الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث : إفريقيا .. هل تتضرر بحرية التجارة ؟

في الحدث : إفريقيا .. هل تتضرر بحرية التجارة ؟

طارق أشقر

رغم اكتظاظها بحوالي سدس سكان الكرة الأرضية أي بقرابة الملياري نسمة، وامتدادها على مئات الملايين من الأفدنة من الأراضي الزراعية والغابية، وتربعها على مئات الأطنان من الذهب والألماس والمعادن النفيسة الأخرى، وسيطرتها على أكثر من مائة مليار برميل من الاحتياطي العالمي من النفط الذي تنتج منه مايعادل11% من إجمالي الإنتاج العالمي، إلا أن القارة الإفريقية مازالت تتقدم قوائم التخلف الاقتصادي، حيث يعتبر سكانها الأكثر فقراً في العالم، ومعدل نصيب الفرد فيها من إجمالي الناتج المحلي يعتبر الأقل على مستوى العالم.
وبالرغم من هذا الواقع الاقتصادي المؤلم لسكان القارة السمراء، إلا أن الكثير من اقتصادييها يسعون قصارى جهدهم لكي تلحق قارتهم بالركب خصوصا في مجال “التجارة الخارجية “دون أن يكون لها سجل مشرف في مجال ” التنمية الاقتصادية ” و” التنمية البشرية ” والتنمية المستدامة التي تأخذ في اعتبارها دائما حق الأجيال القادمة في الموارد الاقتصادية الحالية.
لذلك وفي ظل الوضع الاقتصادي الذي لايسر قاطنيها، يواصل التكنوقراط في إفريقيا سعيهم إلى الانضمام إلى العديد من الاتفاقيات العالمية المنظمة لحركة التجارة العالمية والتي بينها اتفاقية التجارة الحرة، والاتفاقيات المنظمة للابتكار الصناعي وحماية الملكية الفكرية، وذلك على أمل أن تتمكن من الاندماج في السوق العالمية وتستفيد من مميزات تلك الاتفاقيات في مجال الإعفاءات الجمركية وغيرها من الإجراءات التي يمكن أن تساعد المنتجات الإفريقية على الدخول إلى الأسواق العالمية دون معيقات كبرى.
ولكن رغم الكثير من الإيجابيات التي توفرها تلك الاتفاقيات، إلا أن بعض الاقتصاديين المتشائمين يرون في حرص إفريقيا على الانضمام إلى حرية التجارة إضرارا بمسيرة نمو وتطور اقتصاديات غالبية دول القارة خصوصا التي لم تأخذ نصيبها الكافي من النمو والانطلاق حتى الآن.
ويرى المتحفظون على تسرع القارة الإفريقية للانضمام إلى تلك الاتفاقيات، بأن دخولها في تلك المنظومة دون تمهل ودون استعداد قد يشكل تهديدا في الوقت الحالي لوتيرة نمو وتطور الإنتاج المحلي للكثير من السلع الاستهلاكية الإفريقية ، حيث قد يؤدي فتح الأسواق المحلية إلى خسرانها لحصتها السوقية، وذلك بسبب عدم قدرتها على الصمود أمام منافسة المنتجات المستوردة المماثلة لها، خصوصا وأن الظروف التقنية والإنتاجية التي توفرت للعمليات الصناعية للسلع المستوردة لم تتوفر للمنتجات الإفريقية المحلية، وينعكس ذلك بالنتيجة على جودتها وعلى تكلفة الإنتاج، من ثم على سعر بيع المنتجات وفقدانها لقدرتها التنافسية.
بهذه الرؤية، يطالب المتحفظون بالتروي الإفريقي حتى تتمكن المنتجات الإفريقية المحلية من تقوية قدراتها التنافسية من خلال اكتسابها قدرة تراكمية في تقوية جودتها وتقليل تكاليف إنتاجها في أسواق محلية أقرب إلى الأسواق المحمية ، لكنها غير مغلقة وغير محتكرة بشكل تام ، وفي الوقت نفسه ليست أسواقاً منفتحة على مصراعيها بحكم القانون وبحكم الانضمام إلى اتفاقيات التجارة الحرة العالمية.
كما يرى المتحفظون أيضا، أن إفريقيا لربما تكون من ضمن أبرز المتأثرين بأحد أفضل القوانين العالمية، ألا وهي القوانين الداعية لحماية الملكية الفكرية، التي يسود الاهتمام بها وبتطبيقها دائما في الأسواق ذات الانفتاح المباشر والتواصل القوي مع الاقتصاديات المتقدمة ، إذ يرى المتشائمون بأن تلك القوانين قد تحد إلى حد مامن بعض اتجاهات الابتكار في المجال الصناعي والحرفي في المجتمعات المحلية المنغلقة دون أن تكون متطلعة على من سبقوها في الابتكار، خصوصا وأن الاقتصاديات المتقدمة قد قطعت أشواطا بعيدة في تسجيل أدق التفاصيل في كل ما يبتدعونه في مجال الابتكار الصناعي، غير أن انغلاق إفريقيا بعيدا عن هذا الجانب قد يساعد بعض مبدعيها على الإيتان بمايمكن أن يدفع بالصناعة المحلية الإفريقية ولو قليلا.
وعليه، وسواء أن تسارعت إفريقيا في الانضمام إلى اتفاقيات التجارة الحرة واتفاقيات حماية الملكية الفكرية أو لم تفعل ذلك، تظل الحاجة الإفريقية إلى تطوير الموارد البشرية بالقارة السمراء ومحاربة الفساد وتوظيف ماتيسر من إيرادات الصادر من المواد الخام الإفريقية لصالح بناء الإنسان هو الأجدى والأهم في الوقت الحالي من أي مساعٍ أخرى في المجالات الاقتصادية الأخرى التي تجعلها في كفة الندية مع الأسواق الغربية.

طارق أشقر
من اسرة تحرير الوطن
ashgartariq@yahoo.com

إلى الأعلى