الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / السقوط في فخاخ الـ”السوشيال ميديا”

السقوط في فخاخ الـ”السوشيال ميديا”

محمد عبد الصادق

” .. حرص نجوم الفن قديما على المشاركة في الأعمال الخيرية ومساعدة المحتاجين والفقراء, وكان هناك قطار يسمى “قطار الرحمة” يتحرك من القاهرة إلى الإسكندرية في خمسينيات القرن الماضي ويشارك في رحلاته كبار المطربين والممثلين ( ليلى مراد وفاتن حمامة وشادية) , يجمعون التبرعات من الركاب القادرين ومن وجهاء المحافظات والمدن التي يتوقف بها القطار وتخصص الحصيلة لكساء وإطعام الفقراء…”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هناك تهافت غير طبيعي من جانب المشاهير, سواء كانوا سياسيين أو فنانين أو نجوم كرة , يصل لحد الجنون والهوس ليس في مصر والدول العربية وحدها بل في العالم أجمع, على التواصل مع مؤيديهم ومعجبيهم وجذب أكبر عدد من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر وإنستجرام وسناب شات), وراح كثير من هؤلاء يتفاخر بعدد المتابعين الذين يملكهم على حسابه والذي يدلل ـ من وجهة نظره ـ على حجم الشعبية والجاذبية التي يحظى بها.
ووصل الهوس ببعضهم حد اللجوء لشركات متخصصة في العلاقات العامة تقوم عن طريق استخدام برنامج حاسوبي بإضافة آلاف المتابعين الوهميين لحساب العميل مقابل مبالغ مالية, وللحد من انتشار هذه الممارسات غير المشروعة أضاف موقع تويتر تطبيقا يسمى (twitter Audit) , يمكن عن طريقه معرفة عدد المتابعين الحقيقيين والمتابعين المزيفين أو الوهميين لأي حساب على “تويتر”, والذي كشف عند تطبيقه سقوط كثير من المشاهير في أميركا في شباك هذه العادة الفاسدة, من أجل الحصول على شعبية زائفة دون النظر للبعد الأخلاقي لهذا النوع من التصرفات.
هذا الهوس بالمتابعة ونيل إعجابات “الفانز”, جعلنا نرى كثيرا من نجوم اليوم منتشرين وفي متناول يد الجميع تحت أسر ” زر الموبايل ” ؛ يعرضون تفاصيل حياتهم على شبكات التواصل الاجتماعي وبعضهم وضع كاميرا تنقل صورته ومشاهد حياته اليومية على الملأ دون تحفظات “سداحا مداحا” دون مراعاة لخصوصية أو احتراز للشكل أو الملبس الذي يخرجون على الناس به ؛ وهل يصلح للعرض العلني أم يحتاج لمقص الرقيب.
في محاولة لمحاكاة ما يحدث في الغرب عندما حولت آلة الدعاية والإعلام الأميركية امرأة لا تملك أية موهبة ولا تمارس أي نوع من الفنون ( لا غناء ولا تمثيل ولا حتى رقص) إلى نجمة يتابعها الملايين حول العالم وتحصد مبالغ طائلة مقابل زرع كاميرات في منزلها تنقل أدق تفاصيل حياتها على مدار الساعة, وأطلقوا عليها نجمة تليفزيون الواقع.
ونتيجة هذا التقليد الأعمى صرنا نسمع ونشاهد يوميا مهازل وفضايح لمشاهير أصابهم هوس الـ”السوشيال ميديا” ولم يكتفوا بنشر صورهم “السيلفي ” على “إنستجرام” بل راحوا يبثون مشاهد فيديو على الهواء لرحلاتهم ومناسباتهم الخاصة يتخللها مشاهد غير لائقة , يتلقفها المتابعون للنجم أو النجمة ويسارعون بنشرها على المواقع الموجودة على الشبكة العنكبوتية حتى صارت فضائحهم “بجلاجل”.
عكس مشاهير الفن والغناء في (الزمن الجميل) الذين كانوا يعيشون في أبراج عالية بعيدا عن العيون, مثلهم مثل النجوم مكانها في السماء وليس الأرض حتى أن صور أم كلثوم وعبد الوهاب الشخصية لم يُنشر معظمها إلاّ بعد وفاتهما, وكان هؤلاء النجوم قدوة ومثالا يحتذى في تصرفاتهم وأخلاقهم و إحساسهم بالمسؤولية تجاه أوطانهم, فرأينا أم كلثوم تجوب البلاد العربية والأوروبية عقب نكسة 1967م تغني وتحيي الحفلات لجمع الأموال لصالح المجهود الحربي ـ وهي على مشارف السبعين من عمرها ـ
كما حرص نجوم الفن قديما على المشاركة في الأعمال الخيرية ومساعدة المحتاجين والفقراء, وكان هناك قطار يسمى “قطار الرحمة” يتحرك من القاهرة إلى الإسكندرية في خمسينيات القرن الماضي ويشارك في رحلاته كبار المطربين والممثلين ( ليلى مراد وفاتن حمامة وشادية) , يجمعون التبرعات من الركاب القادرين ومن وجهاء المحافظات والمدن التي يتوقف بها القطار وتخصص الحصيلة لكساء وإطعام الفقراء ورعاية دور الأيتام والمسنين , كان النجوم يقومون بذلك خدمة للوطن دون رياء أو سعي لمزيد من الشهرة الذي كان ما يقدمونه من فن هي وسيلتهم الوحيدة لنيلها.
أما ما نراه من مشاهير ونجوم اليوم من تباهي بمظاهر الثراء الفاحش واستفزاز مشاعر الناس الغلابة في بلاد يعاني معظم أبنائها من ضيق الحال وصعوبة توفير الحد الأدنى للحياة الكريمة لهم ولأسرهم, بينما هؤلاء النجوم (يتمرغون في العز) ويصرفون بغير حساب , بل راحوا يتباهون ويعرضون صورهم وهم يقضون إجازاتهم في أماكن سياحية لم نسمع عنها من قبل ولا يقدر عليها سوى نجوم هوليوود, ووصل بأحدهم الحمق أن يعرض صورة للشيك المكتوب فيه أجر فيلمه الأخير وبه رقم أمامه ستة أصفار على صفحته بـ”فيس بوك” ليبرهن أنه صاحب أعلى أجر رغم حداثة عهده بالتمثيل, أو يستعرض آخر مشاهد لأسطول سياراته الفارهة ويستفز مشاعر الشباب الذي يعيش معظمه حالة إحباط بعدما ضاقت الفرص ووصلت البطالة بينه إلى 50% .
ممارسات تتنافي مع طبيعتنا وأخلاقنا التي نشأنا عليها والتي تحترم خصوصية الحياة الشخصية وتعلي قيم الحياء والتواضع ومراعاة مشاعر الآخرين.
الكثير منا أساء استخدام التكنولوجيا والبعض وقع في حبائل هذه المنصات اللعينة وتورط في ممارسات لا تتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا المستمدة من ديننا الإسلامي الحنيف الذي يدعو للعفة ويحض على ستر العورات وينهينا عن إشاعة الفاحشة أو الجهر بالمنكر.
علينا ترشيد استخدامنا لهذه “الهواتف الذكية” لتظل وسيلة اتصال و قضاء المصالح وأداء الخدمات أو تسهيل البحث والدراسة والتسلية البريئة, لا نسرف في استخدامها حتى لا نصل لحالة الإدمان التي نرى البعض عليها وأصبح بسببها أسيرا لهاتفه النقال لا يريد أن يفارقه ولو للحظة واحدة, ويعري من خلاله نفسه للآخرين ويفشي أسراره الحميمة ويتخلى عن خصوصيته ويسعى من خلاله للتلصص وتتبع عورات الآخرين, ويوقع نفسه وأسرته في مشاكل هم في غنى عنها, ما كان لها أن تقع لولا ظهور هذه الأجهزة “الغبية” وتلك الشبكات التي تؤدي”للتنافر” الاجتماعي.

Mohamed-abdelsadek64@hotmail.com
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى