من الضرائب لفترة معينة ثم ندخل في تحصيل ربع الضرائب بعد نجاح المشروع ثم في نصف الضرائب بعد توافر أرباح للمشروع، مع تقييم دوري لكل هذا الحراك بشكل مرن.
هذا هو ما سيشجع الاستثمار الثقافي في إنتاج الكتاب، والفنانين المسرحيين، والموسيقيين، والتشكيليين، وعناصر الحرف اليدوية التراثية، والسياحة وغيرها.
وهنا نستنتج أن إحدى نقاط الضعف في تخطيط وإدارة وتطبيق برامج التنمية الإنسانية، ومن ضمنها الاستثمار الثقافي، عدم وجود دراسة كافية مسبقة لأي مشروع أو برنامج للتنمية الإنسانية ولكيفية إدارة المعرفة والمهارات وتفعيلها والمشاركة بها بما يخدم الأهداف التنظيمية والاجتماعية.
إننا نحتاج إلى فريق يقوم بالابتكار الثقافي، وآخر يقوم بالأبحاث والتطوير لهذه الابتكارات وعلاقتها بالسوق وفئات المستهلكين المستهدفة وأعمارهم، وثالث من القطاع الخاص يعمل على الاستثمار في هذا القطاع.
لماذا لا نستطيع أن نصبح مثل بريطانيا، وكندا، ونيوزيلندا، وتايوان، وكوريا، وهونغ كونغ، وسنغافورة، في وضع استراتيجية تطوير الصناعات الإبداعية بوصفها جزءاً من استراتيجية الابتكار القومي؟
وهنا نستطيع القول بأن دول مجلس التعاون الخليجي، كمثال قريب منا، لا تنقصها المهارات والقدرات ولا حتى الإمكانيات، بل ما ينقصها هو غياب الآليات المناسبة لتفعيل وتحفيز والاستفادة من برامج التنمية الإنسانية بشكل حقيقي وفاعل في عملية الاستثمار الثقافي وفقاً لضوابط واستراتيجية نوعية ضمن خطط وطنية متغيرة متطورة تواكب العصر الحديث والمستقبل المنظور (15).
ولا نريد ان نحشو كلامنا بمؤشرات وإحصائيات عن موقع مجلس التعاون في المعرفة أو تقنية المعلومات، أو عدد الجامعات وطلبة الدراسات العليا، فهذا له بعد وجانب آخر، بل لنركز على كيفية استثمار كل تلك الأرقام والمؤشرات التي تضعها منظمات وهيئات ومؤسسات محلية أو دولية على محك التطبيق في الاستثمار الثقافي، سواء من قبل الرجل أو المرأة.
خلاصة القول، في خطوات الاستثمار الاقتصادي للمبدعين، المطلوب استثمار للأثر الناجم عن المنتج الثقافي وليس استثماراً في الثقافة نفسها، استثماراً في المؤثر الذي أنتجها. أي نقل المجتمع من الجهل إلى المعرفة، ومن غياب الوعي إلى الوعي، ومن الفقر في الإبداع والإنتاج الثقافي إلى حالة من الحركية الإبداعية الدائمة، وهنا نتطلع إلى دور القطاع الاقتصادي الخاص في هذا المجال.
والمطلوب اليوم أن يسير الاستثمار الثقافي في خطين متوازيين إذا كان يسعي حقا للنجاح والتواصل والتأصيل لا التجميل فقط، بأن يكون هناك استثمار ذو شقين، بين البشر والحجر سوياً. وبذلك ستتم المواءمة بين النوعين من الاستثمار لنتجاوز مرحلة الاستثمار المادي فقط في الحجر، ولا مانع من ذلك إذا تم وضع استراتيجية ناجعة وتخطيط واع ومدروس جيداً وليس ارتجاليا وآنيا وردة فعل سريعة لفكرة طارئة. إن الاستثمار الثقافي في البشر هو استثمار في الأشخاص المنتجين للثقافة، وفي المجتمع المستهلك لها، وهذا في حد ذاته سوف يشكل نهضة ثقافية لمجتمعاتنا.

إذن، ويبقي السؤال ملحاً في أذهان الاقتصاديين قبل المثقفين أنفسهم، وهو كيف يمكن تحويل المواد الثقافية إلى مواد اقتصادية؟ أي كيف نخطط مشروعات اقتصادية ناجحة في مجال الثقافة؟
ولن نقول لكم أعطونا مجتمعاً واعياً عاشقاً مقدراً للثقافة والمثقفين والمبدعين، ومناهج علمية مدرسية وجامعية تؤصل الثقافة في ذهنية وتفكير وعواطف الفرد العربي كما تفعل معظم الدول الغربية؛ لأعطيكم بعدها مشاريع استثمار ناجحة في شتى مجالات وفنون الثقافة.
بل لنبدأ من لا شيء أو من الصفر ثقافيا، كما يقال. نتحدث هنا عن الاستثمار في الأحداث الثقافية ودعم الإبداع وتكوين المجموعات الفنية والمتحفية بدمجها مع الاستثمار في الصناعات الثقافية وإنتاج المضامين. نريد عندما ندخل قلعة أثرية أو متحف تاريخي أو جغرافي أو فني أو شعبي أن نرى الإنسان في كل جوانبه، بمعنى الإنسان الحضاري العُماني، أو البحريني، أو الخليجي، أو العربي عموماً. نريد أن نرى مؤلفات هذا الإنسان تُقتني بشغف، نريد أن نرى إنتاج يديه من الصناعات، والحرف والتحف الفنية، زمن نشيج ذوقه في الموسيقى، تصاميمه الفنية، عروضه المسرحية، إعلامه، يُسوق بثمن معقول على كل المرتادين من الجمهور محلي أو خارجي. نريد أن نرى الإبداع والإنتاج الثقافي، والتراثي، والتاريخي، وغيره، حاضراً بقوة في كل موقع ومكان ولكل فرد سائحاً أجنبياً كان أم فرداً في المجتمع.
ربما سيقال هذا ليس مطلبا معقولاً في ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية الآن وبرامج التقشف، مع زيادة الأسعار ونقص في الأموال. فأقول، ليس همنا أن نجني ثروة ونكدس الملايين من جيوب الناس، بل أن نشرك الناس جميعا، أفراد المجتمع، في النتاج الثقافي إما إبداعا وإنتاجا أو دعما. لو تعود كل فرد من مجتمع ما وعدده 100 ألف مثلاً على أن يدعم الإنتاج الثقافي شهرياً بشراء أي كتاب، أو تحفة فنية، أو منتج شعبي تراثي، أي أن يصبح مستهلكا للإنتاج الثقافي، مجتمع استهلاكي ولكن للإنتاج الثقافي؛ فهذا يكفي لتشجيع كل أنواع الثقافة ودمجها مع الاقتصاد العام دون إجبار ولا قسر ولا فرض.
إن الاستثمار في الثقافة لا يمكن أن نقوم به وينفذ إلا من خلال جرعات من النمو الفكري، والارتقاء بمستويات معينة من التأهيل الثقافي في المجتمع. هو ليس آلية ميكانيكية تحدث فعل الاستثمار على ارض الواقع، كن فيكون.
فالاستثمار في الثقافة يحتاج بداية إلى إنتاج المعرفة ونشرها، ثم توظيفها بكفاءة في جميع مجالات النشاط المجتمعي بهدف الوصول إلى التنمية الإنسانية المستدامة كما أن الاستثمار في الثقافة (16). يتطلب بداية وبشكل أساس الانفتاح على الثقافات الأخرى فالاستثمار ليس دائرة مغلقة كالثقافة الذاتية، انه عالم من العمل المشترك مع الآخر لا يتم دونه. فالاستثمار في الثقافة ليس جسما غريبا على المجتمع كي تتم معالجته بعيدا عن وحدة الثقافة الشاملة له.
كما أن الاستثمار في الثقافة ليس بالضرورة فقط أن يكون ماديا عبر بناء متحف أو إقامة نصب تذكاري أو تحويل موقع للسياحة؛ بل هناك استثمار في الجوانب المعنوية والحياة الإنسانية على نطاق أوسع واشمل. فتوافر الفرص لاكتساب المعرفة، والإنتاج، والإبداع، والاستمتاع بالجمال والكرامة الإنسانية، وتحقيق الذات، كما دعت إليه تقارير الأمم المتحدة للتنمية الإنسانية (17)؛ لهو أهمل حقول هذا الاستثمار.
كما أن الاستثمار في الثقافة يجب ألا يُبخس دور المرأة وتمكينها، أي ألا يكون هناك استثمار بالرجل فقط.
فمن هو المفترض أن يقوم بالاستثمار في الثقافة؟ النخب المثقفة، أم الاقتصاديون، أم الحكومة، أم البرلمانات والهيئات السياسية، أم الشعوب برمتها؟ نترك هذه الأسئلة للتداول والنقاش، فهي ليست فرضا من جانب رأي آحادي على المجموع الحاضر.

رابعاً: نماذج واقعية لبعض أنواع الاستثمار الثقافي والمردود الربحي له

على الرغم من أن تحقيق الأرباح في مجال الاستثمار الثقافي غير ممكن البتة على المدى القصير؛ إلا أننا في حاجة إلى وضع سياسة لصناعة ثقافية حديثة متطورة تراعي التنوع في البيئات الثقافية العربية على امتداد الوطن العربي.
ويأتي هذا المشروع ضمن إطار التنمية الاقتصادية التي وضعت لها خطط واستراتيجيات مسبقة. وبجانبه اقتراح آخر بشكل موازٍ، وهو إنشاء هيئة تنمية الصناعات الإبداعية الثقافية أو هيئة تنمية الاستثمار الثقافي العام. كما أنه لدينا هيئات تدير شؤون الرياضية، والشباب، والعمل، والأسرة؛ يتم إنشاء هيئة تنمية الصناعات الإبداعية الثقافية بحيث تكون مستقلة في حركتها وخارج نطاق الروتين الوظيفي، وتعمل كشركة ربحية. ويمكن أن يدعم هذا الاقتراح إيجاد صندوق الإنتاج الثقافي مثلا، بتعاون القطاع الاقتصادي مع الدولة وجمعيات الثقافة والفنون عموماً.
ولابد من التفكير فعلاً لا قولاً، في سياسات تُشجع على تكوين مثلا فضاء سمعي بصري في الوطن العربي، في الوقت الذي يعجز فيه الفيلم والفيديو والتسجيلات وغيرها من الأشكال الصناعية للاتصالات عن تعويض تكاليفها المرتفعة إذا ما اقتصر التوزيع فقط داخل البلد الواحد؛ ليصبح الاندماج السمعي البصري مصدرا لا غنى عنه لتوسيع السوق وبالتالي تسهيل الإنتاج وتسويقه.
وحتى نكون عمليين حقاً، نفترض أننا نستطيع تحقيق التالي:
1- إقامة أسواق خليجية أو عربية مشتركة للكتب والأفلام وبرامج التلفزيون وأفلام الفيديو، تواكبها إجراءات مقننة لتشجيع الإنتاج والتوزيع الحر للسلع الثقافية. ويفترض أن تصاحبها مسابقة أهم كتاب خليجي سنوي، والفائز بهذه الجائزة يُترجم كتابه بعدة لغات، ويتم تسويقه عالمياً بالاتفاق مع دور نشر خارجية ومنظمي معارض كتب دولية.
2- تشجيع الإنتاج السينمائي في إطار من حرية التناول والحركة، والحد من انتشار الأفلام الأجنبية لحماية الإنتاج المحلي عبر توزيعه والدعاية له، ولدينا تجارب ناجحة في هذا المجال خليجياً وعربياً.
3- تأسيس صندوق خليجي للإنتاج السمعي والبصري يتولى تمويلا جزئيا للإنتاج السينمائي والتلفزيوني بداية، وتسهيل التنسيق بين الدول والشركات والمؤسسات المدنية، وابتكار قنوات جديدة للتوزيع. مع اختيار برامج وأعمال درامية ذات ثقافة وجودة عالية وبمضامين إنسانية راقية، وان كانت من حكايات وقصص محلية بسيطة.
4- إنشاء المقاهي الثقافية كفكرة حديثة وتسويقية ممتازة، تشمل صالة للفنون تتحول لصالة عرض مسرحي بشكل مبسط وسريع في ذات الوقت، وهي مقهى انترنت ومكتبة للقراءة والإبداع، واستراحة لرياضة الهدوء والاسترخاء (اليوجا)، وغيرها.
5- هناك سياحات متنوعة لم تُستغل بعد في وطننا، مثل: السياحة البيئية، السياحة العلاجية، سياحة التسوق، السياحة الجبلية، السياحة الواحية/ الصحراوية، سياحة المغامرات والسياحة الثقافية.
وكمثال، لم نستثمر أهم صناعة بحرية قديمة كانت تضم كافة سكان الخليج وتقيم أود دولهم لقرون، وهي صناعة الغوص. فكل ما قمنا به هو نشر أهازيج الغوص وبعض “النهامة” والإيقاعات البحرية. إلا أنه هنا مجال واسع لسياحة ثقافية مهمة جداً من رحلات للتدريب على الغوص، أو مماثلة عملية الغوص ذاتها، وتاريخ الغوص، ودعم تأليف الكتب عنه بكل حرية وترجمتها ونشرها للجميع. ودعم وتبني صناعة سفن الغوص كتحف عالمية، بدل تُحف الأفيال والأسود، التي نستوردها بالمئات سنويا وهي بعيدة عن تراثنا.
ثم لماذا لا يتم تجديد رحلات الغوص وبتدريب شباب على هذه العملية وبنفس طاقم الغوص القديم من “نوخذة” وبحارة و “نهامة”، وكل طاقم السفينة ليصطحب السياح المحليين والأجانب، في رحلة غوص قصيرة لمناطق قريبة من الساحل مثل غوص “الخانجية” القديم الذي نطلق عليه الغوص القريب من الساحل لأنه كان يتم في بداية فصل الشتاء. وليكن الاشتراك بمقابل مادي بسيط. هكذا نستمر في ثقافة الغوص ونرسخها للأجيال ونوضحها ونعلمها للسياح، ونستثمرها ثقافياً على أيدي الكتاب المبدعين في هذه الأفكار والمهنيين فيها.
أضف إلى ذلك، الغوص في أماكن صيد اللؤلؤ أو المرجان بحسب البيئات العربية، واستكشاف حطام السفن الغارقة وما أكثرها في الخليج، نذكر لكم منها سفينة القائد البرتغالي (فسنت سودري) التي غرقت أمام ساحل عُمان عام 1503 تقريبا، واستخرجتها عُمان مؤخراً، وهي كنز ثقافي تاريخي وسياحي عجيب. وهناك ثلاث سفن تركية غرقت أيام الدولة الثمانية أمام ساحل البحرين كانت محملة بكنوز وفيرة غنمها قائدها التركي (بيري بيك) من جزيرة هُرمز الغنية في ذاك الزمان. أو التعريف بجودة المنتج السمكي والبحري وتنوعهما، فلدينا عشرات الأنواع من الأسماك، ربما بعضها يُشكل موضوع دراسة وبحث علمي عنه، أو دراسة جدوى لاستزراعه في مناطق أخرى من العالم، كما نفعل اليوم مع سمك (السبريم)، وهو أساسا من اسماك البحر المتوسط.
كما أن توظيف بعض جوانب التراث في هذا النوع من السياحة مثل: الألغاز، الأمثال، الحكايات الشعبية، الأكلات التقليدية وأنواع اللباس، أو الطقوس الاحتفالية المختلفة كطلب الاستسقاء، وحفلات الأعراس، وحفلات عيد المولد النبوي، والألعاب الشعبية، وغيرها الكثير.
وكمثل عملي نسوقه هنا للمردود المادي لمثل هذه النشاطات الثقافية الاستثمارية، فقد بلغ عدد زوار متحف اللوفر بباريس 10 ملايين سائح عام 2013، بعد افتتاح قسم خاص بالفن الإسلامي، وهناك 12 مليون زائر في مدينة البندقية الشهيرة بتراثها الثقافي المنوع، ومليونان ونصف من الزوار في مدينة مومباي الهندية “بومباي سابقا”.
ومثال آخر على الاستثمار الثقافي للمواقع الجغرافية، من مشاهدات حية للمحاضر، ففي (البوسنة) جعلوا من ممر بينهم وبين حدود صربيا كانوا ينقلون البضائع من داخل نفق تحته خلال الحصار الصربي عليهم؛ معلماً سياحياً أصبح يُدر عليهم أموالاً لم يكن يتوقعونها. ولكن المهم في هذا الاستثمار أنهم دربوا مبدعين يحفظون تاريخ بلدهم وتراثهم ليربطوا الناس بهذا المعلم. ولنا أن نتصور الأرباح المادية من وراء الاستثمار الثقافي في هذه المدن على القطاع الذي يقوم بها.
ولا نعتقد بأن الاستثمار الثقافي سيكون بين ليلة وضحاها مثل مشروعات (dot.com) في بداية تأسيسها؛ لكنه سيكون اقتصاد العقود القادمة فقط وهي غير بعيدة عنا، بعد أن كان التحول في الاقتصاد العالمي يستغرق موجات تصل إلى 50 سنة تقريبا له ميزة وتكون لها وصفة وتركيز معين. ونحن كما يقول الخبراء، في الموجة الطويلة الخامسة الآن، التي صار عنوانها اقتصاد المعرفة، وتقنية المعلومات والاتصالات وخدمات المعلومات الثقافية غير المحدودة عبر محركات البحث العملاقة حول العالم (18).
أبعد كل هذه الأمثلة للاستثمار الثقافي المربح المتوافر بتنوع واستمرارية واضحة وغير ناضبة، يمكن أن نعجز عن تحقيق شيء في الاستثمار الثقافي لمبدعينا وتاريخنا وتراثنا الإنساني على مر العصور؟

وأخيراً، نحن في حاجة ماسة لإعادة التفكير في الأسس التي تعزز دعم الإنتاج الثقافي. ولا ندعو هنا لتحميل الحكومات كامل هذا الدعم للأبحاث والتطوير ووضع الصناعات الإبداعية على رأس استراتيجيات الاقتصاد الجديد؛ بل لشراكة حقيقية ذات جدوى ومثمرة ومربحة لكلا الجانبين، الحكومي والخاص، وداعمة ومحفزة للمبدعين. لنجعل من قطاع الصناعات الإبداعية مواقع ابتكارات أساسية في منظومة الإنتاج الوطني، ولمشروع الاستثمار في الثقافة أولوية حتمية تفرضها كل ظروف الحياة اليوم من حولنا.

هوامش :

14Hil, K., Cultural Investment by the City of Edmonton, Hill Strategies Research (Edmonton, 2013), pp. 1-11.
15 اليحيى، خالد عثمان، “تنمية الموارد الإنسانية والتطوير المؤسسي: ظاهرة الطاقات المعطلة وإشكالية التمكين في دول الخليج”، ص 164.
16 تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، نحو إقامة مجتمع المعرفة، ص 2-3.
17 تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، نحو إقامة مجتمع المعرفة، ص ج.
18 هارتلي، جون (محرراً)، الصناعات الإبداعية، عالم المعرفة، ج 2 ، (الكويت،2007)، ص 170.

د.محمد بن حميد السلمان
باحث وناقد بحريني

إلى الأعلى