الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / 6 توجهات كبرى ستؤثر في مستقبل الأمن والسياسة الدولية (4-6)

6 توجهات كبرى ستؤثر في مستقبل الأمن والسياسة الدولية (4-6)

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. إننا (لا نزال في مرحلة مبكرة من ثورة المعلومات الحالية, وتأثيراتها على الاقتصاد والسياسة متفاوتة) إلا ان القياسات التاريخية السابقة تساعدنا على فهم بعض القوى التي ستشكل السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين, (حيث تغيرت الاقتصادات وشبكات المعلومات بسرعة أكثر بكثير من سرعة تغير الحكومات, وقد تنامت أحجامها بأسرع من تنامي السيادة والسلطة).”
ـــــــــــــــــــــــــــــ

التوجه الرابع: دول افتراضية ومواطنين عالميين:
يستطيع المرء البدء بتمييز وملاحظة نمط جديد من المجتمعات المتداخلة قائما على التشكل ونوع من الإدارة يحملان شيئا من الشبه بالوضع الذي كان سائدا قبل ان يصبح نظام الدول ذا طابع رسمي بمعاهدة سلام ويستفاليا (فالاتصالات العابرة للقومية عبر الحدود السياسية كانت نماذج مألوفة في عهد الإقطاع, ولكنها صارت مقيدة على نحو متزايد بنشوء الدول او الأمم المركزية) حيث سيتراجع مع الوقت نوعا ما عنصر مهم من عناصرها المكونة لبنائها القانوني والسياسي, وهو عنصر السيادة الوطنية بطريقة او بأخرى, باتجاه ما يمكن ان يطلق عليه في العقود القادمة بالدولة الرقمية أو الافتراضية.
صحيح ان الدول ذات السيادة ستستمر بتأدية دور كبير في السياسة العالمية لزمن ليس بالقصير, ولكن ذلك لن يستمر إلى ما لا نهاية, بل سيتعين عليها مع الوقت التنازل عن بعض من سيادتها واستقلالها الكامل أمام ضربات العولمة, وستكون اقل عزلة وانطواء على نفسها, وأكثر مسامية, وسيتعين عليها ان تتقاسم مسرح السيادة الوطنية مع مواطنيها, بل ومع أفراد واسر دولية من الخارج. ما يعني ان مبدأ سيادة الدول واستقلالها والذي ولد في القرن السادس عشر للميلاد مع انهيار النظام الإقطاعي وظهور حركة الإصلاح الديني الذي دفع بدوره إلى تركيز السلطة في أيدي حكام وملوك الأنظمة السياسية القائمة في وقتها وما زال مستمرا حتى وقتنا الراهن في العديد من دول العالم, يمر اليوم بمفترق طرق رئيسي في النظام العالمي الجديد أو الرقمي, ابسط ما يمكن القول عنه, انه يسير نحو التراجع والانهيار والتفتت أمام ضربات العولمة الموجعة بمساندة ثورة المعلومات والمجتمعات الرقمية.
باختصار, فإن هذه التحولات تشير إلى إبطال مفعول الدولة المركزية الحديثة التي كانت تسيطر على السياسة العالمية منذ القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن العشرين تقريبا.
صحيح إننا (لا نزال في مرحلة مبكرة من ثورة المعلومات الحالية, وتأثيراتها على الاقتصاد والسياسة متفاوتة) إلا ان القياسات التاريخية السابقة تساعدنا على فهم بعض القوى التي ستشكل السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين, (حيث تغيرت الاقتصادات وشبكات المعلومات بسرعة أكثر بكثير من سرعة تغير الحكومات, وقد تنامت أحجامها بأسرع من تنامي السيادة والسلطة).
كما ان هناك اتجاهين آخرين لهما علاقة وثيقة بثورة المعلومات, ويعززان التكهن بأن هذا القرن سيشهد تحولات في موقع الأنشطة الجماعية بعيدا عن الحكومات المركزية. وهما: ان ثورة المعلومات صنعت قوى وعناصر فاعلة خاصة عابرة للقومية غير سياسية ولكنها تؤثر بشكل رئيسي ومباشر في سياسات الدول وسيادتها الوطنية كشبكات التواصل الاجتماعي ” تويتر , فيس بوك , والواتساب , وغيرها , و( كذلك قد وسعت ثورة المعلومات من دور الأسواق – الشركات متعددة الجنسية والخصخصة – وتأثيرها على سياسات الدول بطريقة جعلت الدولة مصدرا واحدا للسلطة من بين عدة مصادر )، ( فالتحول القياسي الرئيسي – واعني الثورة الصناعية الى ثورة المعلومات – هو الذي أدى إلى تغيير طبيعة الدولة القومية . فما كان يعرف بالسيادة الوطنية سيتحول إلى مفهوم سيادة الشعب أو سيادة المواطن , فهناك شيء آخر ينشا بدلا من القومية) اتصور بانها قومية الدولة الافتراضية .
وهو ما يؤكده اريك شميدت الرئيس التنفيذي لشركة جوجل وجاريد كوين مدير قسم الأفكار في نفس الشركة في كتاب العصر الرقمي الجديد – إعادة تشكيل مستقبل الأفراد والأمم والأعمال بقوله (ان الدول وخلال العقود القادمة والتي ستخضع فيها سيادتها الوطنية إلى عوالم وأيقونات وضربات المملكة الافتراضية, حيث ستحن الى تلك الأيام التي لم يكن عليها فيها سوى التفكير بالسياسات الخارجية والمحلية في العالم الفيزيائي , ولو كان بالإمكان استنساخ هذه السياسات إلى المملكة الافتراضية فلربما كان مستقبل فن السياسة اقل تعقيدا , ولكن على الدول ان تتعايش مع حقيقة ان الحكم في الوطن مع فرض النفوذ – والسيادة الوطنية – في الخارج والداخل بات أصعب بكثير اليوم ).
و(على هذا النحو ثمة نوع من اللا تكافؤ وقدر من الفوضى العالمية المتجذرة داخلة في صلب العلاقات بين القوى المعلوماتية على الصعيدين الدبلوماسي والاستراتيجي كليهما, وتأكيد العديد من المنافسات الاستراتيجية بات متحولا عن المجال المادي – الفيزيائي نحو المجال المعلوماتي في تجميع المعطيات وانضاجها, في اختراق الشبكات, وفي توظيف السيكولوجيا والتلاعب بها, في غياب مفصلة قواعد معينة للسلوك الدولي, لا بد لنوع من الأزمة ان تنشأ من قلب آليات النظام نفسه).
لذا فإن من ابرز نتائج هذا التوجه الجوانب التالية: تراجع ما يسمى بسيادة الدول على أراضيها وتفتت ما يطلق عليه بمبدأ السيادة الوطنية باتجاه دول افتراضية وسيادة جزئية تتحكم بها الثورة المعلوماتية, والتجمعات الرقمية أو شبكات التواصل الاجتماعي كتويتر والواتساب والفيس بوك, وكذلك الشركات العابرة للقارات, لتكون السيادة القادمة ليس للجغرافيا السياسية بقدر ما سيكون ذلك للجغرافيا الافتراضية, وستتحول الأنظمة السياسية القادمة إلى حكومات الكترونية والأفراد إلى مؤثرين فاعلين في سيادة تلك الأنظمة سواء كان السيادة الداخلية أو الخارجية, فيما يمكن ان يطلق عليه بنهاية السيادة الوطنية وبداية الدولة الكونية الافتراضية أو الرقمية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
**اجزاء هذه الدراسة هي اختصار للفصل الرابع من كتاب غير منشور لي تحت عنوان :: مدخل إلى السياسة الخارجية لسلطنة عمان – مصادر التشريع- المبادئ الموجهة – موارد القوة – القضايا الرئيسية – ابرز التوجهات الدولية التي ستؤثر بمستقبل سياساتنا الخارجية في القرن 21

محمد بن سعيد الفطيسي باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية azzammohd@hotmail.com تويتر – MSHD999@

إلى الأعلى