الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م - ١٥ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / .. فلا نرقص على كل حَبّل.

.. فلا نرقص على كل حَبّل.

علي عقلة عرسان

” يكثر اليوم التشكيك بالهوية العربية خاصة، مقوماتها وقيمها وكينونتها، وينسحب أم التشكيك ذاك ليبلغ التشكيك بالأمة، وبجدية وجدوى أن نتحدث عن عرب، وعروبة، ووجود متمايز لأمة قابلة للبقاء وقادرة عليه.. وذاك أمر قديم، يكبُر في عهود وعصور، ويضمُر في عصور وعهود.. ويبقى المؤكد الثابت الذي لا شك فيه، أن الأمة العربية، بهويتها وكينونتها، وتاريخها، وشخصيتها الثقافية – الحضارية، بقيت وصمدت لموجات التشكيك …”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال أبو البقاء الكفوي. أيوب بن موسى الحسيني القُريمي، المتوفى عام ١٠٩٤ هـ -١٦٨٣ م”. صاحب كتاب “الكليات”، وهو معجم في المصطلحات والفروق اللغوية في تعريفه للماهية والهوية:”ما به الشيء هو هو يسمى ماهية، إذا كان كلياً كماهية الإنسان، وهوية إذا كان جزئياً كحقيقة زيد”. فالكفوي يوضح أن زيداً، بين بني البشر، ذو وجود متعيّن بهوية، ولكنه ينتمي إلى الفصيلة البشرية. ونحن ندرك، أن لتلك الهوية مقومات، منها ما هو فئة من مكونات خاصة بالشخص، وهي وقف عليه، وفئة ثانية يشترك فيها مع بني قومه، وثالثة يشترك فيها مع بني البشر جميعاً. وما يشترك فيه مع بني البشر، في مجال التكوين العضوي، يشترك فيه، من وجوه، مع الكائنات الحية الأخرى:من حيث كون الجسد الحي تسكنه روح، يموت بفراقها الجسدُ الذي يشخص الكائن الحي جزئياً، ويحدد أهم معالم وجوده المادي، الملموس والمحسوس.
وبناء على هذا، فإن لكل إنسان فرد، هُوِيَّةٌ تحدد ذاتاً يُعرف بها، وله من تلك الهُوية، وبها:اسم، وقوام، وصفات خاصة، وسمات فارقة، ويتمايز عن سواه من بني البشر، في خلاصة تكوين الكيانات الثلاثة الرئيسة التي تكون الشخصية، نتيجة: تفاعل الكيان الجسمي بتحديداته وموروثاته الجينية وسواها، والكيان الاجتماعي بمعطياته المادية والمعنوية وخصوصياته وتاريخه، والكيان النفسي الروحي – الفكري، الذي يتكون بالدرجة الأولى من تفاعل الكيانين الأول والثاني، تفاعلاً عضوياً مؤثراً ومتأثراً بعمق، في بوتقة:الطبيعة، والبيئة، والناس، والمعطيات والمكونات الثقافية بأنواعها، المكتوبة منها والمرسومة والمسموعة، الملفوظة والمجسمة، الشعبية وغير الشعبية، والمعرفية والعلمية، والدينية.. ويكتسب خصوصيته الرؤيوية والفكرية والإبداعية والمهنية والاجتماعية، وكذلك الأبعاد المكملة لها، أو المستمدة منها في أثناء “عملية التواصل والتفاعل”العميقة والمستمرة، التي قد تكون تربية، أو تجربة خلاقة شديدة التمايز والحضور والتأثير، أو خاملة مُخْمِلَة، بدرجة ملحوظة، لا تظهر آثارها إلا في النمو الجسمي، والتطور العقلي ـ المعرفي ـ المهني المحدود، بدرجات متفاوتة. إلا أنها أدنى من تلك التي تحدث انقلاباً نوعياً في التكوين، يذهب بعيداً في المدى السلبي أو الإيجابي. وفي الأحوال جميعاً تتكون، في هذا المسار المتنامي، شخصية الفرد، وتتضح، وتتعزز مقوماتها وقيمها ومعاييرها وخصوصيتها ومكانتها.
ولما كانت هذه العوامل الرئيسة، في تكوين الشخصية الثقافية، الفردية والجمعية أيضاً ـ “أو الهوية، بشيء من التجاوز “ـ تفعل فعلها المؤثِّر، وتؤدي إلى خصائص تظهر في السلوك والتكوين العام والخاص، على المستويين، الفردي والجمعي؛ ومن ثمة تُعطي ملامح عامة، تكون شيئاً مشتركاً بين أفرادٍ ذوي هوية خاصة “فردية- ذاتية”على مستوى الجماعة أو الشعب أو الأمة وفي إطارهما، وعامة بالنسبة لجماعة أو شعب أو أمة بين الأمم، فإنه من الطبيعي أن نتلمَّس التأثير الثقافي، الذي هو إنتاج وإنجاز جماعي، وملك جماعي أيضاً، ذو بعد تاريخي ـ نتلمَّس تأثيره في بنية الإنسان.. ومن الطبيعي أيضاً، أن نتلمَّس تأثيرَ الشخصية وحضورَها وكيفية تفاعلها وتواصلها مع الشخصيات الأخرى، في هذا الإطار. الأمر الذي يعطي للشخصية ـ الهوية- الذات، مجالاً حيوياً تبقى فيه، ومن حلاله، قادرةً على أن تكون هي هي، في أثناء عملية التواصل والتفاعل والتكامل مع الآخرين، وقادرة على الأخذ والعطاء من دون عُقَد، وعلى النمو والتطور، من دون أن تفقد الأصالة أو الانتماء، أو الرؤية البصيريّة، وقادرة أيضاً على التمثُّل والتجدُّد، عبر تيار صيرورة حياتية، ذي مسار لا يخرج بها عن جوهرها “وما هيتها”، في أثناء سيرورة عملية المثاقفة ذاتها بمستوياتها، تلك التي تختلف اختلافاً بيّناً عن الغزو الثقافي؛ فالمثاقفة تنطوي على أمور إيجابية إنسانية حيوية إغنائية، مطلوبة ومرغوب فيها، بل ضرورية، يتطلع إليها الأفراد، وتنشُدُها الأمم وتمارسها الثقافات، بينما الغزو الثقافي ينطوي على فعل سلب وموقف استلاب، وشيئ من فعلي المحو والاتباع،وهو مما تقاومه الأمم، وترغب عنه الثقافات، في حالات الصحة والصحوة.
يكثر اليوم التشكيك بالهوية العربية خاصة، مقوماتها وقيمها وكينونتها، وينسحب أم التشكيك ذاك ليبلغ التشكيك بالأمة، وبجدية وجدوى أن نتخدث عن عرب، وعروبة، ووجود متمايز لأمة قابلة للبقاء وقادرة عليه.. وذاك أمر قديم، يكبُر في عهود وعصور، ويضمُر في عصور وعهود.. ويبقى المؤكد الثابت الذي لا شك فيه، أن الأمة العربية، بهويتها وكينونتها، وتاريخها، وشخصيتها الثقافية – الحضارية، بقيت وصمدت لموجات التشكيك الوافدة وتلك التي ابتلعَت أو وظَّفت بعض أبناء البيت العربي للعبث به من الداخل، وأحيطت بحمايات ودعايات ومغريات، لتكون عصياً غليظة و يُضرَب بها على الرأس. وقد استطاعت الأمة العربية التغلب على موجات التشكيك تلك، الهادفة إلى زعزعتها و هزيمتها من الداخل، نتيجة سياسات وسلبيات وأزمات. وقد بدأت ونمت وارتفعت تيارات من أمواج التشكيك تلك، سياسياً وعسكرياً وثقافياً وإعلامياً، منذ بداية الربع الرابع من القرن العشرين، ولم تتوقف أو ينحسر موجها بعد، بل ازداد صخباً وتخريباً. وكان في صلب ذلك التيار من أبناء “البيت العربي”، الثقافي والسياسي، من هو بحكم الأداة، والمخلب، وناب الوحش .. وبسبب من ذلك، وبتأثيره وتأثير من هم وراءه .. اتسعت موجة التشكيك، وأعطت بعض الثمر، الذي ارتفعت الأصوات مهللة لمذاقه الحلو، وفوائده الكبيرة… فقد “عربدت، أو تفرعَنت”أحزاب وتنظيمات وميليشيات لها، كانت تعمل على إضعاف الأمة، والنيل منها، والتشكيك بإمكانية أن يطلق عليها “اسم أمة؟!”، وفق مصطلحاتهم التي تنز انحيازاً ضد العروبة، مثلما تنز عداً للإسلام. وتوجه أفراد أو فئات أو سياسات، إلى التنصل من الانتماء العربي، والدعوة لذلك مطلقين اتهامات عجيبة غريبة؟! وراح نفرٌ إلى النيل من المقومات والقيم والخصوصيات القومية التي لمجتمعاتهم أو لأمتهم.. وتَشَمْرَخَ أولئك، بفعل الدعم والحماية والرعاية الخارجية، والعمل الميليشياوي في الأوساط الثقافية والإعلامية، والطبل الرَّجوج، الذي يضرب لهذا أو لذاك، من أولئك.
قال أحد المثقفين العرب، فيما يخص العرب وحدهم:”إن الهوية هي وهم، ينسجه السياسيون لكي تتماسك به الحقيقة المفككة. فالكتَّاب، حسب التعريف الذي يطلق عليهم عادة، لا يقبلون الصيغ الجاهزة. وأنا لا أعرف في الواقع ما هي هوية السودان الوطنية. أنا أعمل دائماً، كما يفعل (الكيني) ناغوغي، و”النيجيري”تشيب، على استنباط معنى الهوية نظراً إلى أن الدول- كما هو الأمر بالنسبة إلى الحياة- مختلطة، ولا يمكن فرض نظام عليها يتجاوز نقطة معينة.”/عن نشرة السفارة الأميركية بدمشق رقم 5000 تاريخ /5/1994ص3./ وعبارة هذا الكاتب، والعتبارات التي بنى عليها، لا سيما في موضوع الدولة والأمة، أو الدولة والقومية، حيث يذهب إلى الخلط بين الأمة والدولة، أو القومية والدولة.. فهناك دول فيها قوميات، وقوميات موزعة في دول، لكن لا الدولة استطاعت أن تمحو القومية، وليس ذلك من دورها وواجبها، ولا القومية استطاعت أن تقيم دولة صافية لا قوميات فيها غيرها. وعبارة هذا الكاتب التي بنى عليها، ليست أصيلة ولا أصلية من نسيج تكوينه التاريخي والروحي إنما هي مستقاة من “المنفى اللذيذ”الذي اختاره لنفسه، بدليل نستشفه من دفاعه عمن يهاجمون الثقافة العربية الإسلامية ورموزهما، بذريعة الدفاع عن حرية التعبير”وهما أمران مختلفان”، وهو يتصيد عباراته وآراءه من مواقع، نجدها في أكثر من مرجع، بأشكال الاقتباس. وإذا كانت هذه مثل سواها من الضربات التي توجه للهوية وللقومية في الوقت ذاته فإن هناك أساساً ومدى أبعد لهذا التوجه، نجده في دراسات وأبحاث تمت على معطيات معرفية واجتماعية وسياسية، تعاني منها مجتمعات معينة:”المجتمع الأميركي مثلاً “، ويراد لها، في عصر العولمة، أن تصبح الأنموذج الذي ينسج على منواله الجميع، ويراه كل “مثقف”أنموذجاً ثقافياً عاماً عالمياً صالحاً للتعامل مع الهوية، في عصر ما بعد الحداثة.. في عصر العولمة أو الأمرَكة وانتشار النموذج الإمبريالي الغربي في التفكير والتعبير والتقدير.
ويرى إدوارد سعيد، وهو كما يصفه صديقه الدكتور كمال أبو ديب، :”مناوئ شرس للهويات المتصلبة، الانفصالية، التي تصنِّف نفسها نقيضاً للآخر، وتقيم الحواجز بينها وبين العالم.. سواء أكانت هذه الهويات تتحدَّد في سياسيات الهوية عند المرأة، أم عند الذكر، أو الغربي، أو العربي، أو الإسلامي أو المسيحي أو اليهودي. فهو يرى مفهوم الهوية سكونياً، ويبحث عن الطاقات التي تحرِّر النفس والثقافة منه.”. وإذا كان هذا القول مما ينقض، أو يريد أن ينقض معمار الهوية ومكانتها ومرجعياتها عند الأمم، وربما عند الأفراد، بالاستنتاج أو الاستقراء المنطقيين، وأن يهدم أو يُراد له أن يهدم أركان مصطلح ومفهوم الغزو أو المحو الثقافيي ومقاومتهما، ليبقي اندفاع الهجوم العسكري والإعلامي والثقافي والفكري الإمبريالي ضد الأمم والشعوب والقوميات المستضعفة أو الضعيفة، مستمراً بحكم التواشج واستناد الضد إلى ضده بالوجود، لإدامة الصراع، والصراع أساس حياة أو الحياة .. فإنه إنما يقدم وصفة، من داخل البيت، للمساهمة في تدمير مقومات صمود الهوية وصمود من يدافعون عنها،وذلك بهز أو زعزعة أركان الهوية والخصوصية الثقافيتين، وتقديم الهوية على أنها لا يمكن أن تكون سوى هُجنَة ثقافية مستمرة، وتوليد غير محدود ينتج نغولة بلا ضفاف، وإضعاف أولئك الذين يقفون ضد أشكال الغزو والمحو الثقافيين، وضد التبعية بأشكالها، ويقرون المثاقفة الصحية السليمة التي تمارسها ذوات متمايزة غنية، فتأخذ وتعطي، من دون عُقَد..
إن تلك دعوات تتعاظم، وتستمر، وتُمرِع في هذا الزمن العربي الرديئ، حيث الحرب بيئة ناشرة للعفن والتعفن والهُزال، وحيث الصراع “البيني – العربي، العربي، والعربي الإسلامي”مناخ مثالي لتفشي هذا النوع الدعوات المهلكات .. وحيث الضعف، والتمزق، والاقتتال الغبي الذي تدور رحاه في أرضنا، بنا وعلينا، ينهك ويفضى إلى غياب الرؤية السليمة، للراهن والقادم، وحيث الخلاص بأي ثمن مطلب من تكويهم الحرب بنارها، وحيث العدو حاضر، والطموح الاستعماري – الاحتلالي ماثل، والتقسيم والتقاسم قائمان، وكلٌّ يربي فراخه. وكل ذلك يستدعي منا الوعي والتمحيص والتدقيق، والصمود بوجه تلك الدعوات ومن وراءها، ولا نقول الاسترابة بها فقط، ونحن هنا لا نتهم، ولا نصادر الاجتهاد، ولكن لكل في موقعه، وظرفه، وانتمائه.. رأي ووضع، وربما كان له مسوغه العلمي أو المنهجي، من موقع رؤية مغاير.. كون دعوته تعبر عن/وتصدر عنمجتمع فيه ثقافات عدة، ومقومات هويات ثقافية مختلطة، ويبحث ذلك المجتمع عن صيغة من صيغ تكوين هوية، بإذابة المكونات أو تفاعلها العضوي، ليكون مجتمع، ولتكون أمة، ولتكون دولة.. تكونت من الهجرات والهُجنَة، وفيها مما يمكن أن يكون تناقضات، ما يهدد اللحمة والتماسك. في مجتمع يريد أن يعزز الاستقرار والتآلف والتمازج ليقيم النضج الحضاري، الذي لا بد له من ثقافة ذات هوية متميزة، تنغرس في التاريخ والأرض والنفس البشرية، لتكتسب أصالة.
وتلك دعوة، من جهة أخرى، متواشجة على نحو ما، مع دعوة مثقفين آخرين، عرب من نمط “مثقف ناغوغي “، الذي يستحي بثوبه العربي، ويخوض معركة في “الفضاء الإنساني العام”، أي أنه يتجرد من الانتماء لأمة وبيئة وقضية، حتى لا يُتّهم بالانتماء لثقافة لا يريد الانتماء إليها، ولكنها مما وسم بها جلده؟! تلك دعوة نظراً لصدورها عن أعداء في التاريخ السابق، القديم واللاحق، ولتجدد تداولها في أوقات الهجوم على الأمة، وفي أوقات تجتاحها فيها الفتنُ والمِحَن، ويقوم بها، في الأغلب الأعم، أشخاص في مواقع أخرى، ارتبطت مصالحهم ومصائرهم بها، وبأنظمتها وبمكوناتها ومعطياتها .. فإنها تدعو إلى الريبة، وتُغري بالاسترابة بها، وتدعو إلى التحصن ضدها. ولا يعني التحصّن التقوقع ولا الانغلاق، ولا رفض المثاقفة السليمة، الصحية الصحية .. كما أنها دعوة تحتاج في تواصلنا وتفاعلنا معها، إلى التحلي بالمنطق والوعي، والاطلاع، والوعي المعرفي، واستعمال الحجة. ولا تعني، بأي حال، الانغلاق على الذات، وترديد تمجيد ما قدمه لنا الآباء والأجداد، من دون أن نضيف إليه ما ينفعنا ويرفعنا ويرتفع بنا، ومن دون أن نضع كل ما بين أيدينا من تراث وموروث وتاريخ وتكوين ثقافي، في موضع المقدس الذي لا يُقارب، ولا يناقَش، ولا يُمس، هذا “باستثناء المقدس “الإلهي -السماوي -الرسالي”، ، وما قدمته لنا السماء، مما يحتاج منا إلى حسن فهم، وحسن إتباع. وهذه أمور متوافرة نسبياً في أمتنا المتفاعلة المتواصلة، بذاتها مع ذاتها ومع الآخر، منذ آلاف السنين من الزمن. ولكن لأننا الآن في وضع “استثنائي، أو انتقالي، أو عابر”، فإن علينا، نحن الذين في البيت، الذين يدنا في النار، ويستهدفنا من يستهدفنا بالفكر والسياسة والقوة والحديد والنار، ومعه فئة من الأتباع والأدوات والتجار .. نحن الذين تاريخنا أمامنا، ورؤيتنا لأنفسنا أدق، وهي رؤية مرتبطة ارتباطاً متيناً، بأرض وعقيدة وتاريخ.. نحن ينبغي علينا أن ندرك ذلك كله، سلبيه وإيجابيه، وأن نعي من نحن، وماذا علينا أن نفعل لنكون، ولنتجاوز كل فتنة ومحنة وتشكيك، وتيار من تيارات التي تحمل السّموم.

إلى الأعلى