السبت 25 نوفمبر 2017 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تحية إلى شعب الجزائر

تحية إلى شعب الجزائر

كاظم الموسوي

” .. إذ يسجل للشعب الجزائري وثورته التحررية دورهما في انتصار مسلح ضد مستعمر مستوطن، يؤشر لهما نموذجا يحتذى به، صبرا وكفاحا ونضالا طويل النفس والإرادة والاعتبار، مستلهما أيضا من تجارب تاريخية له ولغيره، من ثورة الأمير عبد القادر الجزائري، وإلى ثورات الجبال والريف في الشمال الإفريقي، وإلى إشعال ثورة التحرر من الاستعمار وإبرام موعد الانتصار التاريخي. ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يحتفل الشعب الجزائري هذه الأيام بدءا من الخامس من شهر تموز/ يوليو كل عام، بيوم الاستقلال والنصر على المستعمر الفرنسي وأعوانه وجرائمه، وهو إذ يحتفل هذا العام بالذكرى الخامسة والخمسين لذلك اليوم المجيد يجدد العزم على الانتصار والاستمرار بأهداف الثورة وحماية المنجزات والمكاسب والوقوف بصرامة مع حقوق الناس والشعوب، دفاعا عنها وإشادة بالتضحيات الكبيرة التي عبدت الطرق للحرية والديمقراطية والكرامة والتقدم والأمن والسلام، ليس في الجزائر وحسب، وإنما في جوارها وخارجه، إقليميا وعالميا.
من جبال الأوراس بالشرق الجزائري، انطلقت أولى الرصاصات، معلنة اندلاع الثورة، في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1954، بقيادة جبهة التحرير الوطني، والتي امتدت على أرض الجزائر حتى إعلان وقف إطلاق النار في 19 آذار/ مارس 1962 ، يوم النصر، ولكن الجزائر احتفلت رسميا في 5 تموز/ يوليو من العام نفسه، بيوم استقلالها، وهو اليوم الذي غزت فيه فرنسا الجزائر عام 1830، فأراده الشعب الجزائري يوما لطردها من البلاد وإعلان تحرره واستقلاله.
بدأت الثورة بمجموعات صغيرة من الثوار وبأسلحة قديمة، وبعض الألغام، وبنادق صيد بشنّ عمليات عسكرية استهدفت مواقع الجيش الفرنسي ومراكزه في جميع أنحاء الجزائر، كما تم توزيع بيان على الشعب الجزائري حمل توقيع الأمانة الوطنية لجبهة التحرير الوطني، داعيا كافة المواطنين الجزائريين من كافة الطبقات الاجتماعية والحركات والأحزاب إلى الانضمام إلى الكفاح والتحرر من الاستعمار وأذنابه.
انتصرت الثورة بإرادة شعبها وخيار قواها الوطنية والتضحيات الجسيمة التي تسمّت بها، ثورة المليون ونصف مليون شهيد، وبدعم حركات التحرر الوطنية والقومية والعالمية. واعتبرت واحدة من أبرز ثورات التحرر الوطني في النصف الثاني في القرن العشرين.
لن تنسى تلك الأيام والانتصارات والمساعدات. كانت ثورة شعبية ونموذجا لثورات التحرر الوطني، لاسيما في إفريقيا، فكما نالت من دعم ومساعدات أمدتها بالمال والسلاح وكل احتياجاتها الوطنية، وشدت من عزيمتها وطاقاتها، أعادت الثورة الجزائرية أو ردت على الواجب بالواجب وانتصرت لكل من استفاد من تجربتها أو قام هو أيضا بحركته ونضالاته التحررية. وكانت من بينها ما قدمته دولة العراق لها، حكومة وشعبا، ماديا ومعنويا. للشعب الجزائري، حيث تظاهر الشعب العراقي، كما هو الحال في أغلب البلدان العربية وغيرها، في مختلف ظروفه وأحواله تضامنا مع الثوار والثورة ومساندة لكفاح الشعب الجزائري الشقيق، وتغنى بأسماء ثواره وشهدائه، غناء وشعرا وتسمية لساحات وشوارع في العاصمة بغداد والمدن الأخرى.
وإذ يسجل للشعب الجزائري وثورته التحررية دورهما في انتصار مسلح ضد مستعمر مستوطن، يؤشر لهما نموذجا يحتذى به، صبرا وكفاحا ونضالا طويل النفس والإرادة والاعتبار، مستلهما أيضا من تجارب تاريخية له ولغيره، من ثورة الأمير عبد القادر الجزائري، وإلى ثورات الجبال والريف في الشمال الإفريقي، وإلى إشعال ثورة التحرر من الاستعمار وابرام موعد الانتصار التاريخي. معززا صفوف حركته التحررية بانضمام الطلبة والعمال، فنظم الطلبة في كانون الثاني/ يناير 1956 إضرابا لنصف شهر تضامنيا، وفي مؤتمر الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين تمت المطالبة بالاستقلال، وفي 18أيار/ مايو دعا الاتحاد إلى إضراب عام مفتوح، بمقاطعة الدروس والامتحانات ودعوة الطلبة للالتحاق بصفوف جبهة التحرير الوطني. كما قام الاتحاد العام للعمال الجزائريين، الذي أُنشئ في شباط/ فبراير1956 بعدة إضرابات وطنية مساندة لجبهة التحرير، مع ازدياد حدة المواجهات العسكرية في كل المناطق في الجزائر.
من ذكريات شخصية جميلة، حين كنت أُدرّس في العاصمة الجزائرية في نهاية السبعينيات من القرن الماضي، وكنت أزور رفاقا وأصدقاء عراقيين وعربا توزعوا في أغلب المدن الجزائرية، ومنها كنت في زيارة رفيق في مدينة في صحراء الجنوب الجزائري، دعانا بإصرار مواطن جزائري إلى بيته، ليشكرنا ويرينا صورته المعلقة في غرفة الاستقبال، وهو يتخرج من الكلية العسكرية في بغداد ويتسلم وثيقة التخرج من الرئيس العراقي الراحل الزعيم عبد الكريم قاسم. وحين عدت للعاصمة الجزائر ورويت القصة هذه لعدد من الرفاق والأصدقاء تحدث كثير منهم عن حصول قصص مشابهة لقصتي في مدن ومواقف أخرى. وهناك قصص أخرى قريبة منها، ومقاربة لها، طبعت العلاقات بين العراقيين والجزائريين، اتسمت اكثرها بالمحبة والتقدير والاحترام.
اتذكر مرة أخرى توقف سيارتي في شارع خارجي ولم استطع تحريكها أو أدير حاجة، وإذا بشرطي مرور يمر مصادفة ويقف معي، وحين عرف انا من العراق، حاول جاهدا مساعدتي، ولما لم يستطع اوقف سيارة أخرى لسحب سيارتي، وقادنا كموكب رسمي إلى أقرب محل تصليح سيارات، ولما شكرته، أجاب: لا شكر على واجب، أنتم ياشيخ عراقي، خير الناس. وكانوا يطلقون كلمة الشيخ على كل مدرس، أستاذ يعمل في الجزائر.
وثالثة تعرفت على شخصية سياسية يسارية بارزة في “مقهى”عام بسبب الفنان القدير ناظم الغزالي، الذي كان هذا الرفيق الجزائري يحفظ له أغلب اأغانيه، وكانت أغنية “عيرتّني بالشيب وهو وقار…” تصدح في المقهى، والرفيق يرددها وتبادلنا مشاعرا أو تجاوبنا مع الأغنية، المقام.. وأصبحنا أصدقاء عبر الفن هذه المرة، نلتقي ونتزاور ونتحدث عن همومنا العربية الجامعة. وبذكر الفن، حبل التواصل، فلابد من ذكر الفيلم الذي حمل اسم”معركة الجزائر” والذي تحول إلى درس عسكري وتاريخي عن الثورة الجزائرية، وسجل موثق عن التضحية والإرادة والتصميم الشعبي الوطني، وقسوة المستعمر الاستيطاني، وجرائمه التاريخية بحق الشعب الجزائري. فضلا عن كونه عملا فنيا متميزا، بالأبيض والأسود، نال منذ إخراجه عام 1966 الكثير من الجوائز والشهادات كأفضل عمل معبر عن فترة من فترات كفاح الشعب إبان الثورة، واستخدامه وقائع حقيقية لحياة مجاهد من أبطال مدينة الجزائر العاصمة وحي القصبة القديم. وأثار ضجة كبيرة، منعت فرنسا عرضه في أراضيها، كما أن إدارة البنتاجون الأميركية قرّرت تنظيم عروض للفيلم لكبار الضباط والقادة الأميركيين بعد احتلال العراق.
احتفال الشعب الجزائري بيوم استقلاله وعيد نصره وإشهار انتصاره تخليد مجيد للنضال الوطني والكفاح الشعبي وأحياء لذكرى الشهداء والدماء التي ضحت ومن أجل هذا اليوم، وهذا المجد، وهذه الصفحات برهان حقيقي للتاريخ والأيام. وستبقى دماء الشهداء والضحايا منارة للأجيال، رغم كل ما كان وما أصبح فلا يبقى في الواد غير حجاره، كما ردد الطاهر وطار في رائعته “اللاز”!.

إلى الأعلى