الإثنين 27 يناير 2020 م - ١ جمادى الأخرة ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / عليكم بروح “التسوية والتوافق”

عليكم بروح “التسوية والتوافق”

د. محمد الدعمي

” .. الأميركيون ينفقون أموالاً طائلة على كل ما من شأنه الكشف عن هذه الأصول، وذلك عبر إرسال نماذج من أظافرهم وشعرهم ومسحات من لعابهم الى الشركات المختصة بتحليل ذلك، كشركة Ancestry المختصة! لذا فاق العرب الأميركان في هذا المجال: فكل عربي، مهما كان صغير السن، إنما يستطيع أن يتتبع أربعة أو أكثر من ظهور أجداده، بلا حاجة للتحاليل ولا للأحماض النووية، ناهيك عن تشبثه بالجذور القبلية وبراعته بعلم الفراسة.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إذا كان مفهوم “الثقافة الشائعة” قد ولد وشاع في الولايات المتحدة الأميركية، رد فعل عاكس للأساس المتنوع والمتغير لثقافة الجمهور اليومية، فان المجتمع الأميركي الذي قدم هذا المفهوم للعالم لا يمكن إلا أن يجد لنفسه من الأدوات والآليات ما يكفل له حدًا أدنى من الالتقاء والتفاهم بين مختلف فئاته العرقية والدينية واللونية، من بين سواها على سبيل التواصل وتجنب الصدامات والاحتكاكات بين هذه الفئات الاجتماعية الرئيسية هناك.
وقد ابتنى ما سبق ذكره من أساس للبقاء وللتواصل على مبدأ لا يختلف عليه إثنان منهم قط، وهو أن المجتمع الأميركي (إن صح هذا التعبير الشمولي العام) إنما هو أصلاً مجتمع مهاجرين، بدليل أنك إن سألت أي أميركي أو أميركية عن جذوره الأصل، فإنك لن تحظى بإجابة تفيد بأن الشخص المعني هو إنسان أميركي أصلاً وفصلاً، ولادة وحياة وممات! اللهم باستثناء السكان الأصليين ممن يطلق عليهم عنوان الهنود الحمر. لهذا التأصيل المتردد على شفاه كل أميركي ما يبرره وما ينطوي عليه من طبقية ذات أبعاد لا تخلو من العنصرية قط، إذ يفضل البيض منهم الإدعاء بأن أصلهم مهاجرون من الدول الاسكندنافية، كالسويد خاصة، كما تفضل هذه الفئة البيضاء المتعالية الادعاء بأن جذورها الجينية تضرب عميقا في التنوع الآري الإسكتلندي أو الهولندي. وهذا، بطبيعة الحال، هو ما ينطوي على شيء من الاستعلاء على مواطنيهم من ذوي الأصول الأفريقية، أي مواطنيهم الملونين الذين حاول أحدهم تتبع اصولهم على نحو فني روائي، (ألكس هيلي) Alex Haley بتأليف روايته الشهيرة (الجذور) Roots الى القبائل الأفريقية البدائية! وبنبرة لا تخلو من التفاخر، معادلاً نوعيًّا للتفاخر الأوروبي الآري، الأشقر الذي يخص الآخرين عامة بنظرة دونية.
والحق، فإن هيمنة معطيات الشعور الوسواسي بالجذور والأصول العنصرية لدى العقل الأميركي قد أخذت مدياتها على نحو لافت للنظر، خاصة مع تسارع التسابق الأميركي نحو البحث الجيني عن أصل الفرد باستخدام الأحماض النووية الكاشفة عن ذلك، الأمر الذي يميط اللثام عن تصاعد وتسارع حمى البحث عن الأصول. والأميركيون ينفقون أموالاً طائلة على كل ما من شأنه الكشف عن هذه الأصول، وذلك عبر إرسال نماذج من أظافرهم وشعرهم ومسحات من لعابهم إلى الشركات المختصة بتحليل ذلك، كشركة Ancestry المختصة! لذا فاق العرب الأميركان في هذا المجال: فكل عربي، مهما كان صغير السن، إنما يستطيع أن يتتبع أربعة أو أكثر من ظهور أجداده، بلا حاجة للتحاليل ولا للأحماض النووية، ناهيك عن تشبثه بالجذور القبلية وبراعته بعلم الفراسة.
إلا أن للمرء أن لا يجحف حق الأميركان بقدر تعلق الأمر باعتماد التوافقات والتسويات سبلاً للتعايش المشترك وللاحترام المتبادل، ناهيك عن السعي لتحقيق أهداف التضامن والتكافل الاجتماعي القادرين على تجاوز كل أنماط التنوع اللوني والشكلي واللغوي والأصولي والديني والسياسي. بهذا يتجاوز الأميركان، تشريعات ورأي عام وسياسة، كل ما من شأنه التمييز على أساس الأصول والاختلاف.

إلى الأعلى